فمن تجرأ من السوريين، وكتب -مثلًا- عن الانتخابات البرازيلية التي أوصلت فاشيًا جديدًا إلى حكم أكبر دولة، حجمًا وسكانًا واقتصادًا، في أميركا الجنوبية، فما هو إلا استعراضي يهرف بما لا يعرف، ويُذيب الهمّ الأكبر الذي يجب أن يبقى محصورًا في المقتلة السورية على الأقل، أو في الصراع العربي الإسرائيلي على الأكثر.
وبمعزلٍ عن حرية الرأي والاختيار، وبعيدًا عن عقلية التنميط الثقافي التي اكتسبتها النخبة المثقفة من خبرة مديدة، في كنف الاستبداد السياسي والاجتماعي والديني، يبدو أن من يخرج عن الإطار المفروض ذهنيًا من قبل مفتشي الوعي والإفصاح، على الرغم من تمسكهم الدائم بالادعاء بإيمانهم الصلب بحرية التعبير، سيتعرض لـ “محاكم تفتيش” وجدت ضالتها في وسائل التواصل الاجتماعي. حيث إن هذه الأخيرة فتحت الباب على مصراعيه، أمام الانتقاد خارج حدود اللباقة الأدبية، المرتبط غالبًا بفهمٍ منحرف لمسألة حرية التعبير.
ومن النادر، في أيامنا هذه، أن يقرأ الكاتب نقدًا يرتبط بمضمون ما كتب، سواء أكان يستحقه أم لا، وذلك لأن جهد الناقدين غالبًا ما يكون منصبًّا على التهكم على اختياره للموضوع، أو التشكيك في مستوى إلمامه بما يتعرّض له من مواضيع خارج إطاره الجغرافي. كما لا يخلو هذا النوع من النقد من إلصاق تُهم الهروب من المحلي المهم، إلى مساحات جغرافية بعيدة تُريح الكاتب من مسؤولية اتخاذ موقف متطرف، تجاه مسار الأحداث التي يفترض الناقد مسبقًا أن الكاتب المنتقد قد تهرّب منها.
هذا الجو الموتور في النقد التشككي يعكس بجلاءٍ فقرًا معرفيًا وعجزًا بنيويًا، يسهل تلوينه بإلقاء الأحكام القراقوشية على من يحاول تجاوز الحدود الوهمية المرسومة للهمّ العام. ومن الإيجابي، لمن يهتم بالعلوم الإنسانية عمومًا، وبعلم الاجتماع السياسي خصوصًا، السعي للخروج من قمقم المحلي، وتوسيع دائرة الاهتمام بما يرتبط بأمور الإنسان أينما وجدت. خصوصًا إذا دفعه هذا الخروج إلى إغناء التفكير والتحليل بالمحلي، عبر استجلاب نماذج مختلفة. فعلم السياسة المقارن هو من أعذب العلوم، وأكثرها ثراءً، لما يُضفيه الاهتمام به على النظر إلى الهم المحلي من مسافة تساعد في إعمال النسبية، في التقدير وفي التحليل. هذا من جانب المنطق العلمي، أما من جهة المدلول السياسي، فلا يمكن أن يحمل أي مشروع شخصي أيّ مصداقية، إن هو اكتفى بالخاص دون العام، فما بالنا إذا كان المشروع فكريًا، يوجب عليه أن يوسّع المدارك ويحيط بمختلف المسالك، ويستعرض الهمّ الإنساني العام.
كل ما تقدّم لا يحمل جوابًا مقنعًا لمن شيمته النقد للبروز أو للتذمّر المستدام من كل مُنتج، فمهما سعى المشروع الفكري لأي من الباحثين إلى الالتزام بالمعايير البحثية واتباع المناهج المعتمدة؛ فإنه من المؤكد لن يسعى لإرضاء هذا الموقف أو ذاك. خصوصًا، في ما يتعلق بمن ينحصر همّه الأساس في التقاط وترصّد ما يعتبرها هفوات أو نقائص، يمكن له القفز عليها، والتشبث بنقدها بعشوائية تليق بوسائل التواصل، وبالابتعاد عن أي منهج علمي، على الرغم من ادعاء الإلمام العميق بمختلف حقول العلم.
ربما يكون من الأجدى القول إنّ حصر التفكير والتحليل والتعبير بالهمّ “الوطني” يُساهم في إفقار التعبير والتحليل والتفكير والملاحظة؛ ذلك أن توسيع المدارك يتأتى من توسيع المجال المدروس جغرافيًا وتاريخيًا، والاستفادة من التجارب المختلفة. وما الاكتفاء بهمومنا والتصدي لها إلا نوع من الذاتية القاتلة. وهو أيضًا مبعثٌ على دوام الإحباط وتجذّره.
ولا ضرورة للتذكير بأن تقدّم الغرب، في العلوم السياسية وفي علم الاجتماع، ناجمٌ عن توسيع حقول الاهتمام إلى خارج الحدود الضيقة، بعيدًا عن نظرية المؤامرة المريحة لكسلنا.

Social Links: