سوف تطول مساومات اللحظة الراهنة، في الحالة السورية، إلى أقصى أفق ممكن، من قبل جميع الأطراف المتدخلة بصورة مباشرة. ثمة ما يدفعها إلى استمرار عقد الاجتماعات، على مستوى القمة، ليس من أجل اتخاذ القرارات، بل من أجل تسوية قضايا عالقة أو مستجدة، تُحدث إرباكًا في مسارات مصالحها المتعارضة، على الأرض -ميدانيًا- في سورية. والدافع إلى ذلك هو العثرات الكبيرة التي يواجهونها، في الطريق لفرض خطط عملهم، وإرباكاتها، بعد ثماني سنوات من مواجهة الانتفاضة السورية، بالحل الأمني، وثلاث سنوات على العملية العسكرية الروسية الواسعة التي لم تنته، ولم تحقق أهدافها بالسرعة التي أرادها بوتين، كي يخلق الأرضية الملائمة، كما أشار قبل أيام، من أجل إحلال السلام في سورية.
لن ينقطع الحديث عن أن مرجعية أي حلّ هي القرار الدولي 2254 لا غيره، ومع أن الإشارة إلى بنود جنيف الأولى والثانية تظل قائمة بصورة غائمة، من دون التذكير بالقرار الدولي 2118 الذي يُحدد أن العملية السياسية في سورية تتأسس مع تشكيل هيئة حكم انتقالي. فما تلاه من لقاءات دولية، تخص القضية السورية، شهدت تجاذبات كبيرة، بسبب الموقف الروسي الرافض -مبدئيًا- لأي تسوية سياسية تتم وفقًا لقرارات الأمم المتحدة ذات الصلة، وقد نجحت حتى اليوم، في الحيلولة دون توصل مفاوضات جنيف إلى أي نتيجة، بين المعارضة السورية والنظام السوري، يمكن أن تشكل أرضية يُبنى عليها، ما يقود إلى إطلاق مفاوضات جادة ومثمرة.
أرادت موسكو أن يمرّ أي جهد دولي عبر قناتها السياسية، بإخضاعها لمعايير المعالجة الأمنية والعسكرية، وهو سعيٌ حظي بمباركة غير معلنة من واشنطن، إبان إدارة أوباما. وبقي الأمر ساريًا إلى عهد ترامب، الذي تظل القضية السورية بعيدًا عن أولوياته الأساسية. وفي الواقع تحاول واشنطن الإيحاء دائمًا بأنها حاضرة في كل جهد سياسي، أو لقاء دولي متصل بسورية. لكنها في الحقيقة تتابع ولا تشارك، وهذا مؤشر دالٌّ بقوة على أن إدارة ترامب بعيدة من اتخاذ قرار بشأن الحل في سورية.
ولو كانت الإدارة الأميركية راغبة في إحداث تحوّلٍ جذري؛ لفعلت ذلك، لكنها تتعمد انتهاج سياسة إدارة الملفات بالوكالة، عن بعد، بما يقود إلى تسويات مؤقتة لقضايا عالقة، أو أنها تشكل مقدمات مفترضة، تساهم في بلورة تصورات السلام. ما يزال هذا الأمر بعيدًا، فالبيت الأبيض يجمع بين يديه خيوطًا عديدة، يساوم في البعض منها، ويزجي وقتًا في بعضها، مثال ذلك قضايا منطقة الشرق الأوسط، بما فيها إيران. لكنه معني أساسًا بدعم صعود اليمين في العالم، والعمل على تطويق الاقتصادات المؤثرة، بما يقود إلى استعادة عملية إخضاع واستتباع العالم لواشنطن، بمثل هذه الكيفية التي يديرها ترامب وفريقه.
من دون شك -منذ ما قبل حالة الاحتلالات الواسعة التي تشهدها سورية- كان الحلّ وما يزال بيد القوى الخارجية. ولكنه اليوم يتحدد أكثر بمقدرة القوى ذات التواجد العسكري على الأرض. موسكو تبدو أكثر الدول فاعلية، خاصة إذا وضعنا جميع القوى الدائرة في فلكها في السلّة الروسية: إيران، والميليشيات المتعددة، والنظام السوري. ولكن السؤال المهم: هل تملك موسكو القدرة على الوصول نحو تسوية ناجزة للوضع في سورية؟
خلافًا لما يتم تداوله سياسيًا بشأن طهران، شدّد بوتين في قمة إسطنبول على الدور الإيراني، فيما أشادت واشنطن بنتائج اللقاء، وهذا يكشف مدى التقاطع في سياسات واشنطن وموسكو في سورية، خاصة بشأن إيران، وعمليًا يطالب البيت الأبيض بانسحاب قواتها، وتفكيك القواعد العسكرية، بما يُلبي مطالب “إسرائيل”، لكنه لا يمانع من دور سياسي لطهران. هذه نقطة جديرة بالتوقف، فهل حدث تغير حقيقي بشأن إيران، وقد كان منعُ مشاركتها (أميركيًا) في جنيف 2013 أحد أسباب تقويض ذلك المسار. وهل يمكن البناء على ترحيب جيمس جيفري (المبعوث الأميركي الخاص للشؤون السورية) بشأن احتمال بروز دور أميركي فعّال في التوصل إلى تسوية؟
إذا وضعنا خطط موسكو جانبًا، فإنه لا توجد حتى اليوم استراتيجيات لتسوية واضحة، تقود إلى حلّ دائم في سورية. ثمة توجهات، خطوات مؤقتة لتثبيت أوضاع قائمة، كوقف إطلاق النار في إدلب، والعمل على تنفيذ سياسات تمنع تدهور الأوضاع، أو تضرر واسع للمدنيين. وليست هناك آليات تشير بوضوح إلى احتمال أن تغيّر موسكو نهجها العدواني، المتمثل في فرض حلّ يقوم على دور أساسي للنظام السوري، في تشكيل حكومة جديدة (تدخل فيها المعارضة كطرف)، وفي الذهاب إلى لجنة دستورية، وهي النقطة التي يرى فيها عدد من الأطراف الدولية بوابة الحلّ، فيما تراها وثائق الأمم المتحدة، نتيجة لجهود التسوية، ومرحلة من مراحلها التي تتأسس على التفاوض وعلى هيئة حكم انتقالي، أضحت طيّ النسيان.
إنهم متوافقون على وضع الحصان خلف العربة، ويختلفون في الوسيلة إلى ذلك!
الحقيقة المريرة أن ثمة عدم اكتراث دولي، بإنجاز تسوية حقيقية في سورية حتى الآن. وأن أحدًا لا يمكنه إنجاز تسوية دون موافقة الأطراف الأخرى، وتشاركها معًا، وخاصة موسكو وواشنطن.
وعلى الرغم من الآمال الضعيفة، بشأن ذلك، فإن الأوضاع قابلة للانفجار في أي وقت، طالما أن هناك ملفات ومصالح، ومساومات وقوى احتلال، لا تعبأ بمصاير المدنيين، ولا بمستقبلهم في سورية.

Social Links: