تقيّة الإسلام السياسي وانسداد الآفاق – مصطفى الدروبي

تقيّة الإسلام السياسي وانسداد الآفاق – مصطفى الدروبي

تقيّة الإسلام السياسي وانسداد الآفاق

مصطفى الدروبي

منذ  النشأة المشبوهة لجماعة الإخوان المسلمين في عشرينات القرن المنصرم  تمثّل دورها بالحرب على أي مشروع نهضوي تجديدي لأمة رامت النهوض من ركام قعودها وتخلفها وغيابها عن المشاركة في الحضارة الإنسانية لقرون طالت وما زالت مستمرة للأسف …حيث استشعر المحتل الإنكليزي لمصر آنذاك الخطر على مصالحه وذلك من خلال رصده لحراك جمال الدين الأفغاني وتلميذه الأبرز الإمام محمد عبده وأعتبر فيما يطرحانه من خطاب حداثي تهديداً جدياً سيعم الشرق إن قيّض له أن يستمر كونه سينسف مرتكزات الكولونيالية الغربية القائمة على تكريس التبعية والهيمنة والبلادة الفكرية ومعاداة التجديد والتّجدد فوفرت الشروط والأسباب لولادة إسلام سياسي ذو طابع كتائبي عنفي يتصدى للاستنارة والعقلانية ويحارب كل الفصائل الداعية للتقدم والخروج من حالة الاستنقاع والجمود.

لقد قامت جماعة الإخوان المسلمين على السريّة والتراتيبية الصارمة والطاعة العمياء منذ نشأتها متبنيّة  لمفهوم الحاكمية والمستندة لمسؤولية الحاكم أمام الله في الآخرة كونه راعٍ لرعيّة قطيع عليها الطاعة والاستجابة دونما  تذمر مستندين لشعار ما فتئوا يرفعونه ألا وهو “الاسلام هو الحل” دون تحديدهم شكل الإسلام الذي يستندون إليه أو الخلافة التي يبتغونها متجاهلين أن النبي عليه السلام لم يتحدث عن الخلافة البتة من حيث أن النبوءة لا تُوَرث ولم يشروا إلى الصراعات الدامية التي نشأت بعد اعتماد مبدأ الخلافة والذي كرسه عمر بن الخطاب في سقيفة بني ساعدة حين بايع أبا بكر لتصبح الخلافة شكلاً للحكم يختلف مسلكها من خليفة لآخر وفق رؤية كل منهم والمرحلة التاريخية التي مر بها المسلمون والإسلام وشروطها الموضوعية والتفسيرات المتباينة حول النص القرآني والحديث النبوي..وكذلك للانقسام الحاد والذي أصاب المسلمين إثر الصراع المكشوف بين علي بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان والذي مازال قائماً ليومنا هذا كجرح مفتوح لا يندمل ..وثارات لا تنتهي من قبل القوى التي تبحث عن المصالح والنفوذ مستندة كل منها إلى كم هائل من الحجج والسفسطائيات والدس والتآمر لإثبات الأحقية للبيت الأموي أو  لآل البيت بالخلافة وتأبيدها.

لقد استندت دعوة الإخوان المسلمين على السنّة كفئة غالبة من حيث العدد من طنجة إلى جاكرتا متّخذين من نهج  ابن تيمية ذو النزعة الراديكالية في تطرفها وتشددها مرشداً ودليلاً حيث حصروا الإسلام بجماعتهم متهمين المسلمين بالجهالة والجاهلية ولذا لجأوا إلى السرية الشديدة في أعمالهم التنظيمية والتّقية في خطابهم فما هو معلن غير ما هو مبطن من خلال المناورة بعيداً عن كل مبدئية واللجوء إلى الاصطفافات المتبدلة بين حين وآخر وراء هذا الحاكم أو ذاك…. ففي مصر وهي دار نشأة الإخوان تصطف الجماعة خلف الملك فاروق مع بداية عهده وتضفي عليه الصفات الطيبة وأنه وهو يضم المصحف إلى قلبه سيجعل قلوب المسلمين كافة تهفوا إليه !!  فها هو مرشدهم حسن البنا يزور فاروق بقصر عابدين مترأساً وفد الجماعة  ومقدماً له صحيفة «الإخوان المسلمون» بعددها الذي تَزَيَن غلافها بصورة الملك وفى يده مسبحة .. وليكتب زعيم الإخوان على صفحات هذا العدد : ” إلى أنه إذا كان قد ضم القرآن إلى قلبه ومزج به روحه،فإنه لا يخدم نفسه فى الدنيا والآخرة فحسب،ولكنه بذلك يضمن لمصر حسن التوجيه ويحول بينها وبين العناد ويقيمها على أفضل المناهج، ويسلك بها أقرب الطرق إلى كل خير، وهو فى الوقت نفسه يضمن ولاء أربعمائة مليون من المسلمين فى آفاق الأرض،تشرئب أعناقهم وتهفو أرواحهم إلى الملك الفاضل الذى يبايعهم على أن يكون حامى المصحف فيبايعونه على أن يموتوا بين يديه جنودا للمصحف،وأكبر الظن أن الأمنية الفاضلة ستصير حقيقة ماثلة،وأن الله قد اختار لهذه الهداية العامة الفاروق، فعلى بركة الله يا جلالة الملك ومن ورائك أخلص جنودك».

وبذات الوقت كان الإخوان قد اخترقوا المؤسسة العسكرية المصرية وكان لهم حضورهم الكبير في تنظيم الضباط الأحرار  كونه “خرج من عباءة الجماعة، ولأن الجماعة تعلم بوجود التنظيم ودقائقه وأسراره وكثير من ضباطه من أعضاءها ، ولأنهما التنظيم والجماعة يلتقيان على ذات الأهداف، وسبق التنسيق بينهما في مراحل عدة، ولأن الضباط الأحرار هم من قاموا بتدريب الإخوان المسلمين على المهارات القتالية المختلفة، ولأن الاتصال لم ينقطع بين الجماعة والتنظيم حتى ذلك الحين” لهذا راهنوا كثيراً على هذا التنظيم من أجل الوصول للسلطة بعد اسقاط الملكية وحاولوا فرض وصايتهم على العهد الجديد الذي أتى به ضباط 23 يوليو – تموز 1952 حيث سأل الهضيبى مرشد الإخوان وقتها جمال عبدالناصر بعد إعلان الثورة أهدافها الستة المشهورة قائلاً : «وأين الإسلام ؟»، فكان رد عبدالناصر: «إن التحرر من الاستعمار والاستغلال بداية العمل للإسلام».

ومن هنا بدأ الافتراق بين الطرفين خاصة بعد صدور قرار الإصلاح الزراعي والذي شكّل القاعدة العريضة من الجماهير المعدمة للعهد الجديد ليتلوا ذلك عهداً دموياً قاسياً خصوصاً بعد محاولة اغتيال عبد الناصر في ميدان المنشية بالإسكندرية يوم 26 أكتوبر 1954م

حيث قال عنهم حينها : “يتكلمون بوجه، وحينما ينصرفون يتحدثون إلى الناس وإلى أنفسهم بوجه آخر” .

بعد ذلك وجد إخوان مصر ضالتهم بالعهد السعودي والذي قدم لهم الدعم والملاذ  استناداً لعلاقة تجمعهم منذ بدايات هذا العهد الذي بدأ بلقاء تاريخي جرى في العام 1936 بين الملك عبد العزيز آل سعود وحسن البنا حيث استقدمت المملكة الوليدة حينها الكثير من كادرات الإخوان لوضع أسس الإدارة و مناهج التعليم والتي اشتملت على جل أفكارهم ومفكريهم كسيد قطب والبنا والقرضاوي مما مهد لاحقاً لبناء جدار صد لكل الأفكار التقدمية والليبرالية والديمقراطية في عموم العالم الإسلامي ليحدث الطلاق فيما بعد على يد الملك  سلمان بن عبد العزيز وابنه محمد والذي صرح لأكثر من مرة متعهداً اجتثاثهم حيث “ثمانية عقود مرت فيها العلاقة بين الطرفين صعودا وهبوطا بمراحل كثيرة، توثقت فيها الروابط فترات طويلة، ثم تقطّعت الأواصر سنين عددا، وانقلب صفو الوداد إلى كدر وجفاء ثم إلى خصومة وعداء”.

وهذا حال الجماعات الإخوانية  الأخرى في البلدان العربية كافة حيث لا يتسع المقام هنا للإفاضة حول مسلكياتهم وتناقضاتهم ولجؤهم المستمر لتقيّة سافرة وقلب ظهر المجن عند كل منعطف حيث هذه سمة مسيرتهم المتقلبة خلال تسعة عقود خلت ..ولا يسعنا القول سوى الإشارة إلى الأضرار الفادحة التي ألحقتها جماعة الإخوان المسلمين في سوريا بالثورة السورية وكذلك فشل تجربتهم المصرية في ثورة يناير وتأرجحها في تونس والتي حاولت جماعة النهضة المناورة والمداورة والتصريح أنهم سيحصرون نشاطهم في القطاع الدعوي وأنهم لا ينتمون للإسلام السياسي بل هم مسلمون ديمقراطيون على حد ما قاله زعيمهم الغنوشي ونعتقد جازمين أن هذا الموقف ناتج عما أصاب ذراعهم المصرية من ضربة موجعة بسبب غباءهم السياسي ..بل ونفاقهم حيث كلنا يذكر ما قاله محمد مرسي قبل أيام من اسقاطه من قبل المؤسسة العسكرية عن العسكر : ” احنا عندنا رجالة زي الدهب بالقوات المسلحة ” فرد السيسي عليه بابتسامة باردة خبأت الكثير خلفها.

مصطفى الدروبي

كاتب صحفي سوري وباحث في قضايا التراث العربي

ستراسبورغ – فرنسا

12 – 09 – 2018

  • Social Links:

Leave a Reply