القصور الروحي – أحمد برقاوي

القصور الروحي – أحمد برقاوي

القصور الروحي

أحمد برقاوي

ترى هل يعاني العرب مما نسميه قصوراً روحياً؟ أعتقد أن سؤالاً كهذا من أهم الأسئلة التي يجب أن نطرحها على أنفسنا الآن، ومع ذلك لم يكن هذا السؤال من الأسئلة التي طرحها العرب على أنفسهم.

ما القصور الروحي؟ يتحدث علماء الطب كما علماء النفس عن القصور العقلي للكائن البشري، وذلك إذا كان عمر الكائن العقلي أقل بكثير أو قليل من عمره الزمني. كما يتحدثون عن المعاق عقلياً إذا كان هناك تشوه بيولوجي في الدماغ. وليس عن أمر كهذا أتحدث.

بل عن القصور الروحي بوصفه حالة مرضية تمر بها الشعوب والجماعات، لكنها، أي الشعوب والجماعات، قابلة للبرء منها. وداء القصور الروحي هو موت الإنسان بوصفه غاية الغايات وقيمة القيم، والنظر إليه على انه شيء وأداة فقط.

والروحي هنا يعني الحرية والكرامة والحضور والاعتراف وما يعبر عن هذا كله بالخطاب والسلوك، والحق ان القصور الروحي بوصفه حالة مجتمعية مرتبط ارتباطاً شديداً بالانحطاط الثقافي، وتدني مستوى الوعي بالذات وبالآخر.

ومن أهم مظاهر القصور الروحي التعصب في كل أشكاله ومضامينه من التعصب الديني إلى التعصب القومي إلى التعصب الأيديولوجي إلى التعصب الطائفي..الخ.

فالتعصب هنا هو اغتراب الإنسان بفكرة اغتراباً يصل حد الإيمان المطلق بها والنظر إليها على انها سبب كاف لتبرير القتل ونفي الآخر بل والتضحية بالذات من أجلها.

وعندي ان الوصف الأدق لأشكال الأصوليات الدينية والطائفية السائدة الآن من أصوليات شيعية وأصوليات سنية هو انها تعبير عن القصور الروحي، لأنه، وكما أشرنا، كل تعصب يقود إلى نفي الآخر عنفاً أو بأي صورة من صور النفي المادية والمعنوية هو قصور روحي.

والقاصرون روحياً كائنات بلا قلب وبلا عواطف، ولكن يجب أن نضيف أمراً في غاية الأهمية ألا وهو ان القاصرين روحياً هم معاقون عقلياً. وينتمي الدكتاتوريون إلى هذا الصنف من الكائنات. والقاصرون روحياً والمعاقون عقلياً هم خليط من الأفكار الخاطئة والغرائز المدمرة.

ولهذا تصل جرائمهم حدود ما بعد اللامعقول متجاوزين اللامعقول. وحين تظهر هذه الكائنات والجماعات ويصبح لها حضور أو تتحول إلى كائنات حاكمة تحصل الكارثة الوجودية الكبرى، حيث تزول من أذهانهم فكرة الحق بالحياة، ويتحول سلب الحياة عندهم إلى سلوك طبيعي.

وتصبح كائنات خطرة على الحياة إذ تتعطل ملكة التفكير بالواقع والممكن، كما تتعطل ملكة التمييز بين الحقيقي والزائف، ولا يبقى من آثار العقل شيئا لديهم. هذه الكائنات القاصرة روحياً وعقلياً، خليط من الإرادة العمياء والأوهام المدمرة. فالدكتاتورية القاصرة روحياً والمعاقة عقلياً تخلق من حيث المبدأ نقيضها، أي المعارضة المتطورة روحياً والمكتملة عقلياً.

غير ان الدكتاتورية في ممارستها للعنف ما بعد اللامعقول تحمل بعض فئات المجتمع على معارضة لا عقلية هي الأخرى، فتتعقد سيرورة التاريخ إلى حد كبير. أما القوى العقلانية وذات الثراء الروحي والعقلاني والأخلاقي تظل في حالة كفاح بنضوج روحي بوصفها البديل الواقعي والمنطقي للجماعات القاصرة والمعاقة روحياً وعقلياً.

أترانا نميل إلى نوع من التفاؤل الساذج بحركة التاريخ؟ أو نعول على حتمية تاريخية غير واقعية؟ أم اننا نحول رغباتنا إلى عقل يفكر؟. لا، لا يعود الأمر إلى أي من هذا. بل يعود إلى ان الانفجارات الكبرى والانتفاضات الشاملة والثورات العنيفة تظهر أحسن ما في حياة المجتمع وثقافته كما تظهر أسوأ ما فيهما.

وتأسيساً على ذللك فإن طموح الناس ورغبتهم بالحياة الآمنة والمستقرة والحرة تميل إلى البديل العقلاني الواقعي ذي الثراء الروحي. يضاف إلى ذلك في حالنا نحن العرب اننا جزء لا يتجزأ من حركة التاريخ الراهنة وروح العصر. ولا يمكن لشعوب المنطقة التي خبرت نتائج الغربة عن العصر إلا أن تكون مع روح التاريخ.

يمكن للقصور الروحي والعقلي وكل أشكال الإعاقة أن تحقق انتصارات مؤقتة على أرض الواقع، ويمكن للدكتاتوريات أن تستمر، عبر القوة، أكبر فترة من الزمن، لكن ليس هناك شاهد واحد في التاريخ على انتصار الإرادة الغبية على عقل التاريخ.

  • Social Links:

Leave a Reply