بقلم كريستوفر فيليبس باحث في العلاقات الدولية من جامعة “كوين ماري” البريطانية ومؤلف كتاب ” المعركة من اجل سوريا: الخصومات الدولية حول الشرق الأوسط الجديد” والصادر عن جامعة (ييل- Yale- 2018)
في ديسمبر / كانون الأول، أصبح الرئيس السوداني عمر البشير أول زعيم عربي يزور سوريا منذ اندلاع النزاع الأهلي في عام 2011. وبعد ذلك بوقت قصير أعلنت الإمارات العربية المتحدة، التي عارضت الأسد في السابق، أنها تعيد العلاقات مع دمشق، مع البحرين والكويت. مما يشير إلى أنهم قد يفعلون ذلك قريبًا. مع استئناف تونس رحلاتها المباشرة إلى سوريا والأردن لإعادة فتح العلاقات التجارية، يشك العديد من المراقبين في أن أيام الأسد كطرف منبوذ باتت معدودة.
ويبدو أن السعودية، الراعي الرئيسي للمتمردين أثناء الحرب، مستعدة بشكل متزايد لقبول بقاء الأسد في دمشق، على أمل تقليل اعتماده على منافسة الرياض الإقليمية، إيران. ومن المتوقع حتى أن الجامعة العربية، التي طردت الأسد في أعقاب القمع الوحشي الذي قام به ضد المحتجين في عام 2011، والذي بدأ الحرب الأهلية، سوف ترحب به مرة أخرى في عام 2019.
ما مدى عزلة الأسد حقاً؟
بطبيعة الحال، لم يكن الأسد قط معزولًا دوليًا – ومن الأسباب الرئيسية التي انقذته المساعدة الحيوية من الحلفاء روسيا وإيران والموثقة جيدا. ضمنت روسيا أن دمشق لن تواجه أي عقوبات من قبل الأمم المتحدة، مثل تلك التي عانى منها صدام حسين، بل قدمت موسكو الى جانب إيران، المساعدات والقروض والدعم لإبقاء دولة الأسد وعسكره على قيد الحياة
أما بقية دول بريكس (البرازيل والهند والصين وجنوب أفريقيا)، ومثل العديد من الدول غير الغربية، لم تطالب الأسد بالتنحي. كانت الصين الأكثر تأييدا، ونقضت قرارات مجلس الأمن الدولي ضد الأسد ست مرات منذ عام 2011، لكن الهند أيضا احتفظت بعلاقات مع دمشق، خوفا من صعود الإسلاميين وربما مكافأة لسوريا على موقفها السابق المؤيد لإقليم نيودلهي حول كشمير. لقد سحبت البرازيل سفيرها في سوريا، ولكن لأسباب تتعلق بالسلامة بدلاً من العمل الصريح ضد الأسد. وحتى قبل الانتخابات الأخيرة للرئيس اليميني “المؤيد للتعذيب”، السيد يائير بولسونارو، أعربت البرازيل عن رغبتها في استعادة العلاقات الكاملة والمشاركة في إعادة الإعمار.
إن إعادة بناء سوريا ستكون مكلفة
من غير المحتمل أن يوفر كل من دول “البريكس” وحلفاء الأسد الكثير من 400 مليار دولار المطلوبة لإعادة بناء سوريا بعد الحرب. يبدو أن الصين الأكثر ثراء، تبدي فتورا في هذا الاتجاه، في حين تفتقر روسيا وإيران إلى الأموال. لقد أدرك الأسد وحلفاؤه منذ فترة طويلة أن المعونة فقط من الخليج الفارسي أو الغرب قادرة أن توفر مليارات الدولارات اللازمة لإعادة الإعمار، وهذا هو السبب الحقيقي لارتفاع درجة حرارة العلاقات العربية.
في حين أن الانضمام إلى الجامعة العربية يأتي بمكافأة اقتصادية ويمثل نهاية رمزية لمحاولات أعداء الأسد العرب للإطاحة به – وسيستخدمه الدكتاتور السوري محليا للتأكيد على انتصاره – حتى في العالم العربي لم تكن عزلة دمشق كاملة، فقد رفض لبنان والعراق الانضمام إلى أي عقوبات تقودها دول الخليج وحافظا على علاقات وثيقة، في حين احتفظ الأردن بوجود دبلوماسي في سوريا حتى عندما أجبرته الحرب والضغوط السياسية الخارجية على وقف التجارة ومنح المقاتلين المتمردين ملاذاً آمناً. علاوة على ذلك، عارضت الجزائر، وهي دولة دكتاتورية زميلة قاتلت أيضا تمردًا في التسعينات، طرد سوريا من الجامعة العربية ثم قدمت الخدمات في الخفاء بعد ذلك، في حين طور نظام السيسي في مصر روابط سرية.
حواجز الطرق لإعادة تأهيل الأسد: الولايات المتحدة، الاتحاد الأوروبي. وتركيا
على الرغم من هذه الإيجابيات المتعلقة بالأسد، فان طريقه إلى إعادة التأهيل الكامل ما زال مغلقاً بثلاثة عوائق كبيرة: الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي بالإضافة الى تركيا حليفة الناتو، ويبدو أن الولايات المتحدة هي الأكثر انحرافاً عن هذه المسيرة. ففي حين أن قرار ترامب المفاجئ بسحب القوات من سوريا يعزز رغبة الأسد المعلنة في استعادة “كل شبر” من الأرض، لا يوجد ما يشير إلى أن هذا سيأتي إلى جانب أي تخفيف تجاه دمشق، فالأصوات المؤيدة لإسرائيل والمناهضة لإيران في واشنطن تجعل من المستبعد رفع العقوبات الأمريكية في أي وقت قريب. هذه القيود المفروضة على الشركات الأمريكية والمواطنين الذين يقومون بنشاط خاص بالأعمال أو التمويل في سوريا ما زالت تشكل مشكلة وتعيق المستثمرين الدوليين، وكذلك الامر بالنسبة للاتحاد الأوروبي تبقى العقوبات مشكلة مماثلة، وإن لم تكن قاسية، لكن الأوروبيين أكثر تشاؤماً حول الأسد. هناك منذ فترة طويلة انقسام بين دول أعضاء في الاتحاد الاوروبي حول سوريا: ففرنسا، وبريطانيا وألمانيا أيدوا موقف واشنطن المتشدد، لكن تم التعبير عن شكوك من قبل دول جنوب أوروبا المجاورة لسوريا.
ومع بقاء المحافظة على الأسد مضمونا الآن، سترتفع اصوات البلدان- التي يستضيف العديد منها اللاجئين السوريين الذين يريدون العودة. ففي حين تغادر بريطانيا الاتحاد الأوروبي، وألمانيا تستضيف 600 ألف سوري، قد تجد فرنسا نفسها غير قادرة على منع حدوث تحول في السياسة الأوروبية. كما ان سياسة الاتحاد الأوروبي البطيئة الحركة ستبقى مصرة على وضع وإرفاق شروط على اي رفع تدريجي للعقوبات أو تقديم مساعدات. في حين أنه قد ينقسم في النهاية مع واشنطن حول سوريا، وما على الأسد الا الانتظار.
لكن العقبة الأكثر إلحاحاً هي تركيا. سيتعزز الاقتصاد السوري وخاصة منطقة مدينة حلب، التي دمرتها الحرب، بشكل كبير من خلال إعادة فتح الطرق المؤدية إلى تركيا – وهذه الطرق محظورة حالياً من قبل أنقرة والمتمردين المدعومين من تركيا الذين يسيطرون على إدلب. على الرغم من أن تركيا قد تخلت عن مطالبتها بتنحي الأسد، فإن ثلاث مناطق متنازع عليها تمنع المصالحة.
أولاً، بعد انسحاب ترامب، يمكن أن تصطدم أنقرة ودمشق حول شرق سوريا، اذ تريد تركيا طرد حلفاء واشنطن الأكراد السابقين والذين تعتبرهم إرهابيين، في حين قد تصل سوريا إلى تنسيق معهم لاستعادة المنطقة، وسيتوقف الكثير على ما إذا كان بوسع روسيا التوسط في أي صفقة.
ثانياً، إدلب، وهو آخر جيب يسيطر عليه المتمردون في سوريا، والذي عبر الأسد عن تصميمه لاستعادة السيطرة عليه، لكنه محمي من قبل تركيا التي تخشى أن تغمرها موجات اللاجئين والمسلحين في حالة سقوط إدلب. أخيراً، هناك الجزء الشمالي من سوريا بين عفرين وجرابلس الذي تسيطر عليه تركيا حالياً من خلال وكلاء لها من المتمردين، وتبدو أنقرة مترددة في التنازل عن موقعها الآن.
من غير المحتمل حل مجمل هذه القضايا بسرعة، حتى لو تم التوصل إلى نوع من الاتفاق حول التجارة الحدودية والطرق السريعة، فإن تركيا وسوريا تبدوان على مسافة سنوات عديدة من أي نوع من التطبيع.
سوف يرحب الأسد بأي عودة للجامعة العربية، لكن أهميتها لا يجب المبالغة فيها. من جهة، لم تكن سوريا معزولة تماما طوال الحرب الأهلية، ولكن من ناحية أخرى، ما زالت بعيدة عن المصالحة مع الحكومات الغربية وتركيا، كما ان نظام الأسد يتمتع بخبرة طويلة تمتد لعقود من الزمن في مواجهة العقوبات والعزلة الغربية والإقليمية، وكان آخرها في منتصف العقد الأول من القرن الحالي.

Social Links: