من ذاكرة التاريخ السوري

من ذاكرة التاريخ السوري

من ذاكرة التاريخ السوري :

بدأ العمل لتأسيس الجيش السوري، منذ تولي الرئيس شكري القوتلي رئاسة الجمهورية في العام 1943، وتكلل جهد الرجالات الوطنيين بتأسيس الجيش السوري في 1 آب 1945. كانت الغاية التي أسس لها الجيش السوري تتمثل بحماية البلاد والشعب السوري من أي اعتداء عليهما، وابتعاده بشكل تام عن السياسة والتحزب. وبعد تأسيس الجيش بدأت عملية البحث عن مصادر لتسليحه.

في العام 1948 تم توقيع اتفاق مع بريطانيا لشراء مجموعة من الأسلحة الخفيفة، وتم توقيع اتفاق مماثل مع أميركا، إلا أن كبرى الصفقات كانت مع تشيكوسلوفاكيا. فخلال ولاية الرئيس شكري القوتلي الثانية في العام 1955، تم إبرام صفقة كبيرة لشراء الأسلحة مع تشيكوسلوفاكيا قدرت قيمتها بملايين الليرات السورية، ولأن الجيش كان لايملك موازنة كبيرة لتسديد ثمن هذا السلاح، فقد اقترح الرئيس شكري القوتلي أن يقوم الشعب السوري بتمويل جيشه، من خلال حملة أطلق عليها اسم “أسبوع التسلح في سوريا”. 

ابتدأت الحملة من دمشق وكان الرئيس شكري القوتلي أول المتبرعين لها ومن ماله الخاص، واستمرت الحملة لمدة أسبوع لتنتقل بعدها إلى حلب ومن ثم إلى الجزيرة السورية. وفي دمشق كان من المتوقع أن تصل نسبة التبرع للحملة إلى مبلغ خمسة ملايين ليرة سورية، لكن حدثت قصة جعلت التبرع يصل إلى خمسين مليون ليرة سورية ….

هذه القصة روتها مجلة “الإثنين والدنيا” التي صدرت بتاريخ 19/ 12/ 1955 في مقال بعنوان “شيك بمبلغ 100 ألف ليرة سورية يصبح أسطورة في الشام …” جاء فيه :

“لقد قضى الرئيس شكري القوتلي أكثر من شهر وهو ينظم ويشرف على البرنامج الضخم الذي وضع لحملة أسبوع التسليح في سوريا … وكان أكثر المتفائلين لايتوقع أن يصل حجم التبرعات لأكثر من خمسة ملايين ليرة سورية، لتكون حصيلة الحملة الوطنية التي يعبر بها الشعب السوري عن عاطفته نحو جيشه الباسل الذي يربض على الحدود … ثم حدث مالم يكن بالحسبان، فقد تقدم شاب مهندس على وجهه طيبة وفي عينيه جرأة وشجاعة وإيمان،على فتح معركة ولكن معركة من نوع آخر …

هذا الشاب المهندس هو أصغر شقيقين لوالد شيخ معمم نجح شقيقه الأكبر محمد الميداني في شق طريقه إلى الصفوف المتقدمة من التجار وأصحاب المصانع في سوريا … أما الشاب المهندس وهو موفق الميداني فقد كان مهندساً عبقرياً استطاع أن يقوم بأهم الأعمال الإنشائية في المملكة العربية السعودية، وعندما سمع المهندس المغترب عن أسبوع التسلح في سوريا، الذي يشرف عليه الرئيس شكري القوتلي، تحرك في قلبه الحنين إلى الشام وتجمعت معاني الوطنية في رأسه وتذكر الخطر الذي يحدق ببلاده ومسقط رأسه، فقرر أن يتبرع بجزء من رأس ماله لصالح الجيش السوري الذي يسهر على حماية الحدود، فأرسل برقية إلى أخيه يخبره فيها أن يقدم إلى الرئيس شكري القوتلي شيكاً على البنك العربي بمائة ألف ليرة سورية (مايعادل 20 ألف ليرة ذهبية) وأن يقدم إلى الزعيم شوكت شقير تكاليف تجهيز ثلاثين غرفة في المستشفى العسكري مجهزة بالأساس الفاخر الذي يليق بحماة الوطن ….

وبالفعل ذهب الشقيق الكبير محمد الميداني إلى الرئيس شكري القوتلي وقدم له المائة ألف ليرة سورية … وفعل ذات الشيء مع رئيس الأركان العامة شوكت شقير وقدم له تكاليف تجهيز ثلاثين غرفة في المستشفى العسكري، قدرت نفقاتها بثلاثين ألف ليرة سورية (مايعادل 6000 ليرة ذهبية). وقد انطلقت الصحف السورية في اليوم التالي تتحدث عن هذا العطاء الجزيل من ابن دمشق البار المهندس موفق الميداني، وماقدمه في سبيل تسليح جيشه، فتحرك أصحاب الملايين وعددهم في دمشق لايقل عن المئة شخص ليقوموا بمثل ما فعل الميداني، وبدأت الأندية والصالونات تنشط وتتحفز وتهمس عن المبالغ الضخمة التي يفكر أصحاب الملايين في تقديمها لأسبوع التسلح. وقد انتقلت التوقعات لحجم التبرعات المفترضة من الحملة، من مبلغ خمسة ملايين ليرة سورية إلى مبلغ خمسين مليون ليرة سورية، ليكون الشعب السوري الذي لايتجاوز عدده الخمسة ملايين نسمة قد قدم تبرعاً إلى جيشه لم يستطع الشعب المصري الذي يبلغ اثنين وعشرين مليون نسمة تقديمه …”

لم يكن الشعب السوري ليقدم ماقدمه لجيشه في أسبوع التسلح، لو أنه لم يكن على يقين من أن هذه الأموال ستذهب إلى المكان المخصص لها. وعلى الرغم من لعنة الانقلابات التي تميزت بها تلك الحقبة من التاريخ السوري، إلا أن نزاهة ضباطه وصف ضباطه ومجنديه كانت معروفة لدى مختلف أطياف الشعب السوري من سياسيين ومدنيين.

ويروي من عاصر تلك الحقبة أن النساء كانت تنزع حليها ومجوهراتها وتقدمها إلى لجان جمع التبرعات بكل سرور وطيب خاطر.

* عن صفحة “كنوز الفنون السورية”، بتصرف.

  • Social Links:

Leave a Reply