مسابقات أدبية على إيقاع الطبل – خطيب بدلة

مسابقات أدبية على إيقاع الطبل – خطيب بدلة

تعود بي الذاكرة إلى أيام الشباب.. الشباب الحلو، المرح، الذي يمتد بين سني الثلاثين والخمسين. في تلك الأيام، كانت سورية شبه خاليةٍ من المعارضين الذين يعيشون خارج المقبرة، أو خارج السجون والمعتقلات، ولذلك كان الناس إذا رأوا رجلاً مثلي؛ يشتغل في الصحافة، والأدب، والشأن العام، وهو غير مؤيد للنظام، وغير منبطح، وغير راكض وراء سلطةٍ أو مكاسب، يلتبس عليهم أمرُه ويقولون: هذا معارض.
نعم، كنت محسوباً على المعارضين، على الرغم من بُعْدي عن الأحزاب، والمهرجانات الخطابية.. وفي أيام المسيرات العفوية/ الإجبارية التي كان المُخبرون يسجلون أسماء الأشخاص الذين يتخاذلون عن الالتحاق بها، ويرفعون أسماءهم في قوائم إلى الجهات المختصة لتؤدبهم، كنت ألجأ إلى مفصل ساقي اليمنى المتنكس، وأمشي ظالعاً عارجاً مثل كلبٍ تلقّى ضربةً مفاجئةً على قائمته، وأقول لمدير دائرتي إن أَلَمَ ساقي اليومَ لا يُحْتمل، وإن حب القائد يكون في القلب، ولا يشترط أن نزيد طين مفاصلنا المتنكسة بلة لنثبت أننا نحبه، (أحَبَّهُ البَرَص!)، فيسمح لي بالانصراف إلى البيت، ليس لأنه اقتنع بروايتي عن آلام المفصل. ولكن لأنه يعرف أنني أتذرّع به، لئلا أشعر بأنني صغيرٌ إلى درجة أن أمشي في موكب رجلٍ لا أطيقه.
وأتذكّر، في هذه المناسبة، ابن بلدنا أبو عبدو الذي كانت له عادة مستدامة، تتلخص في أنه حينما يُسَلِّم على أصدقائه الذين يسميهم “الشباب الكويسة” يأخذهم “مباوسة”، فيُتحفهم برائحة العرق الرخيص الذي كان يتناوله، بدءاً من وقت استيقاظه إلى وقت شَحنه “بالطريزينة” إلى بيته، بعد أن ينام على كرسي المقهى..
أبو عبدو هذا، كان كلما سَلَّم عليّ يقول لي: أنت ابن خالي أبو طارق بدلة، أنت رجّال محترم، وبتميل على رِجْلَك! ولم أكن أعرف يومها، ولم أعرف لاحقاً، إنْ كان يمتدحني بهذه الصفة، أو أنه كان يذمني، حتى إن أحد الأصدقاء انتبهَ أول مرة إلى أنني أعرج في أثناء المشي، فسألني عن السبب، فقلت له: ما في شي والله، هذه عَرْجة الحُسْن.
أذكر أننا ذهبنا مرة إلى بلدة سلقين الجبلية الرائعة، لنشارك في مهرجان أدبي. وهنالك فاجأنا أمين رابطة الشبيبة باستقبالٍ غريبٍ من نوعه، فحيثما تحرّكنا في ربوع سلقين، ضمن سيارة الوفد الأدبي، كنا نفاجأ برفاق شبيبيين يعترضون طريق سيارتنا، ويطلبون منا، بتهذيب شبيبي جم، أن ننزل، وما إن تلامس أقدامُنا الأرض، حتى يخرج من بين المحتشدين طبالٌ مما كانوا يقولون في مديحه “أخو حَفْيَانة”. ويبدأ الضرب على طبله، وينطلق من جواره عازف المزمار، وما هي إلا لحظاتٌ حتى تدخل إلى ذلك المرسح المُرْتَجَل فرقة الرقص الشعبي التي يقودها ابن بلدنا أبو عبدو (الشخص نفسه الذي كان يمتدح عَرْجَتي الجميلة)، وبعد أن ينقسم الراقصون إلى فريقين يلعبان بالسيف والترس، ينزل أبو عبدو حاملاً عصا طويلة يسمونها “عصاية النبوت”، ويبدأ بتدويرها في الهواء بحركةٍ تبدأ بطيئة ثم تتسارع. وخلال التسارع، يتناقص وزنها بفضل القوة النابذة، حتى تصبح بوزن الريشة، ووقتها يلوي أبو عبدو ظهره إلى الوراء، رويداً رويداً حتى يستلقي على ظهره، وعصاية النبوت ما تزال تفتل فوق جسده، ليصبح منظره شبيها بطائرة الهليوكبتر لحظة هبوطها على الأرض.
الحقيقة أن هذا الاستقبال كاد أن ينسينا سبب ذهابنا إلى سلقين، فقد ذهبنا للتحكيم في مسابقة أدبية، وإذا بنا ننتقل من حفلة رقص وتعييش للأب القائد.
هذا كله يأتي إلى ذاكرتي، أعزائي القراء، بعد أن أعلن السيد محمد قبنض (كان يعمل بصفة أجير بياع شاورما وسندويتش كباب في عَبَّارة حلب، ثم أصبح منتجاً تلفزيونياً، ثم عضواً في مجلس التصفيق والدبكة) أننا يجب أن ندعم القائد بشار الأسد والجيش العربي السوري، والقوات (الرادفة)، بالطبل والزمر.

  • Social Links:

Leave a Reply