بين حياة وحياة
ابن_النور
في الحقيقة، نحن لا نحزن على مَوْتِ أحد، نحن فقط نحزن لأنهم لم يعِدوا يموتون أمامنا. أولئك الذين كانوا قبل أن يموتوا، يموتون كل يومٍ مَرّاتٍ ومرّات، يموتون ألماً وخوفاً وأرقاً، كان لديهم ما يكفي من مُسبّبات موتٍ تجعلنا نبكي عليهم بكاء النائحات، لكننا نحن المَوتى، إذ لم نكن نراهم عندما كانوا بيننا، إذ لم نكن نشعر برمقهم الأخير بين كل طارئ وطارئ، إذ لم نكن نرى روحهم تصعد إلى السماء بين كَمَدٍ وكَمَد.
نحن الذين لم نكن نرى من الحياة سوى حياتنا
نحن
هذه الكلمة الخالية من كل ضميرٍ متّصل أو منفصل، بها لا نرى إلا الزوايا التي تَسعنا، لا نعتقد إلا بالشعائر التي تُلائم طقوسنا، لا نُصدّق إلا بالحقائق التي تستر زيفنا، لا نؤمن إلا بدين آباء وأجداد أنانا وغطرستنا وسُبر أغوارنا التي لا يعلمون من قبحها إلا كل جميل نُزّين ونُزخرف أنفسنا ونفوسنا به.
نعم، في الحقيقة نحن لا نحزن على الموتى أيّاً كانوا ومهما بَلغتْ مبلغها أواصر القرب بيننا وبينهم، ولا يهزّ وجداننا النعش المُهيب السائر بهم، ولا نُكابد حسرةً على دمعةِ طفلٍ بريء تركوه خلفهم، حتى أزواجهم وذويّهم، هم أيضاً لا يحزنون مثلنا على موتِ الراحل الميّت البائس لربما. إنما الحقيقة، كُل الحقيقة أننا نحزن بأنانية مُفرطة على حالنا إذا ما صِرنا إلا ما صاروا إليه أولئك الموتى الذين سبقونا. نُوجس خيفة من شُعاع الحق ونواري نوره المُستفز عن أعيننا بأيدينا، نعم، فتلك الأيدي التي تَنَقَّعَتْ أكمامها بالدمع، لم تكن دموعاً تُذرف إلا على حالنا، والخوف الذي بُلينا به ساعة الموكب الجلل لم يكن إلا من قانون الخيال الذي سافر بنا وجعلنا نتخيّل حالنا مكانهم، وبيت العزاء ما كان لنا إلا أن ندخله خائفين، أيضاً على حالنا، على ذلك اليوم الذي سيأتينا بلا ريبٍ ونموت فيه، وتخرج روحنا فيه، ويلتمُّ الجَّمْعُ من حولنا، وتنوحُ النائحات على حَولِنا المبتور، وتُدَقُّ فيه خَشَبَ نُعوشنا، وتُفصّلُ لنا أكفاننا، ويُسار بنا من حياةٍ إلى حياةٍ برزخيةٍ أُخرى تُسمّى مرحلياً بالموت، ويَجيء إلى خيمةِ العزاءِ مَنْ كُنّا نعرفهم وآخرين لم نكن نعرفهم، ليبكوا ويخافوا ويحزنوا كما فعلنا وفعل أسلافنا قبلهم، ولكن ليس علينا، إنما على أنفسهم.
نعم، ففي الحقيقة هم بذلك ، هم حينئذ، لن يكونوا خائفين ولا هم علينا يحزنون.

Social Links: