مخيم الركبان وتهمة “الإرهاب” – خالد المطلق

مخيم الركبان وتهمة “الإرهاب” – خالد المطلق

لم يحدث في التاريخ أن تعرّض شعبٌ لهذا النوع من أنواع الافتراء والكذب والتضليل، في حرب إعلامية مزيفة طالت تاريخه وانتماءه ومستقبله وبنيته الفكرية والأخلاقية، كما تعرّض الشعب السوري. وما نسمعه اليوم من تصريحات، من بعض الأطراف العربية والدولية التي تُساند وتدعم افتراءات نظام الأسد الذي يحاصر مخيم الركبان ويصف القاطنين فيه بـ “الإرهاب”، لإلصاق هذه التهمة بهم، وجعلها شماعة يُعلّق عليها هؤلاء تقصيرهم وتآمرهم على هذا الشعب الثائر، لهو أمرٌ مؤسف ومخجل.

الغاية من استمرار المعاناة التي يتعرّض لها القاطنون في مخيم الركبان، والحصار الظالم والمطبق من كافة الأطراف التي شارك فيه الصديق قبل العدو، والقريب قبل الغريب، أصبحت معروفة للجميع، وهي إعادة إنتاج الأسد ورموز نظامه من القتلة، برعاية دولية وعربية، وبدعمٍ وتأييدٍ من دولٍ كانت تدّعي حرصها على الشعب السوري وثورته، لكن -مع الأسف- ظهر جليًا أن هذه الأنظمة بعضُها من بعض، ولا يمكن أن تتخلى عن بعضها في أوقات المحن التي تعصف بها.

إن ما حدث ويحدث للشعب السوري، في مختلف المناطق التي حاصرها الأسد وعصاباته أثناء الثورة السورية، يشبه ما يحدث الآن للسوريين في مخيم الركبان، ليس من جهة إطباق الحصار ومنع كل مقومات الحياة عن المخيم الفاقد هذه المقومات بالأصل، لكن من ناحية ازدياد عدد المشتركين في هذه الجريمة: الأردن جنوبًا، قاعدة التنف العسكرية الأميركية شرقًا، وباقي الميليشيات الطائفية، وإذا كنا نتفهم اتهامات الأسد وأعوانه للقاطنين في مخيم الركبان بـ “الإرهاب”، وهي التهمة التي تُلصق بكل الشعب السوري المنتفض على جلاديه؛ فإننا نستغرب أن تصدر هذه التهمة من ممثل للأمم المتحدة في الشرق الأوسط ومدير مكتبها لشؤون اللاجئين في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، ونرى أن هذا أمرٌ يدعو إلى الاشمئزاز من دور هذه المؤسسات التي من المفروض أن تكون عونًا للشعوب ومصدرًا رئيسًا لحمايتها.

ثبت من خلال أحداث الثورة السورية أن هذه المنظمات تعمل وفق مصالح الأقوى، وآخر ما تبحث عنه هو مصالح الشعوب وحمايتها، أما الطرف الآخر الذي علت أصوات أبواقه باتهام قاطني مخيم الركبان، بأنهم حاضنة لـ (داعش) فهو الأردن الرسمي، الذي طالما عمل -منذ انطلاق الثورة- على ممارسة أقسى أنواع الاضطهاد ضد السوريين في مخيماته، إضافة إلى تقييد حركة السوريين ضمن أراضي المملكة، والقرارات المجحفة الخاصة بالطلاب السوريين في المملكة، أما ادعاءاتهم بتقديمهم المساعدات للنازحين السوريين فيُفندها ويدحضها ما كان يتم اقتطاعه من أي نوع من أنواع المساعدات التي تأتي للشعب السوري في الأردن، أو عبر الأردن إلى داخل الأراضي السورية الخاضعة لسيطرة المعارضة كدرعا والقنيطرة، بنسبة 45 بالمئة، وفق اتفاق يعرفه كل من قدم دعمًا للثورة السورية عن طريق الأردن، حتى لحظة قطع هذه المساعدات عن المخيمات على مستوى دول أو منظمات أو أفراد.

إن الاتهامات الأردنية لقاطني الركبان بأنهم حاضنة لـ (داعش) إنما هي اتهامات سياسية أكثر منها اتهامات جنائية مرفقة بالأدلة، وليست الغاية منها حماية حدود المملكة، كما يدّعون، لأن حدود المملكة محمية بأحد الفصائل التي شكّلها ورعاها ودربها الأردن على أراضيه، والمكونة قيادتها من بعض أصحاب السوابق الذين ليس لهم علاقة بالثورة، وعناصر هذا الفصيل جُلّ أهلهم موجودون في المخيم، فكيف يكون هؤلاء حاضنة للإرهاب وأبناؤهم يحمون الأردن وحدوده؟

هذا الاتهام هو تكرار لاتهامات الأسد للشعب السوري بالإرهاب، والتماهي مع هذه التصريحات ليُظهر الوجه الحقيقي لمن كان يدّعي وقوفه إلى جانب الشعب السوري، فلحظة الحقيقة جاءت لكن بأخبار تدل على أن هذه الأنظمة لا يمكن أن تُعادي بعضها، لأي سبب كان.

أما الطرف الآخر الذي يُحاصر المخيم من الشرق، فهو القاعدة العسكرية الأميركية – البريطانية – البلجيكية، في منطقة التنف التي يحميها مقاتلون من فصيل تم تشكيله لهذه الغاية، وجُل أهاليهم أيضًا موجودون في المخيم، فلماذا لا يقوم الأميركيون بالدفاع عن عائلات من يحمي قاعدتهم، على أقل تقدير؟ ولماذا يصمتون على هذه الاتهامات الباطلة؟ وهل القوات الأميركية في هذه القاعدة عاجزة عن إيصال المواد الإغاثية أو الرعاية الطبية لأبناء المخيم؟ أم أن الجميع متفق على إعادة إنتاج نظام الأسد المخابراتي، وكل منهم يمارس الضغط على السوريين، في كل مكان، لإعادتهم إلى بيت الطاعة الأسدي.

إنّ ما يتعرض له السوريون في مخيم الركبان ليس مجرد صدفة، أدّت إلى نقص في الموارد المادية، وإنما هو عمل مُنظّم بدأ بنزوح هؤلاء البسطاء من مناطقهم، تحت تأثير القصف الجوي وممارسات (داعش) الإجرامية عليهم، ولم يجدوا سبيلًا أفضل من النزوح إلى الحدود الأردنية، أملًا في استجابة إخوة الدم لهم، واستقبالهم على أراضيهم وحمايتهم من طيران المحتل الروسي وإجرام (داعش)، لكن الأشقاء أبوا إلا أن يقفوا حائلًا بين هؤلاء وحلمهم في تحقيق حمايتهم، وتركوهم لمصيرهم من دون إيجاد أيّ حل يمكن أن يحميهم، ولم يتوقف الأمر عند ذلك، بل تطور إلى اتهام هؤلاء البسطاء بأنّهم الحاضنة لتنظيم طالما نكّل بهم وقتل أبناءهم.

  • Social Links:

Leave a Reply