وفي مراحل محدّدة من تطوّر الدول، يمكن أن تتحوّل الديمقراطية إلى دكتاتورية، فقد يرفع الشعب إلى سدّة الحكم نخبةً ما، لتكون رأس حربة من أجل تحقيق طموحات قومية، مثلما حصل في ألمانيا قُبيل الحرب العالمية الثانية، حيث صعد الحزب النازي بقيادة أدولف هتلر، مدفوعًا بمشاعر وطنية، من أجل إعادة الاعتبار لألمانيا بعد هزيمتها في الحرب العالمية الأولى. كما أن هزيمة عام 1948 كانت الخلفية التي دفعت إلى حدوث انقلاب 1952 في مصر، وسلسلة الانقلابات في سورية، أواخر الأربعينيات وأوائل الخمسينيات. وفي أغلب الأحيان، ينتهي تجييش العواطف الوطنية بخيبات أمل مريرة، وكوارث قد يتجاوز نطاقها البلد المعني.
المثل القائل بأنه “كما تكونون يولى عليكم” صحيح وخاطئ، في آنٍ معًا؛ صحيح إن كانت إرادة الناس هي من يجلب الحاكم إلى سدّة الحكم، كما في الأنظمة الديمقراطية الغربية الحالية، التي تعدُّ تجسيدًا لهذه المقولة بدرجات متفاوتة، وذلك تبعًا لدرجة تطور الديمقراطية واستجابتها لحاجات مجتمع معين في دولة محدّدة؛ وخاطئ لأنه، باستثناء تجربة ديمقراطية أثينا المباشرة في القرن الخامس قبل الميلاد، لم تتحقّق الديمقراطية في المراحل التاريخية السابقة التي حكمت فيها سلالات ملكية، استمدت حكمها المطلق من الكنيسة في أوروبا، ولم يكن عامة الناس سوى أتباعٍ محكومين بالنار والحديد. استمر ذلك حتى بداية عصر التنوير في القرن السابع عشر في أوروبا.
لم يختلف الأمر كثيرًا في باقي أنحاء العالم، وعبرت مجتمعاتنا قرونًا طويلة، تحت هيمنة ثنائية: (الحاكم – رجل الدين) على عامّة الناس، وعلى الرغم من التقدّم المذهل على مستوى التواصل بين البشر، وقدرة المعلومات على القفز فوق مختلف الحواجز والحدود، ما زال هذا الشكل سائدًا في معظم بلداننا، ويعتمد على الموروث الاجتماعي، كإحدى ركائز وجوده وديمومته.
كما أن عكس المقولة السابقة؛ أي “كما يولّى عليكم تكونون” ممكنٌ أيضًا؛ للإشارة إلى ما قد تتركه منظومة فوقية من أثرٍ على البنى التحتية، سواء لجهة تسريع تطورها، كما في حالة تطبيق برامج تنموية مناسبة تتساوق ومصالح الشعب، أو كبح ممكنات التقدّم، من خلال فرض إجراءات تتساوق ومصالح الحاكم وحاشيته بمختلف وسائل الإكراه، كما في الأنظمة الاستبدادية “الأمنية”. على العموم، تستثمر الأنظمة المستبدة في تجهيل الشعب وتكريس جهله أكثر مما تستثمر في تنميته، إلا في الحدود التي تبقيه حيًا ليخدم طموحاتها، فلا غرابة أن يترافق الإفقار بالقمع والخوف، لإشغال الناس وتهميشهم.
إلى ذلك، ثمة سؤال يُطرح في هذا الصدد: هل يجب انتظار تطور المجتمع بدرجة كافية ليصبح جاهزًا للديمقراطية، أم يجب أن تتولّى النخب الحاكمة مهمة تطويره ليصل إلى هذه المرحلة؟ ليس هذا التساؤل بريئًا دومًا، فقد ينطوي على مصالح سياسية، مفادها أن الشعب “غير جاهز” للديمقراطية، كذريعة لاستمرار هيمنة السلطة المستبدّة وتحكّمها، لأطول مدة ممكنة.
مع ذلك، فالعلاقة جدلية بين المجتمع والسلطة؛ إذ يساعد وجود نخبة سياسية متنورة، في نشر مفاهيم الديمقراطية وتسريع التفاعلات الاجتماعية الهادفة لإحداث نقلة باتجاه الالتقاء مع حقوق الإنسان الحديثة، كما حصل في تونس في عهد الرئيس بورقيبة، وكيف أن التونسيين استطاعوا الحفاظ على هذا الإرث التنويري واستثماره حتى الآن، بما يشبه الطفرة الحداثية، قياسًا بالدول المحيطة ذات الطبيعة المشابهة، وكيف عاد المجتمع التونسي بعد الثورة إلى إفراز نخبٍ سياسية تمتلك الأهلية المطلوبة لمواصلة عملية الإصلاح الاجتماعية.
يُطرح السؤال السابق في سورية بصورة أكثر حدَة، ذلك أن حظر أي فعالية سياسية أو مدنية مغايرة لنهج السلطة، خلال عدة أجيال، دفَع المجتمعَ إلى التعبير عن نفسه بصورة مخاتلة، عن طريق العودة إلى الاحتماء بالبنى ما قبل الدولاتية، على رأسها الدين. هذا ما يحاول البعض استغلاله لاتّهام الشعب بالتخلف، وبأنه غير مؤهل لحكم نفسه أو المشاركة التفاعلية في الحكم، وذلك لتبرير بقاء نظام الاستبداد حتى الوصول إلى ظروف ذاتية وموضوعية أفضل!
لكنّ الديمقراطية ليست وجبةً جاهزة ليتناولها الشعب وحسب؛ إنها مسار تعلُّمي تتمّ فيه الاستفادة من التجارب والأخطاء عند كل ممارسة ديمقراطية، كالانتخابات وغيرها. في هذا الصدد، يمكن النظر إلى الجار العراقي، شقيقنا في المأساة التي خلّفها الاستبداد، وكيف تتطور العملية الديمقراطية ببطء، حيث أسفرت الانتخابات النيابية الأخيرة عن اصطفافات تجاوزت، إلى حدٍّ معقول، المحاصصة الطائفية والإثنية التي كرّسها الاحتلال الأميركي لهذا البلد عام 2003.
من ناحية التدخلات الخارجية، يتمثّل الفرق بين سورية والعراق، بعدد الأطراف المتدخلة، ففي حين شهدت الساحة العراقية تنافسًا حادًا بين الولايات المتحدة وإيران، تهيمن على سورية قوتان دوليتان هما الولايات المتحدة والاتحاد الروسي، وقوتان إقليميتان: تركيا وإيران. وستكون سورية في وضع أفضل إن نجحت القوى الدولية في التوافق على حلٍّ ما، يستغلّه السوريون لمحاولة النهوض من جديد؛ ما يقلّل تشتُّتَهم، ويؤمن المظلّة الضرورية لانتعاشهم الاجتماعي والسياسي، ومن ثم استعادة المسؤوليات الوطنية في مرحلة لاحقة. كما تحتاج سورية إلى نخبٍ من نوعية مختلفة عن تلك التي شهدتها سنوات الحرب، من النخب التي شاهدناها في بداية الثورة، التي أعادت الاعتبار إلى الوطنية السورية، وأثبتت أن السوريين ما زالوا أحياء وقادرين على الانطلاق من جديد، وتجاوز سنوات الحرب العجاف.

Social Links: