اليساري العربي والديكتاتورية
هدى شجراني
بسبب الوضع في سورية بالذّات، اتّضح لنا جليّاً مدى السقوط الأخلاقيّ والفكريّ الذي يعيشه يسارُنا العربيّ الذي منذ أن أعلن صراحة مساندته لكلّ الأنظمة الديكتاتوريّة الزائلة والحاليّة أُسقطت عنه «صفة اليساريّة».
حين بدأت أكتشف ميولي اليساريّة وحين بحثت في ماهيّة اليسار، تعلّمتُ أنّ على اليساريّ الوقوف ضدّ الإستبداد في السلطة الذي يفاقم الظّلم الاجتماعيّ والوقوف ضدّ الاستبداد في المجتمع باسم الدين. وإلى يومنا هذا أنا وفيّة لما تعلّمت منذ عشر سنوات خلَت. للأسف نرى اليوم اليساريّ العربيّ يدعم ديكتاتوريّة ستالين ولا يدعم ديكتاتوريّة هتلر لا لشيء إلّا لأّن ستالين الطاغية «الشيوعيّ» حارب النازيّة، ونراه يدعم ديكتاتوريّة صدّام حسين ومعمّر القذّافي وبشّار الأسد وعبد الفتاح السّيسي في ما فعل بالإسلاميّين. كذلك نرى الشيوعي العربي مع ديكتاتوريّة الجمهوريّة الإسلاميّة بإيران وفي الآن ذاته نراه ضدّ الديكتاتوريّة الوهّابيّة في السعوديّة إلى غير ذلك من التناقضات الغريبة والمرَضيّة حتّى. والأمرّ أنّه يعتبر نفسه من أتباع الثائر تشي غيفارا والمسالم نيلسون منديلّا ومن محّبي الشيخ إمام. حقيقةً لم أسعَ يوماً إلى خندقة نفسي تحت أيّ مسمّى، لكن في فترةٍ معيّنة حين بدأت أكتشف توجّهاتي اليساريّة أحسست بنوع من الفخر أنّي اخترت الوقوف ضدّ المستبدّ دون أيّ توجيه، لكن بالتأكيد لا أشعر اليوم بأيّ فخر بـ«انتمائي» لـ«يسار» كهذا فضحتْ ثورات الشعوب اصطفافَه مع الأنظمة المجرمة التي حكمتْنا بالنّار لعقود طويلةْ وفضحت نضاله المزيّف ضدّها لها هي حين كانت تحكمنا. وكتونسيّة أريد أن أقول إنّ اليسار التونسيّ غير مبدئيّ، فهو يرفض الاستبداد في بلده ويرضى به ويدافع عنه بشراسة في سورية والعراق وليبيا، إلخ.
هل على اليساري أن يكون ماركسيّاً لينينياً أو ماركسيّاً لينينيّاً تروتسكيّاً أو ماركسيّاً لينينيّاً ستالينيّاً أو ماويّاً؟ ماركس ليس رسولاً والماركسيّة ليست ديناً حقّاً ولينين وتروتسكي وماو ليسوا خلفاء ماركس الرّاشدين. لقد قدّم ماركس فكراً قابلاً للتطوّر ولم يقدّم لنا نصّاً مقدّساً. ولو أنّ ماركس نفسه قال إنّه ليس ماركسيّاً فلماذا لا يُسقط اليساريّ في منطقتنا عن نفسه كلّ هذه المسمّيات؟ لماذا لا يكون ابن عصره وابن بيئته مستفيداً من إرث ماركس ولينين ومطّلعاً على مفكّرينا اليساريّين والتّنويريّين ومطّلعاً على التجارب التحرّريّة العالميّة مطوّراً بذلك تفكيره ويساريّته؟ مات الطاغية ستالين وقُتل تروتسكي منذ عشرات السنين وانهار الاتّحاد السوفييتي وفشلت التجربة الاشتراكيّة السوفييتيّة ولا يزال اليساريّون العرب يتطاحنون بسببهما أو بالأحرى بسبب جمودهم العقائديّ. كن أنت وكن متحرّراً من القوالب اخلقْ يساريّتك وحرّرها من أيّ تسمية.
حين يقول اليساريّ «لبّيك نصرالله» بمعنى «الطاعة لك واتّجاهي إِليك وقصدي وإقبالي على أمرك»، أقول له عندما تعتبر نفسك «يساريّاً» وتقولها رغم يقينك بأنّ حزب الله، الوكيل الشرعيّ لإيران في لبنان، ودولة إيران نفسها هما أصحاب نظم ثيوقراطيّة ديكتاتوريّة دينيّة يدعمون نظام بشّار الأسد المجرم الذي تقول له في سرّك «لبّيك يا أسد» لقداسة شأنه بالنسبة إليك فأنت لست حرّاً، واليساريّ حرّ تسوده الحرّيّة فقط وليس عبداً لأشخاص، لا لبشّار ولا لصدّام ولا لستالين ولا لنصرالله، إلى غير ذلك من الأصنام.
فرّط اليساريّ العربيّ في إنسانيّته لصالح ديكتاتوريّات «علمانيّة» وعسكريّة ودينيّة سَلبت منه تلك البراءة الأولى التي كان عليها حين استهوتْه اليساريّة. اليساريّ العربيّ في تطرّفه انتهج طريق الإسلاميّ في تطرّفه وصار يخون ويتّهم بالعمالة كلَّ من يخالفه الرّأي.
متى يفهم اليساريّ أنّ كلّ الأنظمة العربيّة هي ضدّ شعوبها؟ «كلّن يعني كلن» كما يقول اللبنانيّ عن زعماء الطائفيّة في لبنان. ومتى يفهم العربيّ أنّ روسيا لم تعد شيوعيّة وأنّها لم ولن تكون صديقة لنا؟ وأنّ إيران وتركيا تخدمان مصالحهما كما روسيا؟ ومتى تدمع أعين العربيّ للآلاف التي قتلها صدّام ويكفّ عن البكاء حين يرى فيديو له وهو يرقص أو يدخّن السيكار؟!
متى نعي أنّ من يتآمر علينا هم حكّامنا؟ صدق درويش حين قال «أميركا هي الطاعون والطاعون أميركا». وأنظمتنا أيضاً طاعون، وعلى رأسها نظام البعث السوريّ والعراقيّ ونظام القذّافي. أنظمتنا هي أمّ التطرّف والإرهاب الذي يُسيل دماءنا اليوم.
قال مهدي عامل: «بوضوح أقول، فالوضوح هو الحقيقة، من لا ينتصر للديمقراطيّة ضدّ الفاشيّة، للحرّيّة ضدّ الإرهاب، للعقل والحبّ والخيال، وللجمال ضدّ العدميّة وكلّ ظلاميّة، في لبنان الحرب الأهليّة، وفي كلّ بلد من عالمنا العربيّ، وعلى امتداد أرض الإنسان، من لا ينتصر للثورة في كلّ آن، مثقّف مزيّف، وثقافته مخادعة مرائية».
ما قاله مهدي عامل أوجّهه كرسالة لمن اختاروا أن يتواروا تحت عباءة ولاية الفقيه ومِن تحتها عباءة حزب الله ومن تحتها عباءة الممانعة للدّفاع عن نظام الأسد الدمويّ وقبر إرادة الشعب السوريّ. والرسالة موجّهة خصوصاً «لليساريّين» الّذين لبسوا عمامة الفقيه واصطفّوا وراء بشّار الأسد. اليساريّ الحقّ هو من يقف إلى جانب ثورة الشعوب ويكون ضدّ التطرّف الدينيّ وسياسة قطر والسعوديّة. بمعنى آخر، لا داعي إلى تخوين من اختار أن ينتصر للدّيمقراطيّة ضدّ الاستبداد بشقَّيه العسكريّ والدينيّ سواءٌ في سورية أو غير سورية.
السنوات الستّ الأخيرة أثبتت مدى بُعدنا عن الإنسانيّة وأثبتت أنّ شعوبنا في غالبيّتها مدجّنة فكريّاً من قبَل أنظمتنا السابقة والحاليّة. وكلّ هذا جعلني أشعر بنوع من الغربة بين يساريّي بلدي وصرت أرى نفسي أكثر مع مجموعة كبيرة من اليساريّين اللبنانيّين والسوريّين الأوفياء لذلك التعريف لكلمة اليسار الذي عشت عليه لسنين عدّة. يساريّو بلدي يريدون لأنفسهم البقاء ويريدون الفناء للآخر المختلف وبالتّحديد الآخر الإسلاميّ.

Social Links: