الجابري-العقل الملتبس – أحمد برقاوي

الجابري-العقل الملتبس – أحمد برقاوي

الجابري-العقل الملتبس

أحمد برقاوي

حين أصدرنا في عام 1996 كتابنا « أسرى الوهم». أدرجنا الجابري في عداد الأسرى الذين اختاروا الأسر في الوهم بأيديهم.

لم نكشف يومها عن كل قضبان الوهم الذين يقبع خلفها صاحب كتاب « تكوين العقل العربي»، وإنما آثرنا أن نبرز الفارق بين فكرة انطونيو غرامشي « الاستقلال التاريخي » والتي أوردها في دفاتر السجن حيث كان يقبع عقلاً طليقاً في سجن موسيليني، تشوهها المقصود عند الجابري الذي اختار أن يقبع في سجن التراث العربي والذي جمّل بعضه بصفة العقلاني. كان الجابري وقتها يبحث عن « الاستقلال التاريخي التام للذات العربية». حينها أراد الجابري أن يبدأ من معرفة الذات والاستقلال عن النموذج السلف « حتى نستطيع التعامل مع كل النماذج تعاملاًَ نقدياً» .

طريق الجابري في تحقيق الاستقلال التاريخي التام للذات العربية هي : « العقلانية النقدية»، عقلانية نقدية تتجاوز السلف العربي الإسلامي والسلف الأوربي كما أراد ؟

لم تكن « العقلانية النقدية» عند الجابري أكثر من استعادة « عقلانية» قديمة تعود إلى الفلسفة الأندلسية_ المغربية.

ولا يحسبن القارئ العزيز أننا سندخل في جدل فلسفي مع ما كتبه الجابري، فليس عند الجابري ما يغري بالنقد للنص. إنما نقوم بتحليل ظاهرة تسترعي الانتباه ألا وهي : كيف تأتى لنفرٍ من الكتاب العرب انكبوا على وجوههم مستحضرين التراث الفكري الإسلامي بنكوص مرضي أن يكون لهم حضور في حياتنا الفكرية، وحضور قوي !!

ينتمي الجابري إلى مناخ الهزيمة _ الصاعقة الذي دشنته حرب عام 1967. بل قل إن حرب 67 هي الحجر الأساس لإشادة مقابر للطموحات الثورية العربية، وجاءت حرب 1973 لتدشن أول مقبرة لـ« لا للصلح لا للاعتراف، لا للتفاوض». كانت مقبرة «اللا» هذه الحرب، وتتابعت المقابر.

وعندها ظهرت الألعاب النارية في صورة الشهب التي ما أن تلمع في السماء بألوانها الزاهية حتى تنطفئ .

كان من الطبيعي أن يقدم الإيديولوجي الإسلامي، الذي هزمته إيديولوجيا التحرر القومي والاشتراكي، جواباً بسيطاً ومنسجماً مع بنية وعيه عن سؤال لماذا انهزمنا ؟ أجل كان الجواب بسيطاً انهزمنا لأننا لم نتكئ في حياتنا السياسية والثقافية على الإسلام، ولأنا خضعنا لأفكار الغرب ونمط حياته. وليس هناك إلا الحل الأمثل : الإسلام، العودة إلى الإسلام « الإسلام هو الحل ».

غير أن نفراً من القوميين والماركسيين والليبراليين ومن أنصار « البين بين» الفاعلين في حقل الثقافة، قد رأوا ما أصاب الأحلام الكبرى من هزيمة، ولمحوا من بعيد انبعاث الإسلام السياسي. أصابتهم العدوى من هذا الانبعاث، ظناً منهم أنهم يتسلحون بسلاح أمضى من سلاح الإسلاميين، فيحجبوا وجوههم شطر الفكر الإسلامي، من علم كلام، وفلسفة، وفقه، وأفكار اجتماعية متوهمين أنهم وجدوا الحل في تواصل أفكارهم « الحداثوية» مع أفكار المخزون الفكري الذي أطلقوا عليه اسم « التراث» فإذا هم الوارثون.

تأمل معي أيها القارئ العزيز ما يأتي: طيب تيزيني الشيوعي ثم البعثي يكتب « مشروع رؤية جديدة للفكر العربي في العصر الوسيط» عام 1971 ثم يلحقه بكتاب آخر من التراث إلى الثورة عام 1978 ويستمر بعد ذلك يكتب أخرى على المنوال نفسه.

غالي شكري الناصري_ العروبي يكتب عام 1973 « التراث والثورة ».

الماركسي_ الشيوعي حسين مروة يصدر «النزعات المادية في الفلسفة العربية الإسلامية» 1979.

في عام 1978 يصدر القومي ثم الإسلامي المستنير محمد عمارة « نظرة جديدة إلى التراث » وفي عام 1980 «التراث في ضوء العقل».

حسن حنفي اليساري الإسلامي يصدر عام 1981 التراث والتجديد أما الجابري فيكتب عام 1980 « نحن والتراث» ويلحقه بكتاب «تكوين العقل العربي» 1984 ثم «بنية العقل العربي» 1986 . والجابري من الحزب اليساري الذي أسسه الشهيد مهدي بن بركة، ما هي دعوى هؤلاء النكوصيين ، و تبريرهم للعودة إلى ما سموه التراث ؟

لقد قالوا جميعاً _ وبأشكال مختلفة_ أن الحركة القومية واليسارية قد أهملت قضية الانتماء إلى تراث الأمة، والتالي فقدت التواصل مع ثقافة المجتمع، ولهذا لا بد من بناء جسر مع الأمة عبر تراثها، ومساءلة تراثها، والبحث عن أجوبة فيه لأسئلة الراهن، وبهذا يكونوا قد ضمنوا انتماءهم المزعوم.

بهذا النمط من التفكير النكوصي أرادوا القيام بثورة وتجديد وازدهار.

إنهم قد ابقوا على مفاهيم، العقل، الثورة، التجديد، والمادية، بل والصراع الطبقي سواء في عناوين كتبهم أو في متنها لتأكيد بقائهم في الموقع الذي كانوا فيه من جهة وللبحث عن هذه المفاهيم في التراث الفكري ذاته.

إنها لعملية بهلوانية بامتياز، لقد جرى البحث عن ماركس ولينين في ثنايا فلسفة ابن رشد، والبحث عن المادية في فيض الفارابي وابن سينا، والعقل في ظاهرية ابن حزم الأندلسي، والثورة في لاهوت المعتزلة.

وبهذه الحركات البهلوانية يظهرون منتمين إلى العصر من جهة والى الماضي من جهة أخرى. فينالون رضا العامة.

كان المجتمع مهيئاً لاستقبال الوهم، ففي فترات الأزمات الكبرى والمآزق الصعبة تجد الأوهام مكانها الأصلح، فكان طبيعياً أن يستقبل من لديهم قابلية تصديق الوهم، أوهام النكوصيين.

لست في وارد عرض كل النماذج التي عينت هذه الأوهام، حسبي وأنا بصدد الكتابة عن الجابري أن أعاين ما سبق وعرضت على أساس قوله دون أي تأويل أو الكشف عن صحة النصوص أولاً، ولا القيام بنقد لا لزوم له، ولست أفهم حتى الآن لماذا انفق جورج طرابيشي سنوات طويلة من عمره في دحض الجابري. !

لو تركنا « تكوين العقل العربي» جانباً وهو الكتاب المؤسس لكل جهد الجابري اللاحق، لو تركنا النزعة الفوكويه في تحقيب الوعي، لو تركنا التحديد الصارم لثلاثة بنى ذهنية « البيان» و « العرفان» و « البرهان» والتي يسميها « نظماً معرفية » تميز الدولة الأموية والعباسية، ولو تركنا مدحه للمرحلة الأندلسية _ ابن حزم وظاهريته المناقضة لبيان العباسيين والفاطميين ،وابن باجة الذي كما يرى يتحرك في حقل البرهان فقط، لو تركنا ابن رشد الذي أقصى العرفان وفصل بين البيان والبرهان. لو تركنا هذا كله وسألنا ماذا يريد الجابري بحق؟ لنستمع إليه مجيباً: « اللغة والشريعة والعقيدة السياسية، تلك هي العناصر التي تتكون منها المرجعية التراثية التي قلنا إن لا سبيل إلى تجديد العقل وتحديثه إلا بالتحرر من سلطانها، وإذا كنا ندعو هاهنا إلى الانتظام في الجوانب التي أبرزناها في فكر ابن حزم وابن رشد والشاطبي وابن خلدون، فليس من أجل استنساخ أفكارهم استنساخاً، ولا من أجل تبني آرائهم تقليداً وتبعية، كلا. إن ما ندعو إليه هو توظيف نزعتهم العقلانية التقدمية كمنطلق يربطنا بقضايا تراثنا لا من أجل تجديدها أو الاغتراب فيها أو رفضها، بل من أجل نقلها إلى حاضرنا ونتعامل معها على أساس متطلبات الحاضر. وحاجة المستقبل بالاستناد إلى فكر العصر ومنطقه».

ينطوي هذا النص المعبر عن حقيقة تفكير الجابري على ذلك الوهم الذي أشرت إليه :

أولاً : التراث أو المرجعية التراثية هي اللغة والشريعة والعقيدة السياسية ».

ثانياً : لكي يُجدد العقل ويحُدث لا بد من التحرر من سلطانها.

ثالثاً: يجب الانتظام في الجوانب التي أبرزها في فكر ابن حزم وابن رشد والشاطبي وابن خلدون.

رابعاً : لا يجب استنساخ هذه الجوانب ولا يجب تبني آرائهم.

خامساً : الدعوة إلى توظيف نزعتهم العقلانية التقدمية .

سادساً: توظيف كهذا يربطنا بقضايا تراثنا.

سابعاً: هذا الترابط لا يعني تجديدها والاغتراف منها أو رفضها.

ثامناً : يجب نقلها إلى حاضرنا والتعامل معها على أساس متطلبات الحاضر وحاجات المستقبل. بالاستناد إلى فكر العصر ومنطقه.

لايمكن للناظر في هذه النقاط السبع إلا أن يلاحظ الارتباك الناتج عن نمط من التفكير الذي يبحث عن مصالحة مستحيلة بين فكر الماضي والواقع الحاضر.

يريد أن يتحرر من سلطان اللغة والشريعة والعقيدة السياسية.

ولكن مع البقاء في حقل الظاهري ابن حزم، والفقيه الشاطبي والفيلسوف ابن رشد والمفكر التاريخي ابن خلدون.

وهؤلاء لديهم نزعة عقلانية تقدمية.

يريد أن يتحرر من «التراث» وأن يرتبط به معاً. يريد أن يتعامل معها وفق حاجة الحاضر والمستقبل من جهة وعدم تحديدها والاغتراف منها. يريد التحرر وعدم الرفض.

هذا هو الوعي الملتبس …

الوعي الملتبس وعي لايريد أن يخسر أياً من أشكال الوعي، فيسعى نحو توليفة تجمع المتناقضات دون أي تركيب وأي تجاوز، لكنه يظن أنه يركب ويتجاوز.

وإلا ما هذه العقلانية النقدية المؤسسة على لاهوت ابن حزم وفقه الشاطبي وأرسطية ابن رشد وتاريخانية ابن خلدون !! .. وفي الوقت نفسه يريد أن يتحرر من المرجعية التراثية ..!!

كان بمقدور الجابري أن يظل مؤرخ أفكار وهذا خيار مفيد، وهو بالأصل مؤرخ أفكار إسلامية « فقه وعلم كلام وفلسفة ». وعندها يمكن مناقشته وفهم علاقة الفكر بمجمل البنية .

ولكن أن يأخذنا برحلة طويلة من تجربة الحكم المحمدي إلى حادثة السقيفة المزعوم إلى مقتل عثمان إلى الصراع الأموي الهاشمي إلى دولة بني أمية إلى دولة بني العباس .. ليقول لنا في نهاية كتابه العقل السياسي العربي « من هنا يتجلى واضحاً أن إعادة بناء الفكر السياسي في الإسلام يجب أن تنطلق من إعادة تأصيل الأصول التي تؤسس النموذج الذي يمكن استخلاصه من مرحلة الدعوة المحمدية « وأمرهم شورى بينهم ». و«شاروهم بالأمر» و « وأنتم أدرى بشؤون دنياكم». «كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته ».وإعادة تأصيل هذه الأصول يتطلب كخطوة أولى إقرار المبادئ الدستورية التي تجعل حداً لمثل ذلك الفراغ الدستوري الذي برز واضحاً أواخر عهد عثمان ..» .

أو ليقول لنا : « ليس هناك غير أساليب الديمقراطية الحديثة التي هي إرث للإنسانية كلها. إن تحديد ممارسة الشورى بالانتخاب الديمقراطي الحر، وإن تحديد مدة ولاية رئيس الدولة في حال النظام الجمهوري، مع إسناد مهام السلطة التنفيذية لحكومات مسؤولة أمام البرلمان في حال النظام الملكي والنظام الجمهوري معاً، وإن تحديد اختصاصات كل من رئيس الدولة والحكومة ومجلس الأمة بحيث تجعل هذا الأخير هو وحده مصدر السلطة، تلك ثلاثة مبادئ لا يمكن ممارسة الشورى في العصر الحاضر بدون إقرارها والعمل على ضوئها ».

ترى هل هذا النص الثاني هو تأصيل الأصول الذي يبحث عنه في النص الأول ؟

هل الديمقراطية الحديثة هي تأصيل لقول الرسول « كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته».

ماذا لو أن الجابري قال لنا مباشرة أن الديمقراطية الحديثة هي تأصيل الأصول كأي مصلح ديني إسلامي.

مرة أخرى يقودنا الوعي الملتبس من كل تاريخ الصراع العربي الإسلامي على السلطة منذ موت الرسول. من مكة وأصنامها، إلى الدعوة المحمدية ودولة الخلفاء ودولة بني أمية والعباسيين ليقول لنا أن الديمقراطية هي الأنسب للحكم !!

هل كان على الجابري أن يسرد لنا أسماء ما انزل الله بها من سلطان أسماء ميتة في التاريخ العربي كـ ابن ابي سلول، ابن درهم الجعد، سعيد بن زيد بن عمر، المغيرة بن الحارث، حفص بن سليمان الهمذاني، أسيد ابن الحضير، الحباب بن منذر، زيد بن حارثة بن شارحيل الكعبي، صالح بن الهيسع، المنذر بن سادي وغيرهم العشرات ليقول لنا في النهاية يجب تأصيل الأصول وبالتالي تجب الديمقراطية !

لماذا يفعل الجابري _لأن هذا ببساطة من شيمة العقل الملتبس يقول صاحب دعوة التحرر من سلطة السلف : « لا تجديد ولا تحديث يبدأ من الصفر لابد فيهما من الانتظام في عمل سابق » أعني في تراث « نعود فنؤكد على أن ما تبقى في تراثنا الفكري الاجتهادي قابلاً لان ننتظم فيه في عملية التجديد والتحديث المطلوبة هي تلك الجوانب التي أبرزناها في المشروع الثقافي الأندلسي».

لا تجديد ولا تحديث يبدأ من نقطة الصفر. حسناً، كان أولى بالجابري وهو يريد أن يجدد ويحدث دون أن يبدأ من نقطة الصفر أن لا يعطي علامة الصفر لكل مفكري النهضة وفلاسفة العرب المعاصرين في كتابه الخطاب العربي المعاصر.

بل من يأنف البداية من نقطة الصفر عليه أن يجد في جهد أكثر من قرن للبناء عليه.

فالجابري حين تناول الخطاب العربي : الخطاب السياسي والقومي والفلسفي راح يصدر أحكام الإعدام على الجميع بوصفهم متهمين. « فعقل عبده عقل سلفي مكبوح الجماح، لا ينتج العلم، يبحث في أسرار الكون ولكن مع احترام الحقائق الثابتة، إنه عقل الماضي، بل العقل السيئ الذي ردع وكبح مسيرة نهضة الماضي التي شيدها عقل المعتزلة والفلاسفة والعلماء» .

وسلامة موسى هو الليبرالي الذي بشر بالنهضة بواسطة مركبات ذهنية تنتمي إلى الماضي والحاضر الأوربي.

ويتابع الجابري محاكمته: فأمام تمزق الوعي بين السلفي والليبرالي تظهر نزعة الانتقاء والتوفيق، وهي محاولات تخفي أو تحاول أن تخفي الكذب الصراح على النفس .

وهنا يظهر السلفي الليبرالي كحسن صعب والليبرالي السلفي كزكي نجيب محمود.

أما العروي الماركسي التاريخاني فيراه الجابري تجاوز في الظاهر للانتقائية، فلا تخلو إطروحات التاريخاني العربي من التوفيق والتناقض ويضرب على ذلك مثلاً كتاب العروي « العرب والفكر التاريخي ».

ولم يكن مصير حسين مروة أفضل من مصير سابقيه. أما بدوي «فقد تبنى الأطروحات الظلامية في الفلسفة الوجودية».

وجوانية عثمان أمين من زاوية رؤيته فلسفة توفيقية لاعقلانية، ووعظية إنها فلسفة «لاعقلانية تستند إلى الغزالي وروحانية برغسون إنها تجمع أصالة اللاعقل العربي ومعاصرة اللاعقل الأوربي ».

وفي رحمانية الأوربي كما يقول تناقضاً بين المنهج الرحماني والأهداف، أهداف التقدم و الحرية، وذلك لسبب بسيط ألا وهو أن الأهداف عقلانية.. في حين أن المنهج الرحماني منهج لاعقلي.

ويقول الجابري في كتابه الآنف الذكر: إن الخطاب النهضوي العربي، الخطاب المباشر «بالنهضة» و« الثورة» والأصالة والمعاصرة خطاب توفيقي محكوم بسلف .. وأن يكون الخطاب أي خطاب توفيقياً متناقضاً معناه أنه خطاب فاشل، خطاب غير مبني إلا بشكل منزل لا يأوي أصحابه .. وأن يكون الخطاب محكوماً بسلف معناه أنه خطاب لا يرى الواقع كما هو ولا يعبر عنه ولا يعترف به ».

من حق الجابري أن « يصفي حسابه » مع الخطاب العربي المعاصر، كما فعل ماركس وانجليز في الأيديولوجيا الألمانية من حقه أن يبدأ من نقطة الصفر وكأن مئة عام من التفكير والتأليف لم تكن. بل إن كل مفكر أصيل إذا ما أراد أن يقدم خطابه الخاص فعليه أن يقيم قطيعة مع الأسلاف.

وبمعزل عن صحة نقد الجابري من عدمه فإنه يمارس حق النقد من أجل أن يتجاوز. فهو هنا لا يريد أن يحدث ولا أن يجدد.

ومعه كل الحقفي قوله:« أن يكون الخطاب محكوماً بسلف معناه أنه خطاب لا يرى الواقع كما هو، ولا يعبر عنه ولا يعترف به ».

بل إن هذا القول من الجمل القليلة المفيدة في كتابات الجابري لكن أن يقول كاتب قولاً كهذا ثم يعود « للانتظام » في تراث أسلافه أمثال الشاطبي وابن حزم فهذا ما لا يخطر على بال أبداً.

شخصاً يطيح بماضيه القريب ليعود إلى ماضيه البعيد. إنه شخص يرفض الفكر العربي كله وينعته بالسلفية والليبرالية والتوفيقية والسلفية الليبرالية والليبرالية السلفية والتوفيقية الشكلية .. وهي الأوصاف التي استحدثها قبله طيب تيزيني يضعك سلفاً أمام خطاب قادم يبدأ من نقطة الصفر.

وإذا به يقرر: لا تحديث ولا تجديد يبدأ من نقطة الصفر بل من المشروع الأندلسي .

تظهر في طريقة تفكير الجابري هذه ماهية العقل الملتبس .

العقل الملتبس يريد أن يجدد ويحدث .لا أن ينطلق من حكم جامع مانع لا تجديد ولا تحديث يبدأ من نقطة الصفر .

والتجديد _ كما هو مفهوم_ تجديد شيء عتيق، والتحديث تحديث شيء قديم. ولأن الجابري لا ينتمي إلى صنف الفلاسفة الذين ينطلقون من نقطة الصفر عادة فهو إذاً يريد أن يجدد العتيق ويحدث القديم. أي أنه يريد أن ينتمي إلى عالمين مختلفين معاً.

ما هو عالم ما قبل الصفر الذي « ينتظم » فيه الجابري « المشروع الثقافي الأندلسي».

العقل الملتبس مولع بفكرة « المشروع». فيحلوا له أن يطلق صفة المشروع عن فكرة ماضٍ وفكر حاضر. والمشروع كما تواضعنا على معنى الكلمة هو برنامج للمستقبل.

لا يتردد الجابري أن يطلق كلمة « مشروع» على ما تفتق عنه فلاسفة العرب وفقهاؤهم ومفكروهم . ترى هل كان في ذهن ابن رشد وابن باجة وابن طفيل وابن خلدون وابن حزم والشاطبي أن يقوموا مشروعاً ثقافياً أندلسياً !.

تنطوي فكرة المشروع عند العقل الملتبس على وعي لا شعوري أو شعوري بدور المخلص.

لم يتحرر واضعوا المشاريع من فكرة المخلص ذلك أنه يضع للناس « مشروعاً». أرأيت في تاريخ الفكر فيلسوفاً أو كاتبا أو أدبياً يضع «مشروعاً للرؤية».

الجابري وسواه ممن استبدت بهم فكرة المشروع مستلبون بوظيفة « المنقذ من الضلال». وظيفة « الواعد» فبدل الوعد الإلهي يتخيلون أنفسهم مشروعاً أي وعداً جابرياً.

فيما الفيلسوف الحق أبعد ما يكون عن هذا « الوعي اللاهوتي» بوظيفة الفكر.

العقل الملتبس لا يريد أن يبدأ من نقطة الصفر لماذا؟ هو يقرر ذلك لأنه بالأصل ليس لديه ما يبدأ به، ولهذا فهو يدعو إلى التجديد والتحديث. إذاً هو _ فعلاً _ لا يبدأ من نقطة الصفر.

وكل التراثيين يكرهون « الصفر» لأن أقلامهم مثقلة بالإرث القديم. ولهذا فهم _ عملياً _ استمرار لتلك المصالحة الكاذبة والزائفة بين العقل والنقل.

والجابري وأمثاله يقدمون لاهوتاً جديداً قديماً. قوامه مصالحة بين الفقيه والفيلسوف، بين الشريعة والحقيقة. وإلا ما معنى الجمع بين ابن باجة والشاطبي وابن طفيل وابن حزم.

وهذا هو الذي يفسر هوس التراثيين بالمجلدات الضخمة كماً.

لأن الإحالات إلى كتب التراث تأخذ من كتبهم أكثر من تسعين بالمئة .

يمكن للفيلسوف جرياً على التقاليد الفلسفية_ أن يعلق انتماءه إلى فيلسوف أبٍ . فكان يمكن للجابري أن يعلن أنه رشدي محدث أن يظل في حقل الفلسفة الرشدية.

فيكون لدينا إذ ذاك فيلسوف رشدي وعندها يصير لديه نص فلسفي قابل للقراءة والنقد.

أما وأنه صار جزءً من ظاهرة وظاهرة مضرة لأنها تزيد من ارتباط الوعي السائد بالوهم السائد فهو موضوع ليس إلا.

ولعمري: إن التراثيين يهربون من المشكلات الحقيقية للواقع العربي. مشكلة الأنا والذات والحرية، مشكلة السلطة والدولة ويلوذون وراء الدعوة والسقيفة ومقتل عثمان ومرتكب الكبيرة فسيتقبلهم قذاهم الوعي الواهم المولع بالدونكيشوتيين بعيون يقتلها القذى.

ولخير لنا أن نظمئ من أن نشرب مراراً على القذى.

  • Social Links:

Leave a Reply