انسنة الحيوان وهمجية الانسان
______________
يميز الباحثون في التاريخ البشري مرحلتين : المرحلة الاولى ، الادنى ، وهي مرحلة التوحش ، والمرحلة الثانية، الاعلى ،وهي مرحلة الأنسنة .
امتدت المرحلة الاولى منذ انفصال القطيع البشري عن عالم الحيوان بانتصاب قامته والتعود على استخدام يديه والقيام بالاعمال الهادفة التي جعلته يحول عناصر الطبيعة المحيطة به الى وسائل نافعة ، او مايعرف ب ” الانتاج ” ، فيستزيد من قدرته على الحياة ، اي مع تميزه عن بقية الحيوانات بضخامة حجم الدماغ وتحوله مع الزمن الى اداة للتفكير ومخزن للمعلومات ، ليتكون الانسان العاقل .
اختلفت التقديرات كثيرا حول طول هذه المرحلة باختلاف تحديد بدايتها . فالمستحاثات التي تظهر هنا او هناك والتي تكشف عن هياكل كائنات بشرية تجعل التقديرات تمد هذه المدة في القدم يوما عن يوم لتتسع من مائة الف سنة الى مليون عام !
اما المرحلة الاعلى ، مرحلة الانسنة ، فتبدأ مع تحول القطيع البشري الى حالة التحضر والاستقرار وممارسة الزراعة والحرفة وتبادل المنتجات بما يحسن من قدرته على اشباع حاجاته المعيشية من ماكل وملبس ومأوى وادوات عمل ، الى مجتمع انساني ، لتاخذ بالتشكل علاقات بين افراد هذا المجتمع تخضع لقواعد يتعارف عليها اعضاؤه بصورة عقلانية ، وليبدا بذلك الفكر الانساني فيضع القوانين ويقيم الانظمة التي تحكم علاقات الناس ، الذين مايلبثوا ان ينفرزوا الى طبقتين رئيستين ، تبعا لتمايزهم بالقوة والذكاء ، بداية ، ثم ب ” الثروة ” التي تستقر في شكل حقوقي هو الملكية الخاصة ، التي تقع اولا على المنتجات وعلى ادوات ومواد الانتاج ، لتنتهي مرحلة المساواة السابقة بين افراد القطيع ، ثم تقع الملكية الخاصة على البشر انفسهم ، اذ يصبح بعضهم عبيدا ( وهم الاكثرية) وبعضهم الآخر اسيادا ” (وهم الاقلية)، فينشا المجتمع الطبقي الاول ( العبودية ) ، وتتحول المرأة من الطرف الاساس في الوجود الاجتماعي ، ( في المجتمع الامومي ) ، الى احد موضوعات الملكية الخاصة ، التي تحدث الانقلاب الى المجتمع الذكوري ، فتنشأ العائلة .
ولست غافلا عن الرواية الاخرى المناقضة لهذه الرواية عن طرد آدم وحواء من الجنة الى الارض لتاتي البشرية من نسلهم ، كاملة مكملة ، شكلا ومضمونا ، عالمة منذ اللحظة الاولى !
مايهمنا هنا ، انه ، سواء في هذه الرواية او تلك ، فاننا نجد انفسنا اخيرا في مجتمع بشري ، عمره حوالي عشرة آلاف من الاعوام ، لكن نصيب الانسنة من هذا العمر لايكاد يلحظ ، وللاسف الشديد ، الا على سبيل الصدفة .
انما اروي رواية شواهد الواقع وكلمة العلم .
الانسنة ، هي توقف البشر عن الفتك بالبشر ، “الاخوة في الانسانية !” ، كما تقول الاديان ( الا بعض مايروي مشوهو العقول ! )، وكما يقول الفلاسفة والمفكرون الانسانيون .
الانسنة هي الارتقاء الانساني الجماعي ، بعد التعافي من امراض الهمجية ، الناتجة عن الجشع ، الذي لاتعرفه حتى الوحوش اللاحمة .
فالوحوش اللاحمة لاتقتل الا عملا بالقانون الطبيعي ، وهو غريزة البقاء ، اي عندما تجوع فقط ، وبدافع البقاء ، لانها لاتعرف التراكم ، ولاتعرف الصراع الطبقي والهيمنة الدولية , اللذين يعملان وفق مبدأ ” اما انا او انت ” ، وانما تعمل ، غريزيا ، وفق مبدأ ” انا وانت ” !
ما اكثر مانرى هذه الايام مشاهد الوحوش التي ” تتعالى ” على الاقتناص والقتل للضعيف الذي يقع تحت قبضتها ، عندما لايكون هناك ضرورة قصوى تتمثل في حاجتها الى البقاء الفيزيولوجي .
اما الوحش البشري ، فليته احتفظ بطبيعته الوحشية الغريزية وحسب ، لكنه استعان ب ” العقل ” ، الذي يفترض انه ميزته الرئيسة عن افراد القطيع البهيمي الوحشي ، التي تجعله يرتقي الى عالم الانسنة المتعالية ، ليكسو هذه الطبيعة صفات مكتسبة جديدة ، تسمح بالحط من مكانته الى مستوى يكاد لاينحط الى مستواه احد من الوحوش والحيوانات ، اللطيفة في معظمها ، وقد اطلقت عليه “الهمجية “.
فالهمجية هي نقيض الانسنة ، ولعل الصراع الطبقي الذي اعتبره كارل ماركس ” محرك التاريخ ” قد اخلى مكانه ، بعد انقطاع الصراع الطبقي ( او خموده في ايامنا ) بين الراسمالية والشيوعية ( الشيوعية التي اعتبرها ماركس نهاية الصراع الطبقي وانتقال البشرية من عالم الغاب الى الانسنة ) الى صراع بين الانسنة والهمجية !
واصبحت البشرية اليوم منقسمة الى نوعين مختلفين من البشر : نوع ينتمي الى الانسنة ونوع آخر ينتمي الى الهمجية ، وهو وريث الوحشية ، ولكن على شكل مضخم جدا ، انه فائض الوحشية .
ان الشكل الواقعي للاشتراكية لم يثبت في التطبيق ماتوقعه انبياء الشيوعية بانه سيمثل مرحلة الانسنة التي تقطع فيها البشرية الصلة بماضيها الوحشي القطيعي ، ولهذا فشل وانتهى , رغم الميزات الانسانية الكثيرة التي حملها ، والتي ، للاسف ، بقي معظمها ، كما بالنسبة للعقائد الدينية والفكرية ، حلما طوباويا يسكن وجدان دعاته والمؤمنين به !
اما الممارسات التي تطفح بها النظم المعاصرة ، على اختلافها ، من افقار وتجويع وخطف واغتصاب وقتل واكراه وتعذيب بافظع الوسائل القديمة والمستجدة ، والذي لايمكن ان يجد تبريرا حتى في قوانين الطبيعة العمياء ، فقد وجد تبريره في البيت الشعري الذي يختتم به الشاعر الكبير الراحل نزار قباني احدى قصائده السياسية الشهيرة ، حيث يقول ، على لسان سياف ؛
انا لا اقتل لاجل القتل يوما ……انما اقتلكم كي اتسلى
فقد اصبح القتل اشباعا لحاجة نفسية لدى كائن بشري الشكل ، مريض ومشوه نفسيا ، وليس لاشباع حاجة فزيولوجية تمليها ضرورة البقاء لدى كائن طبيعي !
اننا نعيش عصر انتصار الهمجية على الانسنة ، او ، على الاقل ، عصر الصراع بين الانسنة والهمجية .
فهل هذا هو المعادل الموضوعي لعصر الرقمنة الجاري ، ذروة التقدم العلمي _ التكنولوجي ؟ ام هو الجانب المظلم منه ، المستحوز عليه من قبل الطبقة الهمجية المهيمنة اجتماعيا ودوليا ، وان الجانب المضيء ، المسخر لخدمة الارتقاء الانساني ، لابد ان ينتصر في النهاية ؟
انها مسالة عصرنا الراهن .
تختزل الصورة البسيطة ادناه القضية المطروحة : انسنة الحيوان وهمجية الانسان !


Social Links: