قبيل يوم واحد من أحداث غزة الأخيرة، كان الرئيس الفلسطيني محمود عباس يتحدث إلى الصحافيين، في ذكرى رحيل أبو عمار الذي تمت تصفيته من دون أن يُماط اللثام حتى اليوم عن أي خيط، يكشف المتورطين في تغييبه. وما يثير الاهتمام أن خليفة ياسر عرفات، علامة فارقة في الانقسام الفلسطيني، خاصة بعد مغادرة منظمة التحرير الفلسطينية لبنان، إلى الشتات، وتطور مع اضطلاعه بدور محوري، في المفاوضات الإسرائيلية الفلسطينية السرية التي أفضت إلى اتفاق أوسلو، وبقى كذلك عاملًا مؤثرًا في تجذير الخلافات الفلسطينية، من دون أن نغفل أدوار الآخرين. قال عباس قبل أيام كلامًا يثير مزيدًا من التساؤل حول دوره ووظيفته، في إذكاء الصراع بين الفصائل الفلسطينية.
وفقًا للرئيس عباس، ثمة مؤامرة يديرها ترامب، ضد الشعب الفلسطيني، هي “صفقة القرن”. ومؤامرة أخرى من قبل نتنياهو. ويضيف بتشديد مخارج الحروف: “هناك مؤامرة تنفذها حماس، لتعطيل قيام الدولة الفلسطينية”. لا سذاجة في قول كهذا، خاصة أننا اعتدنا توزيعَ الاتهامات شرقًا وغربًا، ليس على الساحة الفلسطينية فحسب، وإنما في العالم العربي برمته. وفي ذلك تعبير حقيقي عن خلاصة السياسات التي تتبعها رام الله، في مواجهة التحديات التي تعصف بالقضية الفلسطينية، وأيضًا في مواجهة الاستحقاقات السياسية والدستورية التي ينبغي على الفلسطينيين الإيفاء بها. والحديث هنا لا يخص حركة (فتح) وإدارة عباس، بقدر ما يطال جميع الأطراف بما فيها حركة (حماس) التي تسيطر على قطاع غزة، كسلطة أمر واقع لا يختلف عن الضفة الغربية، كشكل من أشكال اقتسام السلطة، قادت إليه الخلافات العميقة من دون التوصل إلى حلول.
حديث الرئيس عباس، يُحمّل حركة (حماس)، كل المشكلات القائمة، بما فيها الفشل المزمن للمفاوضات الإسرائيلية – الفلسطينية، ويتحدث عن إعاقة قيام الدولة، وكأن “إسرائيل” والولايات المتحدة، وقوى دولية أخرى، لا دور لها في تعطيل حلم قيام الدولة الفلسطينية، وربما لا يريد أبو مازن أن يستذكر أن رحيل أبو عمار جاء تتويجًا لمنع تنفيذ اتفاقات أوسلو وواشنطن والقاهرة وغيرها من نتائج عملية السلام. لسنا ننزع عن حركة (حماس) سلبية السياسات التي تتبعها، داخليًا وخارجيًا (القمع والفساد والتخندق مع إيران). ولسنا في معرض الدفاع عنها. لكن اختصار أبو مازن لمعيقات حل المشكلات الكبرى بمثل هذه الصورة، لا يعبّر فقط عن ضيق أفق، بل أيضًا عن مدى ارتباط عباس بمواقف وتوجهات إقليمية ودولية، تستهدف تجريم (حماس)، وتجريدها من سلطة حكم قطاع غزة. وهو بذلك يستجيب لتلك السياسات، إلى درجة الشراكة التي يريد لها أن تتوجه زعيمًا على بلد من خراب، بلا سيادة، ولا قرار وطني، بسبب الاحتلال، والتدخل المباشر للقوى الإقليمية الداعمة له.
يبتعد عباس، في صراعه المزمن مع القوى الفلسطينية، عن الانشغال بالتناقض الرئيس، الاحتلال الإسرائيلي، وحق تقرير المصير، الذي أزيح عرفات بسبب التمسك به، ليصل أبو مازن إلى كرسي المقاطعة، حيث حوصر ياسر عرفات وعوقب، ومن ورائه الشعب الفلسطيني برمته. إنه صراع الاستحواذ على المكان والذاكرة معًا، يخوضه عباس بضراوة وبدعم إسرائيلي – عربي.
ربما هي المصادفة، التي جعلت من انتقادات عباس وتهديداته لـ (حماس) بـ “إجراءات حاسمة”، مقدمة لأحداث اليوم التالي في قطاع غزة. ويبرز الانقسام في الحياة السياسية الفلسطينية، حاجة ضرورية لاستمرار الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، وارتداداته في المنطقة، وليس ثمة من يُذكي النزاعات الفلسطينية سوى أهلها في المقدمة، استنادًا إلى قوى إقليمية ودولية نافذة للغاية في الحالة الفلسطينية المعقدة، تتجلى اليوم في الخلاف غير القابل “للطيّ” بين (فتح) و(حماس). وكل منهما يستعين بمنظومة من الارتباطات المثيرة للقلق، شان علاقة (حماس) بإيران، وعلاقة السلطة الفلسطينية بـ “إسرائيل” وقوى أخرى.
والميزة الأساسية لتلك الارتباطات أنها لا تخدم القضية الفلسطينية، التي اختزلت في قضايا مستجدة، في الصراع على السلطة وفي المعابر، وفي المساعدات العاجلة، والشعب الفلسطيني هو الذي يتكبد الخسائر ويتحمل مشاق الحياة المريرة الناجمة عن سياسات “إسرائيل” العدوانية، ومشكلات القوى الفلسطينية فيما بينها. كان يمكن لسياسات “إسرائيل” تجاه الفلسطينيين، أن تحظى باهتمام جدي يقود إلى إفشالها، لو كان هناك توجه للخروج من النزاعات الفلسطينية، التي تمنح الكيان الإسرائيلي، كل الفرص لتنفيذ سياسات التهويد، وقضم الأراضي وبناء المستوطنات، واستكمال منظومة التشريعات القومية العنصرية، أي بما يجعل من قيام الدولة الفلسطينية أمرًا بعيد المنال، في ظل تبنٍّ دولي – أميركي، لاستراتيجيات دعم السياسات الإسرائيلية، منذ قيام الكيان الإسرائيلي 1948.
تتواصل معاناة الفلسطينيين في قطاع غزة، بسبب الحصار “إسرائيل” الخانق المتواصل منذ سنوات، بدءًا بسبب وصول (حماس) إلى السلطة عام 1996، ومن ثم تطور هذا الحصار، ليشهد انخراط أطراف عربية مثل مصر، إضافة إلى موقف الرئيس عباس والسلطة الفلسطينية المؤيد لفرض ضغوطات على (حماس)، إلى درجة القبول بالإجراءات الإسرائيلية والمصرية، ضد القطاع، وهو الوضع الذي يجعل من غزة منطقة متفجرة على الدوام، وشهدت السنوات العشرة الأخيرة عدة حروب وعشرات العمليات العسكرية والمواجهات االمباشرة، والمحدودة، بين “إسرائيل” و(حماس) في قطاع غزة، كان نتيجتها مزيدًا من الدمار والويلات والخراب.
قاد فشل عملية خان يونس، إلى تفجر أزمة سياسية في الحكومة الإسرائيلية، وإلى استقالة وزيرين أهمهما وزير الحرب المتطرف ليبرمان، على خلفية التوصل إلى اتفاق تهدئة بدلًا من الذهاب إلى عملية عسكرية واسعة. ولكنها على الجانب الفلسطيني، لم تشهد أي تطور يشير إلى الاستفادة من التجربة، والمضي قدمًا للخروج من عنق الزجاجة الذي يعلق فيه طرفا النزاع: حماس وعباس!
لقد تركت التطورات المأسوية في المنطقة، وحروب الردة ضد ثورات الربيع العربي، أثرها العميق على القضية الفلسطينية، واستغلت الظروف الإقليمية والدولية لتجعل من الحدث الفلسطيني ثانويًا للغاية في الحياة العربية، لصالح بروز الاهتمام بالآني الذي يحدث لكل شعب في محيطه الأضيق جدًا. مترافقًا مع سياسات عربية بالتراجع عن أولوياتها بشان القضية الفلسطينية، استجابة لسياسات البيت الأبيض وداعمي “إسرائيل” في المنطقة والعالم، وهو واحد من الأسباب التي تجعل إيران قادرةً على التدخل أكثر فأكثر في المنطقة، والتغلغل فيها، بحجة الدفاع عن المقدسات الاسلامية، ومناصرة القضية الفلسطينية، بما يسمى بـ “حلف الممانعة” الذي أسقطت الثورة السورية دعاواه الكاذبة، وكشفت زيفه، وعريّ سياساته وتوجهاته.
ما يجري من حروب صغيرة ومواجهات وحصار في غزة، ونزاعات بين السلطة الفلسطينية و(حماس)، هو واحد من تجليات الصراعات الدولية في المنطقة، وأيضًا يأتي في سياق التصدي لإيران، الذي تدفع شعوب المنطقة ثمنًا باهظًا فيها، دون أن تنال حقوقها في تقرير المصير، والأمن والحرية والسلام، ومثالهما الشعبان الفلسطينيي والسوري، في معاناتهما المريرة مع الاستبداد والدكتاتورية، في ظل إرادة دولية داعمة للطغاة.
سوف تظل “إسرائيل” تعتدي على الفلسطينيين وتحاصرهم في غزة، وغيرها، طالما أن الوضع العربي يشهد تحولًا متناميًا، نحو تراجع الدعم الجاد والمؤثر للقضية العربية العادلة، في تطور ملفت للعلاقات العربية مع “إسرائيل”. وسوف تبقى محنة الشعب الفلسطيني الإنسانية قائمةً بلا أفق للحل.

Social Links: