طوق ترامب يضيق الخناق على بكين وطهران

طوق ترامب يضيق الخناق على بكين وطهران

طوق ترامب يضيق الخناق على بكين وطهران

ألان فراشون * يسعى الرئيس الأميركي إلى حمل بكين على تعديل شطر من سياستها الاقتصادية وثني طهران عن طموحاتها الإقليمية. وعلى وقع العقوبات الاقتصادية، يتحدى دونالد ترامب الصين وإيران. واقتصاد الصين ضخم يضاهي الاقتصاد الأميركي. أما الثانية، أي إيران، فهي قوة وازنة استراتيجياً في الشرق الأوسط. وفي الحالين، يرمي ترامب إلى تغيير عميق في سياسات هذين البلدين، وكل منهما في مجاله راجح النفوذ. وعلى خلاف الشائع، ليس الرئيس الأميركي الـ45 انعزالياً، بل هو «تدخلي». وحين مغادرته في نهاية الشهر الماضي اجتماع الأمم المتحدة في نيويورك، حدد أهدافه: إلزام طهران الصدوع بالمفاوضة من جديد على برنامجها النووي والتخلي عن طموحاتها الإقليمية؛ وتغيير جزء من السياسة الاقتصادية الصينية. وأهداف ترامب ضخمة تعيد إلى الأذهان طموحات المحافظين الجدد في عهد جورج بوش الابن: رسم وجه العالم و «قولبته». ويرى الصينيون والإيرانيون أن مساعي ترامب ترمي إلى حفظ ماء الوجه. فترامب فرض على السلع الصينية المستوردة 200 بليون دولار من الرسوم. والصين متهمة بالافتقار إلى النزاهة في العلاقات التجارية بأميركا. ففي سعيها إلى التربع في مرتبة عملاق الابتكار التكنولوجي في 2025، تتلاعب بقواعد التنافس وتسيء استخدامها، على قول الأميركيين. وتريد واشنطن إلزامها على التراجع والتفاوض معها في هاتين المسألتين، ومثل هذه المفاوضة يقوض ركناً من أركان نموذج النمو الصيني. والنزاع مع الصين متعدد الأشكال. فإلى الحرب التجارية المعلنة، وصفت الولايات المتحدة الصين بـ «الخصم الاستراتيجي»، وانتقدت طموحاتها الإمبريالية في آسيا وعسكرة بحر جنوب الصين. وفرضت عليها واشنطن أخيراً غرامة جزاء شراء السلاح من شركة روسية مدرجة على لوائح العقوبات الأميركية في النزاع الروسي– الأميركي.

ولا مفر من اعتبار بكين أن السياسة الأميركية مؤامرة للحؤول دون بروز الصين قوة عظمى. ولطالما قيل للصينيين أن «قرن المذلة بدأ حين أجبرت المملكة المتحدة سلالة كينغ في القرن التاسع عشر على تنازلات تجارية، على نحو ما يذكر جدعون رخمن في صحيفة «فايننشل تايمز». وعلى رغم أن أوروبا تعاني من المشكلات الاقتصادية– التجارية نفسها مع الصين، لا توافق على سياسة ترامب.

وعلى خلاف الصين، إيران قوة إقليمية فحسب وليست عملاقاً دولياً. ولكن ترامب يتهمها بالشرور كلها. فهي وحش متقلب الأحوال والألوان مثل الحرباء. فترامب ينزل الجمهورية الإسلامية الإيرانية في منزلة «الجهاديين» السنّة أو عراق صدام حسين في عهد جورج بوش الابن. ففي خطابه يصفها بالعبارات نفسها: قوة «غير مشروعة»، «تزرع الفوضى والموت والدمار» في المنطقة كلها. وعلى وقع عقوبات اقتصادية قاسية، يسعى الرئيس الأميركي إلى حمل طهران على التراجع والتنازل: قبول التفاوض من جديد على اتفاق فيينا لضبط برنامجها النووي المبرم في 2015 مع ألمانيا والصين والولايات المتحدة وروسيا وفرنسا والمملكة المتحدة. وانسحب من الاتفاق هذا ترامب في أيار (مايو) المنصرم. فواشنطن تريد تشديد الرقابة على النووي الإيراني، وتسعى إلى أن تشمل المفاوضات الجديدة ترسانة طهران الصاروخية الباليستية. وتطعن الولايات المتحدة في سياسة إيران الإقليمية: مساندتها بشار الأسد ونفوذها من طريق ميليشيات محلية في العراق ولبنان. ومساعي ترامب تمس بنواة الهوية الإيرانية: ميل تاريخي إلى التوسع. وفي سبيل حملها على التفاوض، تطبق واشنطن اقتصادياً على طهران، وتحظر عليها تصدير نفطها. والعقوبات الأميركية أخطبوطية تصل أذرعتها إلى أصقاع العالم كلها. ومهما كانت جنسية الشركة الساعية إلى إبرام معاملة نفطية مع إيران، في وسع واشنطن عزلها عن النظام المالي الأميركي. ولذا، لا تتردد الشركات المتعددة الجنسية الأوروبية في حسم قرارها، والنأي بنفسها عن التعامل مع طهران.

وعلى رغم أن أوروبا تشاطر أميركا مآخذها الاقتصادية– التجارية على الصين، وقلقها من سياسة إيران في الدول العربية، تدافع بروكسيل عن اتفاق فيينا- وتقول الأمم المتحدة أن الإيرانيين يحترمونه إلى اليوم-، وتزعم أنها تتصدى للحظر الأميركي. وليس ترامب انعزالياً، فهو يتصدى لأحد محركات النمو الصيني ويسد شريان من شرايين حياة النظام الإيراني. ولا تعرف بكين وطهران السبيل إلى جبه ترامب. ويرى المتفائلون أن سياسة ترامب تحتذي على ما درج عليه في التفاوض: نطالب بأقصى الممكن، ثم ننتظر النتيجة. وترامب يستند إلى سابقة سياسته مع كوريا الشمالية، وهو يتوقع أن يتفاوض معه الصينيون والإيرانيون عاجلاً أم آجلاً. ولكن ما ينتظره ليس مضموناً. فبكين كما طهران تلتزم الصبر في انتظار انقضاء ولاية الرئيس الأميركي.

* محلل، عن «لوموند» الفرنسية، 5/10/2018، إعداد منال نحاس

  • Social Links:

Leave a Reply