تدور أسئلة كثيرة منذ عقود بشأن فقدان السياسة معناها ومصداقيتها في العالم العربي، فهناك دائما هوة واسعة بين الخطاب السياسي العربي والواقع المفترض أن يكون الخطاب صادرا ومعبرا عنه. وقد وصلت هذه الهوة في حالاتٍ فاقعةٍ كثيرة إلى تحويل الواقع القائم والمعاش إلى نقيضه، فكان على الشعوب العربية أن تحتفل بالمنجزات التنموية الاقتصادية، في ظل الفقر المتصاعد من كل جنب من جنبات الوطن العربي، كما كان عليهم الاحتفال بالثورة العلمية في ظل التردّي التعليمي الصارخ، وكان عليهم أن يحتفلوا بالديمقراطية في ظل أقسى الأنظمة الديكتاتورية… وصولا إلى أبلغ تعبير عن الشرخ في الخطاب السياسي، بتحويل الهزائم المحققة انتصارات، وعلى الشعوب أن تحتفل بهذه الانتصارات الوهمية بصخب.
تفسّر التحولات التي خضعت لها التجربة العربية منذ الاستعمار حالة التردّي التي وصلت إليها المنطقة، ففي أثناء التصدّي للاستعمار، كانت الحركات الوطنية العربية حريصةً على أن تدفع المجتمع إلى المساهمة في النضال من أجل إنجاز الاستقلال الوطني، وكانت هذه السياسة مجديةً في حشد طاقات المجتمع في مواجهة الإدارات الاستعمارية. ومن جهة أخرى، عملت الإدارات الاستعمارية على إيجاد هامش ديمقراطي من حرية التعبير عن الرأي، لتنفيس الاحتقانات داخل المجتمعات التي خضعت للتجربة الاستعمارية، ولم يكن أحدٌ في هذه البلدان يلاحق بسبب قناعاته الشخصية، وكان المواطن العربي يستطيع التعبير عن وجهة نظره من دون أن يعاقب، وهو ما أطلق عليه ياسين الحافظ مصطلح “الديمقراطية الكولونيالية”. وضمن هذه الديمقراطية المحدودة، استطاع المجتمع أن يعبر عن نفسه، وأن يحدد خياراته، ويفرضها على المستعمر، كما استطاع أن يراقب حكوماته، وأن ينتقدها بحرية كبيرة، على الرغم من الوجود الاستعماري في هذه البلدان.
ليس هذا الكلام دفاعا عن التجربة الاستعمارية، بوصفها أياما أفضل من التي عاشوها بعد ذلك،
فلا شك في أن التجربة الاستعمارية ساهمت في تشويه المجتمع العربي، وأعاقت تطوره. ولكن هذا لا يجعل الاستعمار السبب الوحيد، وتحميله كل المسؤولية في إعاقة تطور المجتمع العربي، فهناك عوامل وأسباب داخلية عديدة لا تقل تأثيرا عن التجربة الاستعمارية ودورها في إعاقة تطور المجتمع العربي. فبعد إنجاز الاستقلال مباشرة، أخذت الحكومات الوطنية تتراجع عن الدعوات التي كانت أيام التجربة الاستعمارية، من مشاركة المواطن في صنع السياسة، لأن هذه المشاركة أصبحت عائقا أمام التحكم الكلي في السياسة الوطنية، وأخذت آليات الاستبعاد السياسي تفرض نفسها. وبحكم هشاشتها، نظرت الأنظمة الوطنية في تلك الفترة إلى النقد الموجه لها على أنه خطر داهم. وأخذت الدعوات تتعالى بشأن عدم صلاحية التعددية السياسية والديمقراطية للدول حديثة الولادة، باعتباره ترفا لا تحتاجه الدول حديثة الاستقلال، وما تحتاجه هو “الوحدة الوطنية” للحفاظ على الاستقلال، ولعدم السماح للمؤامرات الخارجية بالتأثير على استقلال الدولة الوطنية الفتية.
كانت هذه الحجج المدخل الطبيعي لعسكرة السياسة، وبدخول الجيوش، أو بإدخالها إلى ساحة السياسة، تم إلغاء مساحة العمل السياسي، بوصفه عملا للمجتمع المدني. فمع الانقلابات العسكرية التي شهدتها المنطقة، بعد فترة وجيزة من الاستقلال، تمت مصادرة السياسة نهائيا، وأصبحت تصنع في الدوائر العسكرية، وليس في الدوائر المدنية. وبالتالي، تم إلغاء الهوامش السابقة لحرية التعبير، التي ورثتها هذه البلدان عن التجربة الاستعمارية، وأصبحت البلاغات العسكرية الانقلابية هي التي تحدّد الاتجاه السياسي للبلد المعني، وتم إلغاء المؤسسات التمثيلية، وعندما أعيد تشكيلها كانت مفرَّغة تماما من أي معنى، لأنها أصبحت مؤسسات إجماع على سياسة المؤسسة العسكرية، وأصبح “المجتمع المدني” ملحقا بما تمليه هذه المؤسسة.
مع الاستقرار الذي شهدته المنطقة العربية، بعد تجربة الانقلابات العسكرية في مطلع عهد الاستقلال وما بعده. أخذ الخطاب الوحيد للسلطة الحاكمة يتمكّن أكثر من السيطرة على المجتمعات العربية، وكلما تعزّزت هذه السيطرة، كان الحقل السياسي يضيق أكثر على أية تعبيراتٍ سياسيةٍ خارجة عن النظام السياسي المسيطر. وبذلك تحولت اللعبة السياسية إلى لعبة تناحرية. وبمعنى آخر، تم تحويل المعارضة السياسية في ظل القبضة الأمنية والسياسية، من معارضةٍ مهمتها مراقبة السلطة ونقدها وتصحيح مسارها والسعي إلى الوصول إلى السلطة من خلال العملية الديمقراطية وتداول السلطة، من خلال حرية التعبير والنقد وحرية الصحافة وتضامن مؤسسات المجتمع المدني، إلى معارضةٍ تدميريةٍ، مهمتها إحراج الأنظمة، خصوصا في تلك المواقع التي تعتبرها السلطة مواقع قوتها، وهي السياسة الأمنية.
اعتبار السياسة مهنة محرّمة على الآخرين، وقصرها على السلطة السياسية، وإلغاء حقل
الممارسة السياسية للقوى الأخرى، وقبض الدولة على كل مداخل المجتمع المدني ومخارجه، وإخضاعه قسرا لمتطلبات السلطة السياسية، عمل خلال سنوات طويلة على إفقاد السياسة معناها، وأصبحت خطابا مرسلا باتجاهٍ واحدٍ من الأعلى إلى الأسفل. وبحكم الضغوط الشديدة التي تعرّضت لها المجتمعات العربية، فقد تم تفريغ المجتمع وقواه الحية من القدرة على التعبير، وأصبح هناك خطاب واحد يفرض نفسه على المجتمع الذي تضطر قطاعات المجتمع لتكراره والدفاع عنه، تحت ضغوط الإكراه والإذعان. وليس غريبا، في هذه الظروف، أن يتحوّل خطاب السلطة إلى خطاب إنشائي، ينتج نفسه بعيدا عن أي واقع، وليس غريبا أن يُنظر إلى العالم العربي أنه يتحول إلى كتل سكانية فائضة عن الحاجة، في ظل خراب معمم عموديا وأفقيا في المجتمعات العربية.
يقوم خطاب السلطة أساسا على حجب هذه المشكلات، وعدم الاعتراف بها، ما يجعلها تتفاقم مع مرور الوقت. ويدفع تفاقم المشكلات هذا مرة أخرى الخطاب السياسي إلى التوغل أكثر في نفي أية مشكلاتٍ يعيشها الواقع، وبالتالي يصبح الخطاب السياسي فارغا من أي مضمون، ومعبرا عن شرخ وهوة واسعة بينه وبين الواقع المعاش. وفي مثل هذه الشروط لإنتاج الخطاب السياسي، ليس غريبا أن تفقد السياسة معناها ودلالاتها في العالم العربي. وإذا كان الربيع العربي محاولةً من أجل استعادة المعنى، فإن عمق الخراب الهائل في المنطقة قد هزمه، قبل أن يزهر. وليس من المعروف، إذا ما كان ربيع آخر يمكن أن يمرّ على المنطقة في المدى المنظور؟!

Social Links: