من المجتمعات إلى الذات الفاعلة – إبراهيم غرايبة

من المجتمعات إلى الذات الفاعلة – إبراهيم غرايبة

من المجتمعات إلى الذات الفاعلة

إبراهيم غرايبة

يعتقد آلن تورين («براديغما جديدة لفهم عالم اليوم») أن المجتمعات والحركات الاجتماعية تمضي إلى الزوال، أو هي تتغير تغيراً جوهرياً، لتفسح المجال للذات الفاعلة والحركات الثقافية لتستوعب عالم اليوم المتشكل حول الشبكية والعولمة، هكذا أيضاً يجب برأيه أن تخلي سوسيولوجيا الأنساق المكان لسوسيولوجيا الفاعلين والذاوات الفاعلة. وقد يبدو ذلك صعب التقبل على الاجتماعويين، لكن لا مناص لنا نحن الخارجين من مرحلة تاريخية طويلة سيطرت عليها فكرة المجتمع من التخلي عن أداة تحليل فقدت قوتها ظاهرياً. إننا نعيش نهاية التصور الاجتماعي، وندخل في قطيعة تشبه تلك التي تشكلت قبل قرون خلت عندما نهضت المجتمعات بديلاً تنظيمياً للمؤسسات الدينية والإقطاعية، وأنشأت ديموقراطيات وأنظمة سياسية كانت تبدو في ذلك الحين خيالاً متطرفاً!

في هذه الديمقراطيات، صرفت المجتمعات نظرها عن الأفراد. لقد أحبت الفكر والعلم لكنها نفرت من الضمير، إذ كانت ترى فيه سمة الدين الذي يمارس تأثيراً سلبياً في النساء بخاصة، وقد جاءت مناهج التعليم الرسمي مطابقة للصورة التي تريد هذه المجتمعات أن تكونها عن نفسها، حيث كان يفترض بالمدرسة أن تنقل المعارف وتنشئ العقل وتفرض الانضباط، وتحجب الاختلافات القائمة بين الأفراد وراء ستار النظام الموحد، أي أن تخضع الجميع للحياة والتفكير اللذين يضمنان الإنتاج ومكافأة النخبة. كانت الفردية ضريبة لحضارة الصناعة لكنها اليوم تبدو فضيلة أو هي عنوان «الشبكية».

لكننا في هذه المرحلة الانتقالية نبدو في مواجهة مع مؤسسات تبدو في نظر نفسها وكثير من الناس راسخة مهيمنة، وتبدو من وجهة نطر «الشبكيين» آيلة للسقوط، المدارس التي أنشئت لتلبية حاجات المجتمع أكثر منها لتلبية حاجات التلاميذ، والجامعات التي أنشأتها المؤسسات الدينية والنقابات المهنية، تبدو موضع إعادة نظر جذرية لأن المجتمعات والمؤسسات الدينية والنقابات والحركات الاجتماعية تتلاشى.

والقوميات التي صعدت مصاحبة للحداثة والديموقراطية والمجتمعات، تحولت إلى أداة هدم داخلي، كما لو أن الحداثة أنتجت نقيضها، وصارت عبئاً على نفسها كما هي بطيعة الحال عبء على الاعتماد المتبادل الذي تقتضيه العولمة اليوم. وتتشكل مجتمعات وقيم جديدة حول الشبكية، تبدو فيها الفردانية سائدة ومستقلة عن كل بيئة اجتماعية، لكنها «زوالية» مصحوبة بآلام وصراعات مخيفة، وتبدو حتى من وجهة نظر المتفائلين بها لا تأتي بديلاً إيجابياً، وليست بطبيعة الحال المخلص المنتظر على رغم كل وعودها القادمة.

تتحول اليوم دول ومجتمعات كلها تقريباً إلى متسولين يعتمدون على الحماية والمساعدات الخارجية، وتختفي أعمال ومؤسسات بالجملة لتخلف أعداداً كبيرة من المهمشين، ويمتنع العمل على كثيرين، ويفقدون المبرر الأساسي لحياتهم، وأصعب من ذلك كله ما يبدو من انفكاك بين الاقتصاد والعمال، لم تعد فئات واسعة من الأعمال يحتاجها المنتجون الجدد. يقول تورين: لقد دخلنا كلنا المعبر الذي يقود من مجتمع مؤسس على ذاته إلى توليد الذات انطلاقاً من الأفراد بمساعدة مؤسسات أدركها التحول والتغيير، وهذا هو معنى نهاية الاجتماعي. وحين ننظر إلى اللاجئين الذين هجرتهم الحروب ومخيماتهم حيث يتغلغل العنف والخوف والموت في كل مكان، إن الأعمال التي تتكون في ظل أوضاع كهذه تنتمي هي أيضاً إلى عالم الفراغ الاجتماعي، حيث يكاد يكون العمل مستحيلاً، والموت الذي يتم إنزاله بالعدو كما بالنفس هو الجواب الأكثر ملاءمة لظروف التفكك والتهميش الاجتماعيين.

ويذكر تورين مثالاً معبّراً: سأل باحث اجتماعي شاباً يفتقر إلى عمل ثابت ويمضي متنقلاً من تدريب مهني إلى آخر، ما الفئة الاجتماعية التي تكرهها أكثر؟ فأجاب: البوليس أولاً، ثم المدرسون والعاملون الاجتماعيون، وكان ذلك مستغرباً بالنسبة إلى الباحث، ففسر الشاب إجابته بالقول: لأنهم يدعوننا إلى الاندماج في مجتمع مفكك الأوصال

  • Social Links:

Leave a Reply