أعلن مستشار الأمن القومي في البيت الأبيض جون بولتون انه ناقش مع المسؤولين الروس «مشهداً استراتيجياً جديداً» ومعاهدة الأسلحة النووية المتوسطة المدى التي تعهد الرئيس الأميركي دونالد ترامب الانسحاب منها، متهماً موسكو بانتهاكها. وطالب بانضمام دول أخرى الى المعاهدة، بينها الصين وكوريا الشمالية، محذراً الروس من «العبث» في الانتخابات الأميركية. في المقابل، أقرّ الكرملين بـ «نقاط ضعف» في المعاهدة، لكنه نبّه الى خطورة التخلّي عنها قبل إبرام اتفاق جديد.
تصريحات بولتون جاءت في مؤتمر صحافي، في ختام زيارة لموسكو دامت يومين، التقى خلالها أمس الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ووزير الدفاع سيرغي شويغو، علماً انه اجتمع أيضاً الاثنين مع وزير الخارجية سيرغي لافرورف وسكرتير الأمن القومي نيكولاي باتروشيف.
كما أتت التصريحات بعد ساعات على إعلان ترامب أن الولايات المتحدة تستهدف الصين وروسيا، بانسحابها من المعاهدة، قائلاً: «إلى أن يعود الناس إلى رشدهم، سنواصل تطوير (الصواريخ النووية المتوسطة المدى). هذا تهديد إلى أي جهة تريدون، ويتضمّن الصين، وأيضاً روسيا، وأي جهة أخرى تريد أن تلعب هذه اللعبة».
وأعلن بولتون أنه أجرى محادثات «شاملة ومثمرة جداً»، مشيراً الى ان لقاءه بوتين تطرّق إلى النزاع في سورية، و»التدخل» الروسي في الانتخابات الأميركية، وقرار ترامب الانسحاب من المعاهدة.
وأضاف: «أجرينا محادثات مطوّلة عن ملفات ضبط الأسلحة والمشهد الاستراتيجي الجديد ومعاهدة الأسلحة النووية المتوسطة المدى». ووصف المعاهدة بأنها «ثنائية من الحرب الباردة في عالم متعدد الأقطاب»، لا تطاول نشاطات دول مثل الصين وكوريا الشمالية. وتابع أنه كان سيرغب في بقاء الولايات المتحدة في المعاهدة «لو كنت أقيم في بكين، لكنني لا أقيم هناك». وكرر اتهام موسكو بانتهاكها، مستدركاً أن واشنطن ستقدّم إشعاراً رسمياً بالانسحاب منها في الوقت المناسب.
وقال بولتون: «ناقشنا مخاوفنا المشتركة في شأن التدخل الروسي في الانتخابات، ولماذا يُعتبر ضاراً في شكل خاص للعلاقات الروسية – الأميركية، من دون أن ينتج منه شيء». وأكد أن الولايات المتحدة «تراقب عن كثب أي تدخل أجنبي محتمل في انتخابات» التجديد النصفي للكونغرس المرتقبة الشهر المقبل، محذراً موسكو من «العبث بانتخاباتنا».
وأعلن العمل لترتيب قمة ثانية تجمع ترامب ببوتين، علماً انه كان قال في مستهل لقائه الرئيس الروسي: «سيكون ترامب مسروراً جداً بلقائكم في باريس، على هامش إحياء الذكرى المئوية للهدنة» بعد الحرب العالمية الأولى، في 11 تشرين الثاني (نوفمبر) المقبل.
وعلّق بوتين قائلاً: «سيكون مفيداً أن نواصل حواراً مباشراً مع الرئيس الأميركي، مثلاً في باريس، إذا كان الجانب الأميركي مهتماً بهذه الاتصالات. مهما كانت المقاربات، البحث عن نقاط التقاء ممكن وضروري».
وتطرّق الى قمة أولى جمعته بترامب في هلسنكي في تموز (يوليو) الماضي، تعرّض بعدها الرئيس الأميركي لانتقادات عنيفة في الولايات المتحدة، لـ «تساهله» مع نظيره الروسي. وقال بوتين في شأن قمة هلسنكي: «كان لقاءً مفيداً جداً وقاسياً أحياناً، وفي النهاية أعتقد بأنه كان بنّاءً. نُفاجأ أحياناً باتخاذ الولايات المتحدة إجراءات غير مبررة ضد روسيا، ولا يمكننا وصفها بأنها ودية. بالكاد نردّ على أيّ من خطواتكم، لكنها مستمرة».
جاء ذلك بعدما أقرّ الناطق باسم الكرملين ديمتري بيسكوف بـ «نقاط ضعف» في معاهدة الأسلحة النووية متوسطة المدى، مستدركاً: «لا نرحّب بتمزيقها من دون خطط في شأن اتفاق جديد». وشدد على «أهمية أن نفهم مدى احتمال، أو عدم احتمال ذلك»، وتابع: «أما النقاشات الافتراضية حول التخلّي عن الوثيقة في البداية، ثم الانتقال إلى الحديث عن احتمال إبرام معاهدة جديدة، فإنها خطرة جداً».
اما شويغو، فدعا الى «حوار بنّاء أكثر» مع الولايات المتحدة و»استئناف تدريجي للحوار». واضاف: «حتى الخطوات المحدودة ستفيد علاقاتنا واستعادتها الثقة. الأمر يتعلّق بالملفات الاستراتيجية المرتبطة بالردع النووي، وبتسوية النزاعات الكبرى المستمرة منذ فترة طويلة. يشهد العالم مشكلات هائلة، يمكننا تسويتها بجهود مشتركة».
في المقابل، ذكر بولتون أن الروس مصرّون على موقفهم بأنهم لم ينتهكوا المعاهدة التي اعتبر أنها «بلغت نهايتها الطبيعية»، اذ أُبرِمت خلال حقبة الحرب الباردة. وقال لوسائل إعلام روسية: «الانسحاب من المعاهدة ليس المشكلة، بل انتهاك روسيا لها». وشدد على أن الولايات المتحدة لا تريد أن تكون الدولة الوحيدة المقيّدة بالمعاهدة، منبّهاً الى تهديد «جدّي» تشكّله الصين التي لم تبرم المعاهدة.
ولفت الى مبالغات في الحديث عن سباق تسلّح، بعد انسحاب واشنطن من المعاهدة، وزاد: «كنت هنا (في موسكو) قبل 17 سنة، أثناء مرحلة انسحاب الولايات المتحدة من معاهدة الدفاع المضاد للصواريخ، وسمعنا آنذاك تصريحات مشابهة».

Social Links: