الانسحاب الأميركي الموعود هل يتم أو يؤجل ؟  أحمد مظهر سعدو

الانسحاب الأميركي الموعود هل يتم أو يؤجل ؟ أحمد مظهر سعدو

أكد مسؤول أميركي أن القوات الأميركية قد لا تنسحب من قاعدة التنف. وأشار إلى أنه وعلى الرغم من الانسحاب الأميركي من الشمال إلا أن القوات الأميركية قد تبقى في قاعدة التنف لفترة غير محدودة. ووفقًا لشبكة NBC فإن مستشار الأمن القومي جون بولتون، كان قد توجه لإسرائيل السبت الفائت ليناقش مع المسؤولين الإسرائيليين خططًا محتملة للحفاظ على بعض القوات الأميركية في قاعدة بالقرب من الحدود الأردنية التي لعبت دورًا حاسمًا في الجهود الأميركية للحد من نفوذ إيران في المنطقة. بالإضافة إلى أن توجهه إلى تركيا لنفس المسألة المتعلقة بالانسحاب الأميركي المفترض. لكن يبقى السؤال: إلى أي حد يمكن أن يكون هذا الكلام واقعيًا؟ وهل نشهد في المستقبل المنظور تراجعًا كليًا أو جزئيًا عن قرار الانسحاب الأميركي من سورية؟

الإعلامي السوري أيمن عبد النور أكد لجيرون أن ” انسحاب الجنود الأميركان أمر اتخذ قراره من الرئيس وليس له عودة، إلا تحت ظروف مختلفة، لكن سحب الجنود لا يعني عدم التواجد العسكري الأميركي أو التخلي عن المصالح الأميركية، أو الابتعاد عن استخدام النشاط العسكري للوصول للأهداف الموضوعة “. وتابع عبد النور قائلًا “هناك دراسة الآن للخطة الأميركية التي ستعتمد بعد سحب الجنود من سورية ستتضح معالمها بعد عودة الوزير بومبيو من جولته بالخليج ومصر والأردن، وعودة بولتون من جولته بإسرائيل وتركيا. وبعد حوالي الأسبوعين سيكونان قد عادا، ويتوقع أيضًا أن يكون قد صدر قانون سيزر من مجلسي النواب والشيوخ ووقعه الرئيس الأميركي، وبالتالي سيتم صياغة الخطة الجديدة، وهناك بعض الحلول المطروحة لتغطية الانسحاب للجنود هي: -الاستمرار بتزويد السلاح للمقاتلين الأكراد بعد أن تم الطلب منهم رسميًا التريث بعقد الاتفاق مع دمشق. – إقامة منطقة منع طيران للنظام فوق شرق الفرات-الاستمرار بتزويد القاتلين الذين يخدمون الأجندة الأميركية بالمعلومات والانذار المبكر والمعلومات الاستخبارية، كما سيتم استخدام نون سيزر بفرض عقوبات على المصرف المركزي السوري، ومجموعة من الأفراد والشركات التي تتعاون، أو ستتعاون مع النظام ووجوهه المتعددة من أي بلد كانوا.”

أما الكاتب السوري عبد الباري عثمان فقال لجيرون ” منذ أن أعلن ترامب قرار انسحاب القوات الأميركية من سورية عبر تغريدة على تويتر في 15 كانون الأول/ديسمبر كانت مفاجئة للجميع وأدخلت المنطقة في حالة من الغليان، وبدأت دولاً ترحب بالقرار وأخرى تشكك فيه، وأنا أيضًا أشكك بقرار ترامب، لعدة أسباب، منها أن المنطقة التي تسيطر عليها القوات الأميركية تعتبر درة سورية، وذات مركز استراتيجي مهم”. ويرى عثمان أن  ” هناك غايات انتخابية لتصدير بعض المشاكل الداخلية، وقد تكون ﻹثارة النعرات بين روسيا وتركيا من جانب وروسيا وإيران من جانب آخر، حيث كانت روسيا تدعي بأن القوات الإيرانية تربط انسحابها بانسحاب القوات الأجنبية من الأراضي السورية، حيث مضى على قرار ترامب ما يقارب الشهر، ولم يصدر أي حديث عن انسحاب القوات الإيرانية، بل بالعكس جهزت نفسها مع قوات النظام للسيطرة على مزيد من الأراضي وحاولت التقدم باتجاه منبج والتنف، لذا فإنه  حتى لو انسحبت بعض القوات الأميركية فإنها ستبقى حاضرة، وبإمكانها الحفاظ على مناطق نفوذها من خلال  قواعدها في العراق، وأعتقد أنها  ستحافظ على أكثر من قاعدتين في شرق الفرات، ولهذه الغاية يأتي التحرك الدبلوماسي الأميركي.”

الباحث السوري خالد صالح أشار بقوله ” لا شك أن إعلان انسحاب القوات الأميركية (إنْ حصل) أثار ردات أفعال لدى مختلف اللاعبين في الشأن السوري، تراوحت بين الغبطة والتذمر. هذه الردات (ماعدا الحليف الكردي) وإلى حد ما التركي لا تعدو كونها(زوبعة) تمنح أصحابها شعورًا نفسيًا بالرضا لا أكثر، فأميركا (عدا كونها قادت تحالفًا لضرب داعش، والقضاء عليها) لا تحتاج إلى تصريح عند دخولها، ولا عند خروجها على الأقل في المدى المنظور وربما المتوسط، وخاصة في هذه المنطقة من العالم (المشرق العربي) نظرًا لأهميتها في الإستراتيجية الأميركية، حيث تُعتبر (حديقة خلفية)، وهي فعلًا (ذاتيًا وموضوعيًا) ما يؤهلها أن تكون كذلك”.  وأضاف صالح ” الثابت أن أدوار اللاعبين الآخرين، وخاصة الروسي منها، قدتمّ برضا أميركا وموافقتها. أما بخصوص الانسحاب، حجمه ومداه، فأعتقد، وهي الحاضرة في المنطقة، هنا وهناك بأساطيلها وقواعدها لا يعدو كونه (إعادة انتشار) لا أكثر. وربما تكون قاعدة التنف في موقع القلب للانتشار، نظرًا لأهميتها من حيث الموقع في المثلث السوري، الأردني، العراقي، وقدرتها على التحكم بالطريق البري بين العراق وسورية وخاصة في سياق مطالبة واشنطن بخروج إيران، وأذرعها من الساحة السورية، والعمل على تحجيم دورها في المنطقة، وثمة ما يلوح(عسكريًا) في الأفق”.

الكاتب السياسي المعارض ميداس أزيزي أكد لجيرون أنه ” من غير الواضح الآن الفترة الزمنية المحددة للانسحاب العسكري الأميركي من سورية، وبتقديري حتى الأميركان لا يستطيعون جدولة الانسحاب بسبب ما قد يستجد من تطورات وعراقيل أمام اتفاقهم غير المعلن مع الروس حول مستقبل سورية، ومن أجل فهم أعمق لحقيقة الانسحاب الأميركي من سورية يجب النظر إلى الثوابت الإستراتيجية في السياسية الأمريكية في سورية من عهد أوباما وحتى الآن والتي هي: 1- أمن الحدود الإسرائيلية بالدرجة الاولى. 2- القضاء على داعش وملحقاتها. 3- ضمان الانسحاب الإيراني الكامل من سورية مع ميليشياتها ومنع استكمال الخط الإيراني لبنان عبر الأراضي العراقية السورية. 4 – إنجاز حل سياسي في سورية، عبر عملية انتقالية مع عدم ممانعة بقاء بشار الأسد لفترة على سدة الحكم بضغط روسي لحين إنجاز العملية السياسية، وملامح هذه الصفقة توضحت من خلال تسليم المناطق إلى النظام، حلب وبعدها درعا وريف دمشق، وفتح معبر نصيب وزيارة الرئيس السوداني، وعودة السفارة الإماراتية، والتصريحات السعودية بعدم ممانعتها لعودة سورية إلى الجامعة العربية”. وأضاف إلى ذلك أزيزي ” حوارات قوات سورية الديمقراطية مع النظام السوري للوصول إلى اتفاق لعودة النظام إلى مناطق شرق الفرات بعد التوافق على صيغة توافقية على شبه إدارة ذاتية، وهذا بطبيعة الحال برضى أميركي ورعاية روسية. لذا أعتقد أن أي انسحاب أميركي على الجانب العسكري مرتبط بتحقيق تطور نوعي في هذه المسارات، والوجود الأميركي السياسي سيبقى في سورية حتى وإن خرجت من سورية عسكريًا.”

الكاتب والإعلامي السوري أحمد قاسم قال لجيرون ” بموضوعية وعلى أرضية صراع دولي وإقليمي لم تظهر بشكل جلي أهدافه الحقيقية، سيكون جوابنا استشفافيًا للمظاهر التي تطفو على السطح، والقرارات المتضاربة، دولية كانت أو إقليمية، تدفعنا نحو التنبؤات لجوهر تحليلاتنا كمتتبعين لطبيعة الصراع في منطقتنا. وبالتالي إن بقاء الأميركي له ركيزتين أساسيتين، الأولى هي الإشراف على أسواق الطاقة واستثمارها في المنطقة والحفاظ على تواجد شركاتها العابرة للقارات، والتي تقوم بأعمال استثمارية في العديد من الدول الغنية باحتياطاتها من النفط والغاز، وكذلك تأمين أسواق لمنتجاتها من الصناعات المنافسة عالميًا، وسط تحرك نشط من قبل الصين والروس تجاه دول المنطقة لربطها بالاقتصاد الروسي والصيني، وكذلك حصر النفوذ الأميركي في المنطقة.” وأضاف قاسم ” دونالد ترامب غرد تغريدته وأدى إلى خلط الأوراق والتغيير في تحديد أولويات العديد من الدول، إلا أن الإدارة الأميركية ليست أسيرة بيد رئيسها، حيث هناك الكثير من المعوقات القانونية في وجه قرارات الرئيس، إن لم تكن في صالح الإستراتيجية الأميركية (القصيرة والبعيدة) في المنطقة. وأنا أتفهم معاناة أميركا في المنطقة أمام هجومات العمالقة الناعمة ضد وجودها، إلا أنها لا تمتلك خيارًا إلا الاستمرار في بقائها، وتحمل تبعات المواجهة (وهي تمتلك العديد من الخيارات) وأساليب متعددة لتكون كمخمدات لوقع الصدمات، أي ابتلاع قوة الصدمة والقضاء على آثارها. ومن ثم الانقلاب نحو الهجوم بشكل دراماتيكي مع استخدامها السياسة البراغماتية الممزوجة بأساليب وقحة مستفزة حينًا واستغلالية أحيانًا خدمة لمصالحها الإستراتيجية.. لذلك فالقوات الأميركية سوف لن تنسحب كلية، وقد تكون هناك انسحابات، أو إعادة للتموضع حسب إستراتيجياتها (للأمن القومي) الذي لا ينفصل أبدًا عن أمنها الاقتصادي.” وتابع مشيرًا إلى أنها ” ومنذ بداية العام 2019 تبدأ بتحديد أولوياتها وفقًا للمنظومة الدولية التي كبلت مجلس الأمن في حل الصراعات الدولية والإقليمية، وأن المنطقة سترى متغيرات هائلة، ويجب أن تكون أميركا حاضرة لتضع أسس ومرتكزات المنظومة الدولية الجديدة، وخاصة تلك التي تخص منطقتنا الشرق الأوسطية والخليج بما فيها إيران، كون هذه المنطقة تشكل البعد الجيوإستراتيجي للدول الصناعية الكبرى وفي مقدمتها أميركا وروسيا. فهل يُعْقل أن نصدق بأن أميركا ستنسحب من سورية؟ من دون أن ننسى الربط بين الأزمات في كل من العراق وسورية ولبنان والدور الإيراني في هذا الربط. “

الباحث السوري محمود الوهب أكد لجيرون أن ” كل حديث يتعلق بتخلِّي الولايات المتحدة الأميركية عن مصالحها في منطقة الشرق الأوسط، هو باطل الأباطيل. فالأمر يتعلق بأكثر من مصالح سياسية واقتصادية، وأكاد أقول إنَّ كل نفس تستنشقه أميركا، منذ سبعين عامًا وإلى الآن، فيه شيء من نسائم الشرق الأوسط. فمنذ اجتماع الرئيس الأميركي فريدريك روزفلت مع عبد العزيز آل سعود ملك المملكة العربية السعودية على ظهر الطراد (كوينسي) في البحر الأحمر في 14 شباط/فبراير عام 1945 وكان روزفلت السباق إلى مركز ثقل المنطقة، على غير صعيد، وهو في طريقه إلى قمة مالطة التي تجمعه مع السوفييتي ستالين وتشرشل الإنكليزي، لتقاسم النفوذ في بلاد الثروات والفقر والتخلف، فمنذ ذلك التاريخ وكل الانتصارات الأميركية مرتبطة بفوائض ثروات الشرق الأوسط التي منحت أميركا القوة والتميز”. ثم نبه الوهب إلى أنه ” إذا كانت روسيا اليوم قد وضعت ثقلها في سورية للنفوذ والمساومة، فإن الأميركان لن يخرجوا للغرض نفسه، ولأسباب أخرى. لا من قاعدة التنف ولا من غيرها! والرئيس الأميركي (ترامب) تراه اليوم يُلعِّب العالم على أصابعه كلاعب (كشتبان) رابح دائمًا. هذا في الإطار العام، أما في التفصيل، فيمكن للأميركان أن ينسحبوا، والآخرون معهم، إذا كان ثمة حل سلمي ينهي الحرب في سورية، ويضمن وجود نظام يتوافق عليه الشعب السوري ومعظم الدول المتدخلة في شؤونه. وقبل هذا وذاك يضمن مستقبل إسرائيل. ويبعد إيران لا كقوة تهددها، بل كعنصر غريب يتدخل في مناطق تعدُّها إسرائيل جدار أمنها وحرمها.”

الكاتب الفلسطيني علي الكردي تحدث لجيرون بقوله ” الأقوال شيء، والأفعال شيء آخر تمامًا. لا أعتقد أن هناك انسحابًا أميركيًا كاملًا من سورية، بل ثمة إعادة انتشار وتموضع. القاعدة العسكرية الأميركية في (التنف) هي نقطة استراتيجية، ومصلحة اسرائيلية بالدرجة الأولى، بالتالي لا يمكن للحليف الاستراتيجي لإسرائيل التخلي عن هذه القاعدة بسهولة، وترك هذا الممر مفتوحًا أمام تمدّد النفوذ الإيراني.”  وأضاف الكردي” لعل زيارة مستشار الأمن القومي جون بولتون لإسرائيل، ومن ثم إلى تركيا هي لطمأنة الحلفاء من جهة، ولإعادة ترتيب ورسم الخطط للمرحلة القادمة من جهة ثانية. أميركا موجودة. ليس في سورية فحسب، بل في كامل المنطقة، من خلال قواعدها العسكرية في تركيا والعراق وقطر، ومن خلال قطعها البحرية، وأقمارها الاصطناعية التي تفرض سيطرتها على كامل أجواء المنطقة، وبالتالي فإن انسحابها الجزئي من شمال شرق سورية (إذا تمّ) وأنا استبعد ذلك، فهو لن يتم بسرعة، وبدون ترتيبات مسبقة مع حلفائها، وذلك حتى لا تترك فراغًا خلفها، إلّا اللهم إذا كان خلط الأوراق، وترك الفراغ هو الهدف المقصود بذاته، لكن الوضع ما زال غامضًا. ” ثم قال الكردي ” ماذا يعني مطالبة أميركا من تركيا بضمانات في عدم ذبح حليفها الكردي؟! نحن في الحقيقة أمام مشهد في غاية التعقيد، ومن المرجح أن يشهد المسرح السوري في المرحلة القادمة عملية تصفية حسابات بين اللاعبين الإقليميين والدوليين قد تكون دموية. الجميع في حالة سباق مع الزمن، قبل الشروع في حل سياسي جدّي يعيد الاستقرار لهذا البلد، لن تسمح الولايات المتحدة واسرائيل في استمرار النفوذ الإيراني في سورية على ما هو عليه، رغم أن اسرائيل ليس لها مشكلة مع بقاء النظام السوري، بعد اقتلاع مخالب النفوذ الإيراني. كذلك ليس لتركيا مصلحة في استمرار قوات سورية الديمقراطية الكردية على حدودها في شمال شرق سورية، وهي تريد حلّاً لهذه المعضلة، دون تصادم مع حليفها الأميركي أو الروسي. من جهتها تبدو روسيا مربكة، رغم أنها تقف على مسافة واحدة من الجميع، وتريد الحفاظ بيدها على كل الخيوط، فهي لن تغامر بعلاقتها مع اسرائيل، ولا تريد إزعاج الصديق التركي، ولها مصلحة في الحفاظ على توازن علاقتها مع ايران، ولكن كيف يمكن لها الاستمرار في الجمع بين هذه المتناقضات، والحفاظ في الوقت ذاته على تفاهمات مع اللاعب الأميركي، لا سيما إذا وصل الوضع إلى حدّ الصدام العسكري المباشر على الأرض السورية بين اسرائيل من جهة، وبين إيران وحزب الله من جهة أخرى؟!”

وتابع الكردي بقوله ” أعتقد أن المرحلة القادمة ستكون حبلى بالمفاجآت، ولا بدّ من خاسرين في هذه اللعبة المعقّدة. ربما يضطر بوتين إلى التخلّي عن حليفه الإيراني، ويضطر الأميركي إلى التخلّي عن حليفه الكردي، ويضطر التركي إلى التخلّي عن حلفائه في إدلب وغرب سورية، وسيجد النظام السوري نفسه (ربما) أمام مفترق طرق تفرض عليه استدارة كاملة، وتغيير تحالفاته ( إذا أراد الحفاظ على سلطته) وذلك بالتخلي عن إيران وحزب الله، بعد تمهيد الطريق أمامه لهذا الخيار من قبل أميركا وإسرائيل، ومن ثم إعادة تأهيله بالعودة إلى ما يسمّى (الحضن العربي) بيد أن إخراج إيران من المعادلة، بعد كل الذي استثمرته في الوضع السوري لن يكون لقمة سائغة، وأمرًا سهلًا. الثمن الأكبر سوف يدفعه الشعب السوري، الذي وجد نفسه ذبيحةً تنهش جسدها كل هذه الوحوش الضارية!!”.

  • Social Links:

Leave a Reply