حال بعض السوريين في الغرب – احمد فواخرجي

حال بعض السوريين في الغرب – احمد فواخرجي

حال بعض السوريين في الغرب
احمد فواخرجي

و بعد منتصف الليل وفي الظلام الحالك والبرد القارص ، وبينما كنت واقفاً في أحد شوارع العاصمة الألمانية (برلين) منتظراً الحافلة التي ستعيدني الى البيت ، سمعت أحداً ما يناديني:  حبيبي! إلتفت إلى الوراء لأجد طفلاً يبدو لي بالخمسة عشر من عمره كان حنطي البشرة أجعد الرأس قصير القامة يرتدي ملابس شبه صيفية وسط هذا الشتاء القاتل                               يسألني باللغة الالمانية: أتريد بعض المخدرات؟                      عرفت من لكنته الغريبة و لون بشرته بأنه ليس ألماني                      يتابع: لدي حشيش ، كوكائين ، كريستال ، إكسيزي……إلخ                                   إقترتبت إليه وسألته: من أين أنت ؟                                      أجابني : أنا سوري!!!                ثم أكملت الحديث معه باللغة العربية: وشو عم تعمل هون حبيبي بهالبرد؟                         أجابني بالامبالاة: خلصني بدك تشتري ولا لئ؟! إذا ما بدك تشتري يالله من هون!                 شعرت بأنني أفتح عليه أحد أبواب الحزن و الألم التي يحاول إغلاقها ، ثم أقول له: بلى أود أن أشتري منك ولكن أسألتي هذه هي مجرد تعارف لربما وددت أن أشتري منك مجدداً في المستقبل !!                               ثم أعيد صياغة السؤال: أين تسكن؟                                     يجيب: في أحد الهايمات لرعاية القاصرين                                _ و لماذا لا تقيم مع أهلك؟         = لقد أتيت وحدي لألمانيا منذ حوالي سنتين  بغية تقديم طلب لم شمل لوالدَي و أختاي الصغيرتين لأننا لم نملك نقوداً تكفي لسفرنا جميعاً ، ثم إقترح والدي أن أسافر وحيداً و من ثمَ أقدم طلب لم الشمل كي يلحقوا بي لاحقاً…. لكن المعاملة قد إستغرقت وقتاً أطول مما توقعنا وأهلي لا يملكون ثمن الفيزا و تذاكر الطيارة ، ولهذا السبب آتي هنا كل يوم حتى أحصل على نقود و أرسلها لأهلي كي يتمكنوا من جمع ثمن التذاكر.                         _ ألا تخاف أن تطاردك الشرطة؟     يهزه في رأسه ثم يتنهد ليقول لي: يلي كاتبو الله بدو يصير                _ لكن ألا يوجد طرق أخرى تكسب بها المال؟                                     ثم يضحك ويقول: لك من وين ما تركت قرنة فيها شغل إلا وسألت فيها….. بس مافي أمل عمري 15 وما حدا بشغل طفل بهالعمر حتى تعرفت على تاجر حشيش بيعطيني كل يوم بعد المدرسة 20 غرام وبوقف ببيعهن وباخد على كل غرام يورو ونص مربح…..                   ثم يخفض رأسه و يتابع الحديث بلهفة وإشتياق، بس إنشالله لما بيجوا أهلي رح أترك هالشغلات كلها ، أنا بس بدي أمن حق التذاكر وما بدي شي غيرو           كنت أصغي إلى ذاك الطفل و تخطر في بالي حكاية بائعة الكبريت ، ولكن الكبريت لا يأتي بهمه في أوربا فيتحول الكبريت إلى مخدرات!! ، وتتحول بائعة الكبريت إلى طفلٍ مجرم يدخل عالم الجريمة منذ نعومة أظافره ، إن للحرب السورية مآسي كبيرة و عظيمة ، ولكن المأساة الأكبر و الأعظم هي تلك التي وقعت على براعم المستقبل ، حرب شوهت جيلاً بأكمله ، حربٌ لم تترك للطفولة والإنسان أي معنى ، أطفال يولدون بين الأشلاء و الدمار يرضعون  الهم و الكرب  ليفطموا عن أمهاتهم ويجدوا أنفسم على قوارب الحياة المتجهة إلى أوربا حالمين بحياة آمنة و سعيدة يقضونها من أهلهم و ذويهم ، ليدخلو عالم الجريمة منذ نعومة أظافرهم.

  • Social Links:

Leave a Reply