مبادرة سانت ايجيديو من أجل السلام في سوريا؛ دراسة نقدية
وحدة دراسة السياسات الاستراتيجية في مرصد مينا
تأتي مبادرة روما التي صدرت بإشراف جماعة سانت ايجيديو في ظل رعاية أبوية من الكرسي الرسولي وبمشاركة شخصيات معارضة سورية تمثل كثيراً من أطيافها، في ظل حراك سياسي كبير وجدل أكبر داخل صفوف المعارضة وأطياف الثورة السورية حول اللجنة الدستورية التي اعتبرها السيد ستيفان ديمستورا العنصر الرئيس المتبقي في الوقت الحالي من الناحية العملية حول كيفية تنفيذ القرار 2254(1)، في ظل ما توافق عليه المجتمع الدولي من أسس للحل في سوريا ابتداء بإصلاح دستوري من خلال اللجنة الدستورية وبيئة آمنة وهادئة ومحايدة(2)، وانتهاء بانتخابات حرة ونزيهة رئاسية وتشريعية تشرف عليها الأمم المتحدة ويتقرر من خلالها من سيتولى السلطة في سوريا مستقبلاً.
تأتي هذه المبادرة في ظل اجتماعات مكثفة تتعلق باللجنة الدستورية والإصلاح الدستوري تعقدها هيئات متعددة كهيئة التفاوض السورية(3) ودراسات ناجمة عن اجتماعات عقدتها بعض مراكز الأبحاث كالاجتماعَين اللذين حصلا برعاية مجموعة سلمان غروب في زيوريخ في منتصف شهر يوليو/ تموز 2018 وأواخر شهر أكتوبر/ تشرين الأول، وتحدثت عن قضايا مهمة تتعلق بشكل الحكم المقبل في سوريا وطبيعة الدولة، وكذلك الاجتماعات (ورشة العمل) التي جرت في برلين برعاية المركز الأوروبي للدراسات الكردية التي جرت فيها مناقشة مسودة دستور لسوريا المستقبل تشرين الأول/ أكتوبر 2018. وغيرها كثير يريد أن يدلي بدلوه في قضايا الدستور السوري المقبل، سواء ما يتعلق بأنظمة الحكم أم تركيبة البرلمان أم المحاكم العليا واستقلال القضاء أم الضرائب والموارد أم كيف ستجري العملية الانتقالية وكذلك حقوق الإنسان ومفهومات الديمقراطية وسيادة القانون وتوزيع الصلاحيات إلخ.
- من هي جماعة سانت ايجيديو
نشأت جماعة سانت ايجيديو الكاثوليكية في السابع من شباط/ فبراير عام 1968 أي مضى عليها خمسون عاماً. وهي المنظمة التي أعادت إلى الكنيسة حضورها السياسي الناعم في عدد من القضايا الدولية وعُدت فصلاً جديداً من فصول التطور الأصولية المسيحية نحو الرقي في الساحة الدينية لأوروبا وأمريكا. في وقت كان وضع الكنيسة يغلب عليه الطابع المحافظ والتقليدي والعطالة وعدم القدرة على التطور مع تحولات الناس وللخروج من مأزق التأقلم مع الحداثة.(4)
اختارت الجماعة منذ تأسيسها موالاة الكنيسة على الرغم من محاولتها تأسيس حيز اجتماعي ديني سياسي خاص بها، وعندما أقدم اندريا ريكاردي 1968 على بعث هذه الجماعة برفقة مجموعة من دعاة النهوض الكاثوليكي أملاً في تغيير المجتمعات عن طريق تعليم الإنجيل كانت قد برزت في أوساط هذه الجماعة الدعوة إلى وجود هيئة مسيحية المنشأ ولكنها علمانية المسلك أي تولي الشأن العلماني بمرجعية كنسية تستقطب رموزاً متعددة. وقد كان واضحاً جنوح الجماعة منذ بداياتها إلى الانحياز يساراً للسياسة الإيطالية ولهذا اتهمت بتشكيل لوبي أحمر من خلال خدماتها للفقراء.
أولت الجماعة مبكراً اهتماماً بالغاً بالوساطة الدبلوماسية الصامتة لحل النزاعات في بلدان العالم الثالث بحثاً عن دور في الساحة الدولية بعد أن تجاوز العصر التبشير بالإنجيل.(5)
نالت هذه الجماعة مباركة الفاتيكان 1986 وأصبحت قوية نافذة ولا سيما في العالم الثالث وأجرت وساطات فاعلة في البلقان وبورندي ليبيريا ساحل العاج وغواتيمالا وإقليم كيفو في جمهورية الكونغو الديمقراطية ولعل أهم ما فعلته مساهمتها في حل الصراع الدائم في موزمبيق وتوقيع معاهدة سلام في روما 1992 وعربياً ترتيبهم للقاءات للشيخ حسن ترابي مع الزعيم الجنوبي جون غارنغ لتسوية الوضع في جنوب السودان، وتوقيع وليد جمبلاط والبطريرك ماكسيموس الخامس 1982 لحل إشكال مسيحيي قضاء الشوف في لبنان. إلا أن فشل مبادرتهم برعاية الحوار المتعلق بالجزائر في التسعينات ورفض كل من النظام العسكري الجزائري الاستبدادي وكذلك الجماعات المسلحة رعاية الحوار تحت ظل الصليب كانت انتكاسة في مسيرتهم التي يحاولون أن يلعبوا من خلالها أدواراً كبيرة.
اليوم تريد الجماعة أن تلعب دوراً في الملف السوري من خلال المسيرات وكذلك الممرات الإنسانية(6)، ومن خلال رعايتها لمبادرة تتضمن توجيهات ومبادئ دستورية، في مرحلة يرى كثيرون فيها -ومنهم السيد ديمستورا- أن اللجنة الدستورية هي الإجراء العملي الوحيد المتبقي من تنفيذ قرارات مجلس الأمن 2254.
- تفاصيل المبادرة وتقديراتنا حولها
بناء على دعوة من جماعة سانت ايجيديو، وإدراكاً منها لمعاناة الشعب السوري خلال سنوات الحرب وإيماناً بأنه فقط من خلال الحوار والتقارب يمكن الوصول إلى حل مستدام وسلام دائم، عقد اجتماع في روما ضم شخصيات سورية معارضة من مختلف التوجهات والمكونات السورية سعياً لتقديم مبادرة سلام عادل وشامل في سوريا، يمكن أن يتبناها الكرسي الرسولي وتطرح على المجتمع الدولي والأمم المتحدة أملاً في أن يصار إلى وضع بعض أفكارها موضع التنفيذ، ما يخرج سوريا من الوضع المأسوي الذي تعيشه منذ بداية الثورة السورية وربما قبل ذلك بعقود.
كان للسيدة رندة قسيس الدور الأكبر في الدعوة لهذه المبادرة وحاولت من خلالها لعب دور مستقبلي في التطورات في الساحة السياسية السورية وتعويض مافاتها بعدم ضمها إلى اللجنة الدستورية. كما لعب الدكتور حسام الحافظ الدور الأكبر في صوغ هذه المبادرة التي ظهرت الصيغة السياسية فيها واضحة أكثر من الصيغة القانونية على الرغم من أن كثيراً من بنودها قانوني بحت.
وعلى الرغم من إنكار الائتلاف الوطني السوري أنهم مثلوه في هذا الاجتماع(7)، فقد شارك من أعضاء الائتلاف الوطني في المبادرة كل من: 1- الأستاذ يحيى مكتبي الأمين العام السابق للائتلاف 2- الأستاذ سالم المسلط نائب رئيس الائتلاف السابق 3- الدكتور وجيه جمعة رئيس المجلس السوري التركماني ووزير الصحة السابق في الحكومة المؤقتة 4-الدكتور هشام مروة نائب رئيس الائتلاف السابق ونائب رئيس اللجنة القانونية في الائتلاف 5- الأستاذ فؤاد عليكو القيادي البارز في المجلس الوطني الكردي 6- الأستاذ فادي إبراهيم ممثل المجلس المحلي لمحافظة اللاذقية.
ولفتت الانتباه مشاركة الأستاذ أيمن العاسمي رئيس اللجنة الإعلامية في وفد آستانة وتوقيعه على المبادرة.
شارك في الاجتماع أيضاً ضابط الأمن الشهير نواف الفارس السفير السوري في بغداد المنشق منذ 2012. ولوحظت مشاركة اللواء عبد العزيز الشلال بعد غياب طويل عن الظهور والمشاركة.
وشارك أيضاً السياسي الأستاذ نبيل قسيس شقيق السيدة رندة قسيس وكذلك الناشط الثوري محمد حاج بكري وعبد الجليل السعيد المقرب حالياً وبشكل كبير من السيدة رندة قسيس.
وقام بالتنسيق ممثل الكرسي الرسولي ماورو غاروفالو.
وقد ذكر المجتمعون في بداية مبادرتهم أنها قامت على الأسس الآتية:
أ- إجراء تحليل عميق للوضع الحالي على الأرض والتحديات التي تواجهه والفرص الممكنه.
ب- التقدم بأفكار مشتركة حيث ما يمكن أن يشكل حلولاً ملموسة وحقيقية لعملية انتقال عادلة تشمل جميع السوريين وتهدف إلى التوصل إلى اتفاق سلام شامل.
وعليه فقد طرحت الأفكار الآتية:
1- سوريا تتشكل من مكونات عرقية ودينية وثقافية وسياسية مختلفة ومن حق كل مكون أن يشارك في مستقبل بلده. وهذه فكرة طيبة لا نظن أن أحداً من السوريين يختلف عليها فالكل يقر بأن سوريا تتشكل من مكونات مختلفة ولكن المشكلة في النظام السوري الذي يقول هذا لفظاً ويسحق كل المكونات فعلاً، أما حق المشاركة في مستقبل البلد فلم يعترف به النظام السوري يوماً ما ولم يسمح لسوري بالمشاركة ولا بالاهتمام بالشأن السياسي أو الهم العام، وكان شعاره دوماً ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد.
2- بالنظر إلى الهوية السورية والعلاقة بين الدين والمواطنة وأن سوريا موطن مشترك لجميع مكوناتها طُرح الاتفاق على أن تكون سوريا دولة مدنية ديمقراطية متعددة الأعراق والديانات والطوائف، وأن فكرة المواطنة تقوم على أساس المساواة والعدالة وحكم القانون لجميع السوريين. وهذه فكرة طيبة أيضاً ولكن لم يفهم معنى هذه الجملة، الهوية السورية والعلاقة بين الدين والمواطنة، فلم يرد بعدها أي شيء يشير إلى وجهة نظر المجتمعين إلى العلاقة بين الدين والمواطنة ولماذا سيقت هذه العبارة من دون تبيان معناها أم أن المطلوب صف جمل وكلمات تتحدث عن الدين والمواطنة والدولة المدنية الديمقراطية، وهذه مشكلة تعانيها وثائق المعارضة السورية المكتوبة معظمها بطريقة غير مدروسة وغير واضحة وتجعل المجتمع الدولي لا يأخذها بجدية.
3- يؤمن المجتمعون أن نظام الحكم المعقول يجب أن يكون على شكل جمهورية شبه برلمانية وشبه رئاسية. وهذه أيضاً جملة ملتبسة فلم يعرف العالم نظاماً يطلق عليه أنه نظام شبه رئاسي وشبه برلماني في آن واحد، فأنظمة الحكم إما رئاسي أو برلماني أو مختلط وهو شبه برلماني أما الجمع بين الاثنين في مصطلح واحد فهذا لا يستقيم ويحتاج إلى شرح، والخشية أن هذا الطرح التلفيقي مرده إلى محاولة إرضاء كل الأطراف المشاركة في المبادرة الذي يفضل بعضها الرئاسي كذوي الميول القومية العربية وبعض آخر يفضل البرلماني كالكرد، باستنباط مصطلح هجين لا يمكن فهمه ولا تطبيقه.
4- يجب على الإصلاح المؤسساتي أن يستمد شرعيته وسلطته من الشعب السوري من خلال انتخابات عامة ومباشرة تجري في جولة واحدة. وواضح أن العبارة الأولى غير احترافية وملتبسة فمالمقصود بالإصلاح المؤسساتي المستمد شرعيته وسلطته من الشعب، ثم إن طرح أن تكون الانتخابات عامة ومباشرة وتجري في جولة واحدة فهذا تفصيل ليس محله مبادرة عامة، وهو من صلاحيات الجهات المسؤولة في مرحلة البيئة الآمنة والمحايدة، وفضلاً عن ذلك نرى أن المجتمعين ليس لديهم تصور عما توافق عليه المجتمع الدولي من أن الانتقال السياسي في سوريا يجري من خلال إصلاح دستوري وبيئة آمنة ومحايدة وهادئة، ثم انتخابات.
5- يجب أن يعتمد تشكيل الحكومة (مجلس الوزراء) على نتائج الانتخابات العامة، إذ ستكون مسؤولية تشكيل الحكومة على عاتق الحزب أو ائتلاف الأحزاب الفائزة بالانتخابات. وهذه الفقرة ببساطة تعني أن المطلوب هو نظام برلماني أو شبه برلماني وتتعارض مع نظام شبه رئاسي شبه برلماني، كما أن هذا الطرح من الواضح فيه أنه يريد إضعاف دور رئيس الجمهورية في التأثير في جزء كبير من السلطة التنفيذية.
6- لضمان أقصى قدر من شمولية التمثيل نرى تشكيل مجلسي نواب كواحد من الخيارات مع توفر ضمانات لعملية تشريعية سلسة ومنضبطة وكذلك ضمانات لمجلس التمثيل في عملية سن القوانين. هذه الفقرة تبدو ظاهرياً منطقية ومعقولة في ظل المتغيرات التي تعانيها سوريا الآن، وإن كنا نرى أنه من الصعب إقرارها لأن جملة إعطاء ضمانات لمجلس التمثيل (الغرفة الثانية) في عملية سن القوانين قد تفتح الباب على مصراعيه لفكرة الفدرالية في وقت لا تسمح فيه الأوضاع بأكثر من اللامركزية الإدارية، وتجعل مجلس التمثيل منافساً كبيراً لمجلس النواب (الغرفة الأولى) وربما سيحصل تعارض شديد بين المجلسين. عموماً فكرة البرلمان بغرفتين مطلب دائم للأحزاب الكردية ويرون أنها تضمن إعطاءهم مزيداً من الحقوق القومية وصولاً إلى ما هو أبعد من ذلك، وهذا ما نظن أنه من شبه المستحيل أن يقبل به النظام السوري وذوو الميول العروبية من المعارضة بينما من الممكن أن يقبل به الإسلاميون.
7- الإيمان بأن مبادئ الفصل والتوازن والتعاون بين السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية هي من بين الركائز المهمة للنظام السياسي في سوريا. وهذه فقرة مهمة وضرورية وتحسب للمبادرة أنها طرحتها.
8- يجب أن يكون للفرع التنفيذي في الحكومة طابع مزدوج: الرئيس من جهة والوزراء من جهة أخرى، والمسؤولية السياسية لمجلس الوزراء والحكومة ذات طبيعة جماعية وعلى الحكومة تقديم استقالتها في حال حدوث تصويت بعدم الثقة. مرة أخرى هذه الفقرة تعني أن شكل النظام المقترح في سوريا هو النظام المختلط، ونظن أن من نظم هذه الفقرة في صيغتها النهائية يدرك ذلك وعمد إلى تمريرها، ويلاحظ أن عبارة المسؤولية السياسية لمجلس الوزراء والحكومة ذات طبيعة جماعية فليست ذات معنى، وعبارة على الحكومة تقديم استقالتها في حال حدوث تصويت بعدم الثقة فهذا بدهي ولا حاجة لذكر مثل هذا في مبادرة سياسية من هذا النوع وإلا عد حشواً يسيء إليها.
9- للفرع التنفيذي للحكومة (الرئيس ورئيس الوزراء ومجلس الوزراء) الحق في اقتراح القوانين على البرلمان والحق في المشاركة في المناقشة الرسمية لهذه القوانين في البرلمان. فقرة معقولة ومنطقية وإن كانت تفصيلية في مبادرة سياسية وربما يقول بعضهم إذا كانت المبادرة ستطرح هكذا تفصيل فمن باب الأولى طرح تفصيلات أهم في فقرات أخرى لا تقل أهمية.
10- يمتلك البرلمان سلطة مراقبة عمل الفرع التنفيذي للحكومة بموجب القاعدة المنصوص عليها في الدستور. وهذه فقرة جيدة جداً والجميع يعرف أن من أكبر المآسي في سوريا هو نزع سلطة المراقبة من يد البرلمان على السلطة التنفيذية ولعل كف يد البرلمان عن الرقابة المالية في ظل سلطة حزب البعث كان من أكبر انتهاكات هذا النظام لأبسط مهمات البرلمان.
11- للرئيس باعتباره جزءاً من السلطة التنفيذية سلطات مختلفة ومحددة بموجب الدستور. يلفت الانتباه هنا ما المقصود بسلطات مختلفة ومحددة التي توحي بأنه أقل سلطة من الحكومة، وخصوصاً في ظل الفقرة التالية التي تقول بإشراف الرئيس على تطبيق السياسات العامة وتنفيذ المهمات الرئيسة للدولة بما في ذلك الدفاع والأمن والشؤون الخارجية.
12- يشرف الرئيس على تطبيق السياسات العامة وتنفيذ المهمات الرئيسة للدولة بما في ذلك الدفاع والأمن والشؤون الخارجية. هذه الفقرة تعني أن طبيعة النظام في البلد هو نظام رئاسي فالرئيس في النظام الرئاسي هو الذي ينفذ مهمات الدفاع والأمن. وواضح أن هذه الفقرة تتعارض مع فقرات سابقة، وبدا وكأن الفقرة وضعت إرضاء لمجموعة من الحضور.
13- الحكومة (مجلس الوزراء والوزراء ورئيس الوزراء) هي المسؤولة عن إدارة شؤون الدولة اليومية بما في ذلك الدفاع والأمن والشؤون المالية للدولة في إطار القوانين واللوائح التي يسنها البرلمان. ربما كانت هذه الفقرة هي أكثر الفقرات المعبرة عن عملية التلفيق في هذه المبادرة فبينما تتحدث فقرة سابقة أن الرئيس ينفذ مهمات الأمن والدفاع والخارجية نجد في هذه الفقرة أن الحكومة هي المسؤولة عن إدارة شؤون الدولة اليومية بما في ذلك الدفاع والأمن، ومن غير المفهوم كيف سيجري التوفيق بين رئاسة الجمهورية والحكومة، وهذا يذكرنا بما طرح في النظام الداخلي للائتلاف الوطني للمعارضة حول شكل العلاقة بين رئاسة الائتلاف والحكومة المؤقتة وما تفجر من صراع بين أحمد الجربا وأحمد طعمة عام 2014 بسبب وجود تداخل في الصلاحيات بينهما حتى لكأن كاتب النظام الداخلي للائتلاف وهذه المبادرة شخص واحد.
ثم انتقلت الوثيقة إلى الحديث عن ضرورة وجود مرحلة انتقالية على الرغم من أن المجتمع الدولي في ما نرى قد تجاوز فكرة المرحلة الانتقالية واستبدلها بالبيئة الآمنة والمحايدة، فقالت الوثيقة:
ولتحقيق ماسبق من مبادئ واصلاحات نحث على وجود مرحلة انتقالية لضمان خروج منظم من الحرب والإيمان بأن المعالم الرئيسة لعملية انتقال سياسي فاعل هي ما يأتي.
أ- أن يكون للجنة الدستورية أنظمتها الداخلية الخاصة بها من جدول أعمال ونظام المناقشة والتصويت ومساهمة الخبراء.
وأن جريم اختيار رئيس اللجنة عن طريق الإجماع الوطني والدولي (إن لزم الأمر شخصية سورية محايدة).
وأن تتمتع اللجنة بالسلطة اللازمة لإنشاء اللجان الفرعية وتحديد موعد نهائي لإنهاء أعمالها (لا يتجاوز تسعة أشهر) وينبغي أن تعكس تركيبتها تركيبة البلد والتوازن بين الطرفين وتضم أشخاصاً كفوئين من الطرفين. ونرى أن هذه الفقرات معقولة ومنطقية على الرغم من صعوبة اختيار رئيس لهذه اللجنة يحظى بإجماع وطني ودولي وكان الأولى الحديث عن توافق حول هذه الشخصية.
ب- يجب في بداية أعمال اللجنة الغاء إلقواعد والقوانين التي تهدف إلى عرقلة النشاط السياسي للمعارضة وإتاحة حرية التعبير والصحافة وضمان حق التظاهر السلمي دولياً والتفعيل الكامل للضمانات الدستورية والقانونية للديمقراطية والحرية. والسؤال المطروح هنا ما العلاقة بين إلغاء القواعد والقوانين التي تعرقل النشاط السياسي للمعارضة -المطلوبة دائماً- وبداية أعمال اللجنة الدستورية التي لها مهمة واحدة ومحددة هي القيام بإصلاح دستوري، بينما إلغاء القوانين الجائرة من مهمات البيئة الآمنة والمحايدة.
ج- يجب على اللجنة الدستورية إلى جانب عملها الدستوري صوغ قانون الأحزاب وقانون الانتخاب وذلك لمنع أي فراغ للنشاط السياسي في المدة الفاصلة بين الاستفتاء على الدستور الجديد وإنفاذه. ونرى في هذا الطرح تجاوزاً في صلاحيات اللجنة الدستورية المقتصرة على الإصلاح الدستوري من خلال صوغ دستور جديد أو تعديل دستوري كبير على دستور 2012 وتقليص صلاحيات الرئيس شبه الإلهية،,نرى أن هناك خلط ما بين العمل الدستوري للجنة ومقتضيات البيئة الآمنة والمحايدة، ولعل مرد هذا إلى تعشيش فكرة هيئة الحكم الانتقالي لدى المعارضة في وقت قد نسيها المجتمع الدولي.
د- في ما يتعلق بالاستفتاء الدستوري من الضروري إعطاء السوريين جميعهم -أكانوا أفراداً أم جماعات ومن خلال الأحزاب السياسية- الفرصة للقيام بحملات انتخابية في كل محافظة من محافظات البلاد من دون استثناء وفقا للقوانين الجديدة وضمان حريتها وسلامتها. وهذه فكرة جيدة وتضع تنفيذ البيئة الآمنة والمحايدة على المحك.
ه- يجب على وجه السرعة ترتيب برنامج تجميع القوات المسلحة والمليشيات والجماعات المسلحة في البلاد جميعها من أجل نزع سلاح أو حل أو إخراج المقاتلين الأجانب والمليشيات الأجنبية والمليشيات المتطرفة كافة، وكل من هم ضد وحدة الأراضي السورية وينبغي أن تكون عملية التجميع بضمانات من القوات الدولية وضمان الأمن القومي بتشكيل جهاز شرطة مدنية جديد (الأمن يتبع وزارة الداخلية). تقديرنا أن وجود ضمانات من القوات الدولية أمر حيوي بالغ الأهمية وقد فعلته الأمم المتحدة في تجارب مماثلة، ولكن النظام السوري سيسعى إلى عرقلة ذلك بشتى الوسائل فليس من مصلحته أبداً السماح بوجود قوات دولية، ولا يبدو أن المجتمع الدولي بصدد إجبار النظام على فعل ذلك.
و- ينبغي تنظيم استفتاء دستوري بإشراف دولي من قبل لجنة انتخابية مستقلة، تطلب هذه اللجنة الدعم من المجتمع الدولي ويمكن أن يجري اختيارها من قبل اللجنة الدستورية. ونحن نرى أنها فكرة جيدة ولكن سيطرح تساؤل هل اختيار اللجنة الانتخابية المستقلة من صلاحيات اللجنة الدستورية أم أن واضعي المبادرة يرون أنه لا داعي للبيئة الآمنة والمحايدة وأنه يمكن إنجاز كل ما تقتضيه البيئة الآمنة والمحايدة من خلال اللجنة الدستورية وهذا ليس بالضرورة صحيحاً.
ز- تقود الحكومة الانتقالية الجديدة المرحلة الانتقالية وتبدأ مهمتها في نهاية عمل اللجنة الدستورية، وسوف يجري تشكيل هذه الحكومة بتوافق الآراء بين الأطراف. وهذه فكرة غير قابلة للتحقق وخصوصاً بعد التوافق الدولي على إلغاء هيئة الحكم الانتقالية والمرحلة الانتقالية واستبدال البيئة الآمنة والمحايدة بها في وجود النظام السوري.
ح- تنظم الحكومة الانتقالية انتخابات عامة ورئاسية جديدة من خلال لجنة الانتخابات التي ستنشئها اللجنة الدستورية بإشراف الأمم المتحدة وحال انعقاد البرلمان الجديد يجب عليه تنفيذ الدستور الجديد. وأيضاً هذه فكرة لن تلقى آذاناً صاغية لأن المجتمع الدولي وخصوصاً أمريكا وروسيا، ومن خلال طروحات الأمم المتحدة في صيغتها الجديدة يرى أن الحكومة الجديدة تبدأ أعمالها بعد الانتخابات التي ستجري بعد إنجاز الإصلاح الدستوري والبيئة الآمنة والمحايدة من دون المرور بالمرحلة الانتقالية وهيئة الحكم الانتقالي.
تحدثت الوثيقة عن أنه ينبغي الامتثال لقرارات مجلس الأمن ذات الصلة ولا سيما المواد (9،12،13،14) من قرار مجلس الأمن رقم 2254. وهنا يجب التذكير بما قاله السيد دي مستورا في مطالعته أمام مجلس الأمن في 17 اكتوبر/ تشرين الأول 2018 من أن اللجنة الدستورية هي العنصر الرئيس الذي يتبقى في الوقت الحالي من الناحية العملية حول كيفية تنفيذ قرار مجلس الأمن 2254، وهذا يعني من وجهة نظر ديمستورا أن المواد (9، 12،13،14) قد جرى تنفيذها، وهذا ما يدفعنا إلى التفكير ملياً في طريقة نظر الأمم المتحدة إلى كثير من الأمور التي تنظر إليها المعارضة السورية بطريقة مختلفة.
تطرقت المبادرة إلى أنه ينبغي اتخاذ الأحكام جميعها من أجل التنفيذ الكامل للقانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني ذي الصلة بالدولة السورية:
– إطلاق سراح المعتقلين والسجناء السياسيين وسجناء الضمير بدءاً بالنساء والأطفال فور بدء اللجنة الدستورية أعمالها.
– إصدار عفو عام فاعل وشامل عن جميع القضايا المتعلقة بالأحداث في سوريا التي بدأت في شباط/ فبراير 2011.
-إخراج جميع التدابير اللازمة للعودة الطوعية والآمنة للنازحين واللاجئين داخلياً إلى مناطقهم الأصلية وإعادة تأهيل المناطق المتضررة وفق القانون الدولي.
-اتخاذ جميع التدابير اللازمة لمكافحة الإرهاب.
– إلغاء جميع القوانين والتشريعات والإجراءات الهادفة إلى محاكمة المشاركين في الأحداث في سوريا -التي بدأت في شهر فبراير/ شباط 2011- ومعاقبتهم بما في ذلك مصادرة الممتلكات وحظر السفر.
– إلغاء جميع الجنسيات التي منحت منذ شهر شباط/ فبراير 2011 وإلغاء كافة الإجراءات القانونية والإدارية المشرعنة لهذا الغرض من دون المساس بأي شكل من الأشكال بإعادة منح الجنسية للأكراد السوريين.
– ضمان عودة موظفي الخدمة المدنية وجميع موظفي الدولة الذين فصِلوا وأجبروا على ترك وظائفهم.
ويلاحظ هنا أن الوثيقة طالبت بإصدار عفو وليس إلغاء قرارات الاعتقال التعسفية التي قام النظام بتنفيذها وهذه العبارة عبارة ضعيفة قد توحي بأن المؤتمرين ينظرون بعين الرضا النسبي وليس الرفض القاطع لشرعية نظام الحكم في سوريا، أما ما تبقى من بنود في الفقرة الأخيرة فهي جيدة وتلقى قبولاً طيباً لدى السوريين.
- الخاتمة
الطلب من جماعة سانت ايجيديو مواصلة المحادثات والجهد لتعزيز هذه المبادرة لدى المجتمع الدولي ولا سيما الأمم المتحدة والكرسي الرسولي روسيا، تركيا، أمريكا، الاتحاد الأوروبي، فرنسا، ألمانيا، إيطاليا، المملكة العربية السعودية، والإمارات العربية المتحدة، مصر، الأردن وغيرها من البلدان المعنية. وهنا يلاحظ غياب ذكر إيران ويبدو أن هذا استجابة من جماعة سانت ايجيديو للمعارضة السورية على الرغم من أن هذا ليس بالضرورة أن يكون من ضمن سياسة الجماعة التي تحاول الانفتاح على كل الأطراف المؤثرة.
الهوامش
1- مطالعة ديمستورا أمام مجلس الأمن 17 اكتوبر/ تشرين الأول 2018.
2- عبارة هادئة أضافها السيد دي مستورا إلى البيئة الآمنة والمحايدة في مطالعته أمام مجلس الأمن 17 اكتوبر/ تشرين الأول 2018.
3- نظمت هيئة التفاوض السورية في 16 و17 و18 اكتوبر/ تشرين الأول اجتماعات مكثفة في الرياض للمرشحين الخمسين الممثلين للمعارضة في اللجنة الدستورية من أجل زيادة التجانس في ما بينهم وإطلاعهم على المستجدات وتبادل الآراء حول نظام الحكم الأكثر ملاءمة لسوريا المستقبل فضلاً عن إقرار القواعد الإجرائية التي سيجري على أساسها تنظيم عمل اللجنة الدستورية وضبط العناصر المرشحة لعضوية اللجنة الدستورية من المعارضة وفق رؤية الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية.
4- تذكر هنا بهذا الصدد محاولة مجمع الفاتيكان الثاني 1962-1965 محاولة مواءمة رسالة الدين مع روح العصر المادي الحديث والبحث عن مصالحة مع السلطة الزمنية خشية انفراط العقد الديني وسلطة الكنيسة الكاثوليكية وعدم قدرة البابا على السيطرة عليها. وتذكر أيضاً محاولات حثيثة بين شد وجذب بين أطراف متعددة منتمية إلى الكنيسة وبروز تيار لاهوت التحرر المنتقد جذرياً للكنيسة ولانخراطها في الواقع المادي وعقدها المحاكمات لخصومها الناقدين.
5- تقوم الجماعة فضلاً عن نشاطها الإنساني كتعليم الفقراء وتأهيلهم، بالتوسط في النزاعات الدولية المتوسطة وهي حرة التصرف بسبب صفتها غير الرسمية. وطريقة عملها تسمى طريقة سانت ايجيديو المعتمدة على تطوير العلاقات الشخصية وسبر أعماق ثقافة الأطراف المتنازعة والتعاون ما بين الجهات الحكومية وغير الحكومية.
6- نظمت الجماعة مسيرات في إيطاليا بمناسبة اليوم العالمي للسلام في شهر يناير/ كانون الثاني 2018، لحث الأشخاص على أهمية السلام، بعنوان السلام لكل الأراضي وكان التركيز فيها على الأزمة السورية، وشاركت معها في المسيرات منظمات وجمعيات وصولاً إلى ساحة القديس بطرس، استمع من خلالها المشاركون إلى رسالة البابا فرانسيس التي أصدرها بمناسبة اليوم العالمي للسلام. وطرحت أفكاراً تتعلق بكيفية مساعدة اللاجئين على الاندماج في المجتمعات المضيفة بما في ذلك إتاحة الفرصة لما يسمى بالممرات الإنسانية (يشار إلى أن عدد اللاجئين السوريين الذين وصلوا إلى إيطاليا عن طريق الممرات الإنسانية لسانت ايجيديو بلغ 1000 لاجئ).
7- نفى الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية صلته بهذه الوثيقة التي جرت بإشراف جماعة سانت ايجيديو وحضور عدد من المعارضين السوريين حول المبادئ الخاصة بصوغ دستور جديد لسورية وآلية إجراء انتخابات وقد تحدث بهذا الأستاذ أنس العبدة الناطق الرسمي باسم الائتلاف الوطني السوري 30/10/2018 معتبراً أن هيئة التفاوض السورية هي الجهة المخولة بالعمل على إقرار الأوراق والسياسات التفاوضية لقوى الثورة والمعارضة ودعا باسم الائتلاف –الأطراف كافة- إلى تجنب أي خطوات تلحق ضرراً بالعملية السياسية الهادفة إلى تحقيق تطلعات الشعب السوري والتنفيذ الكامل والصارم لقراري مجلس الأمن 2254 و2118 وبيان جنيف 1(2012).

Social Links: