عاش شريدًا ومات وحيدًا –  منصور الأتاسي

عاش شريدًا ومات وحيدًا –  منصور الأتاسي

عاش شريدًا ومات وحيدًا
منصور الأتاسي

لم توافق إسرائيل على دفن جثمان “سلامة كيلة” في مسقط رأسه في بينزرت رغم أن المدينة بيد (السلطة الفلسطينية) وهكذا اكتملت مسيرة حياته فمات وحيدًا، وككل الممنوعات التي وقفت بوجهه في حياته مُنع من الرقاد في مدينته.

وُلد سلامة في مدينة بينزرت عام ١٩٥٥ وشهد الاحتلال الإسرائيلي عام ١٩٦٧ الذي بقي في ذاكرته، وأثّر عميقًا في كلّ مسيرة حياته، ثم انتقل للدراسة في بغداد التي حصل منها على شهادة العلوم السياسيّة حيث انتسب إلى منظمة “فتح” التي كانت محظورة في إسرائيل التي منعته من العودة إلى مدينته بسبب موقفه السياسي.

لقد منعت إسرائيل دخوله حيًّا أو ميتًا كما ذكرنا؛ مؤكدةً موقفها من الفلسطينيين وعودتهم،  وعنصريتها ورفضها لأيّ مُناضل يعمل لإعادة حقوق الشعب الفلسطيني المغتصب؛ مستفيدةً من النظام العربي الحالي العاجز، والتابع للخارج والمطضهد لشعبه مما جلعها أقوى دولة في المنطقة.

وبعد تخرّجه انتقل إلى الأردن ولم يبق في العراق لأسباب تتعلّق بطبيعة النظام العراقي، وفي الأردن انتمى إلى الفكر الماركسي، وكان في البداية جزءًا من يسار حركة فتح ثم ما لبث أن تركها ليُعلن موقفه الماركسي الواضح، وبعد ذلك غادر الأردن متوجهًا إلى دمشق، ومعتقدًا أن النظام في دمشق قادر على استيعاب الأفكار التقدميّة؛ ولكن سرعان ما أودعته دمشق في السجن لمدة ٨ سنوات.

ولا بدَّ لنا أن نشير إلى قصة زواجه التي تنسجم مع طبيعة حياته؛ فقد كانت تزوره صديقته في السجن لعدم وجود أيّ أقرباء هناك، ثم منعت السلطات من زيارة المساجين السياسيين إلا من أقرباء الدرجة الأولى مما اضطرهم لعقد قرانهم في السجن لتستطيع زيارته باستمرار، ثم عاشا حياة مميزة ومنتجة طيلة فترة بقائهما سويًا.

و في بداية الثورة السوريّة أعاد النظام اعتقاله وطرده من دمشق مانعًا إياه من العودة باعتباره مواطنًا أردنيًّا فلسطينيًّا، فالنظام الذي يدّعي العروبة ويؤكد مساواته في التعال بين الشعبين الفلسطيني و السوري، ولا نريد أن نستطرد كيف تعامل النظام السوري مع مخيمات اللاجئين الفلسطينين بدءًا من مخيم اليرموك الذي أبعد منه كل الفلسطينين إلى مخيم الرمل في اللاذقية ومخيمات أخرى.

 وهكذا فقد أثبت “سلامة” ماكان يقوله في كتاباته أن الأنظمة العربية المهيمنة على المنطقة منذ عام ١٩٧٠ هي أنظمة  استبداديّة متخلّفة رافضة لكلّ الأفكار التحريرية.

انطلاقًا من تجربتة العميقة التي بدأت بطرده من فلسطين، ثم عدم قدرته على الاستقرار في الأردن و الاطضهاد الذي مُورس بحقّه في دمشق تأكد له بأنّ قضيّة التحرّر الوطني مرتبطة ارتباطًا عضويًّا بانتشار الحريّات السياسيّة، والمعتمدة على التقدّم الاجتماعي وبسيادة فئات اجتماعية ذات طبيعة وطنية بالضرورة لقيادة المجتمعات كي تستطيع النهوض في بلدها وبناء الدولة المدنية الديمقراطية التي تؤسس لاستعادة الحقوق العرية المغتصبة.

حاول في دمشق أن يلتقي بالأحزاب الشيوعيّة الرسميّة التي سرعان ما خذلته بعد أن تأكد من تبعيتها للنظام السوري وعلاقتها بالأحزاب الشيوعية في نظام سوفيتي يتهالك لذلك تمرّد علي الأحزاب الشيوعية، وحاول أن يعمل مع قوى شبابيّة مختلفة لبناء تيار ماركسي بديل قادر علي تجاوز أزمات الأحزاب الشيوعيّة القديمة، وقادر على التصدّي للأنظمة الاستبدادية التي أنهكت كل القوى السياسيّة.

وهذا ما حاول تأسيسه في مصر وسوريا ولبنان والمغرب وتونس حيث نشط مع مجموعه شباب ٦ أبريل في مصر وكان معهم في الثورة، وشارك في العديد من اللقاءات الدولية والعربية، وكتب الكثير عن ربط التحرّر الوطني بالحرّيات السياسية وبالتقدم، وهي مأثرته التي دافع عنها طيلة حياته السياسية، لم يثنه المرض مطلقًا من متابعة كتاباته ومن استمرار النشاط من أجل تنفيذ مشروعه معلنًا انتمائة للفكر الماركسي مما أكسبه احترام كبيرا جدا في سوريا وفي كافة الدول العربية فقد عكس التعاطف الكبير الذي  ظهر عند وفاته أن إنتاجه الفكري والنضالي كان محترمًا عند الناس وأظهر أن الفكر اليساري الماركسي كامن في الوسط العربي وأن قدرتنا على تجميعه في كل بلد سيؤسس إلى إعادة ثورات الربيع العربي بشكل يُخلصها من كل  شوائبها لتميكنها من تنفيذ المهمة التاريخة التي تنتصب أمام شعوبها؛ وهي قبر الاستبداد والانتقال إلى بناء الدول الوطنية ذات التوجة الديمقراطي التقدمي.

وأعتقد أن كتاباته ومسيرة حياتة ستؤثران طويلًا في عقول الشباب الطواق للحرية والتقدم.

  • Social Links:

Leave a Reply