الأم في الأغنية العربية – خطيب بدلة

الأم في الأغنية العربية – خطيب بدلة

يكاد دور الأم في الأغاني العربية ينحصر في التلقي، تَلَقّي هموم بناتهن العاشقات القادرات على التعبير عن مشاعرهن من خلال الغناء. ونادراً ما تكون الأم نفسها موضعاً للتغزل مثلما في موّال صباح فخري: يا أم عمرو/ جزاك الله مغفرة/ ردّي علي فؤادي مثلما كانا، وفي “سلامتها أم حسن” لأحمد عدوية.
السبب أن الأم، في المجتمعات الشرقية تتقاعد عن الحب والغرام في وقت مبكر، وتنصرف إلى تربية الأولاد، والطبخ، وترتيب شؤون الأسرة. ومن كثرة اهتمامها بابنتها، نراها تسهر، كما في أغنية “ست الحبايب” التي أبدعها حسين السيد، ولحّنها محمد عبد الوهاب، وغنتها فايزة أحمد 1957، والبنت نائمة، وتصحو من الأدان لـ (تشقّر عليها). والأم مستودع أسرار البنات، وهي التي تتابع تطورات أنوثتهن خطوة خطوة حتى الزواج، وهي التي تدافع عنهن، حينما يتعرضن لزجر أو ضرب من الأب أو من أحد الإخوة..
خلال فترة المراهقة، لا تجرؤ البنت على البوح بأسرار علاقاتها بالشبان لغير أمها، فهي التي تتفهم مشكلتها، وتحفظ سرها، ولا تعاقبها على العشق، فتخيلوا لو أن البنت قالت لأبيها، أو لأخيها، مثلاً، إنني معجبة بفلان، واليوم التقيته، وأمسك يدي، والحب جعلنا، نحن الاثنين، نذوب، أو أصبحت كلماتنا عاجزة عن التعبير عما يدور في قلبينا من غرام!.. ولكنها تقول هذا وأزيد منه لأمها، بل تغنيه، مثلما فعلت السلطانة منيرة المهدية في أغنية “يَمامة حلوة” إذ قالت:
يمامة حلوة، ومنين أجيبها، طارت يا (نينا)، عند صاحبها.
وأما شيخ المطربين الحلبيين، صبري مدلل، فقد غَيَّرَ، عندما أدى أغنية منيرة المهدية نفسها، كلمة (نينا) التي تعني بالمصرية الأم، إلى كلمة “ميما” التي تحمل المعنى نفسه بلغة أهل حلب. ويبدو أن اللبنانيين يستخدمون كلمة ميما للأم، أيضاً، بدليل أن عاصي الحلاني غنى بلسان حال فتاة تقول لأمها: يا ميما جنب الخيمة، دَعس خيول معلمة.. يا ميما مَرُّوا من هين.. إلى أن تسألها: كيف ألحقهون يا ميما؟
في سنة 1957، كتب مرسي جميل عزيز كلمات أغنية “يمّا القمر ع الباب”، ولحّنها محمد الموجي، وشَدَتْ بها فايزة أحمد، وهي استشارة عاطفية رفيعة المستوى، تتوجه بها فتاة إلى أمها، فقد جاء حبيبُ الفتاة الذي يشبه القمر، حينما ينوّر قناديلَه، بشخصه، إلى الباب: فهل أرد الباب في وجهه، يا يما، أم أنادي له (أدعوه للدخول)؟
لا يعني غناء صباح فخري “والنبي يَمَّا” أن الشّبان يَشْكون همومهم العاطفية لأمهاتهم، فالأغنية، في الواقع، تعبر عن حال بنت تقول لأمها: حبي حبيبي شاغلني، والله إن ما جاني لاني رايحة، ولا جاية يا يَمَّا.. ولكن، هناك حالة واحدة يلجأ فيها الفتى لأمه، كما في أغنية صباح فخري نفسه: العزوبية، طالت علي، قومي خطبي لي يا ماما، وحدة صبية.
يرفع الفريق الرحباني الفيروزي، كعادته، مستوى الحالة العاطفية في أي أغنيةٍ يقدمها إلى مستوى الشعر، كما في أغنية “يما الحلو”، إذ تشدو فيروز: يما الحلو، ناسي الهوى يما، ليل الحلو، طير وعَبَرْ يما.. ثم تأتي الأغنية التي تشبه قصةً قصيرةً مكتوبة بقلم أديب موهوب، فتقول: يا أمي ما بعرف كيف حاكاني، كنت حَدّ العين حيراني، تركتو بقصدي روح بدي رووح، مدري شو حد العين خلاني.
ها هنا يقاربُ الشاعران الرحبانيان حالةَ العشق التي تعيشها المغنية من خلال عوامل عديدة، أولها البوح للأم. وثانيها حداثة التجربة، فالعاشقة ذات الخبرة الواسعة بعالم الرجال لا تنفع للشعر. وثالثها انبهار الفتاة بسلاسة الشاب الذي أحبته.. يحكي ويحكي وصرت اسمع له، والحكي كيف كان طايع له. ورابعها الصورة الشعرية العجيبة التي توحي بأن الحديث الجميل قد جعل الزنابق حولهما تعلو: صاروا الزنابق حدنا يعلوا، لو ضل كان الورد خبّاني.

  • Social Links:

Leave a Reply