( غيَّب الموت أمس الجمعة 11/1/2019 في أحدى مشافي لندن صديقي الباحث والروائي العراقي علي الشوك عن تسعين عاماً 1929-2019 )
يقول:
كانت مفردات سعادتي الرياضيات، والموسيقى، والقراءة، والمرأة. الترتيب ليس مهماً هنا. كانت تلك مرحلة الاكتشاف. المرأة كانت بعيدة المنال. كانت نسائي بطلات كتب. من هنا شغفي بالقراءة. دوّختني نساء تورغينيف، لا سيما بطلة روايته القصيرة “الحب الأول” ودوختني “الراقصة الأندلسية” في قصة أندريه تيرييه، مع أنني كنت أخاف من الراقصات. ومزقتني ليزا بطلة “رسالة من امرأة مجهولة” لستيفان زفايغ. وحيرتني زينايدا بطلة “قصة رجل مجهول” لأنطوان تشيخوف، بسبب ترددها في اتخاذ موقف حاسم من الرجل الذي نذر نفسه لها.
ولم أكن قد قرأت بعد رواية “الأحمر والأسود” التي ستصبح روايتي المفضلة على الإطلاق بعد أن تأسرني شخصية بطلتها ماتيلد بسحرها الهائل. وسأنحني أمام براعة ستندال في رسم شخصية أروع بطلة رومانسية. كنت أريد أن أقرأ كل شيء لئلا يفوتني القطار. فهناك مئات وآلاف الكتب تنتظرني قبل أن أجرب حظي مع الكتابة، فأنا لا أعتقد أنني سأكون جاهزاً للكتابة قبل قراءة “رسالة الغفران”، و “كتاب الأغاني” لأبي الفرج، و”الأخوة كارامازوف”، و “آنا كارانينا” … آه، و “الأحمر والأسود”.
مع ذلك كنت متعجلاً على ما يبدو. ففي لحظة ما، عندما كنت أتمشى وحدي في حرم جامعة بيروت الأميركية، في يوم من أيام 1947، اتخذت قراراً في أن أصبح كاتباً! أما الرياضيات التي كنت أدرسها، فستكون وسيلة لحصولي على شهادة. وستكون نزهتي في حياتي، ووسيلة لتفرغي للقراءة، ثم الكتابة.
وبدأ يكتب. كتب في اللغة، والتأريخ، والأسطورة، والأدب، والموسيقى، والفيزياء، وعلم الفلك. وكتب الرواية. يقول:
كتابة الرواية في حاجة الى موهبة خاصة، وفي عالمنا العربي تبقى في حاجة الى الحرية. لكنني صرت أعتقد أن الموهبة ليست شرطاً أساسياً. فيقال اليوم إنك تستطيع أن تتعلم عزف الموسيقى من غير موهبة. أعني بهذا أنني كنت أفكر في كتابة أعمال روائية، بيد أنني، كعراقي، كنت أشكو من غياب الحرية. هناك مواضيع مهمة جداً، لكنها تمس السلطة ونظامها مباشرة، كالمحنة الطاحنة التي تعرض لها أبناء جيلنا بعد انقلاب 1963. وكنت أنا خير شاهد عليها، لأنني اعتقلت فيها، وتعرضت الى التعذيب والأهوال، ودام اعتقالي سنتين. لكنني لم أستطع الكتابة عنها طوال حكم صدام حسين. وتعرض العراق منذ أيام صدام حسين وحتى هذا اليوم الى محن أشد وأعتى. وهذه كلها تصلح مواضيع للكتابة الروائية. وقد كُتبتْ عنها روايات ممتازة. أما أنا فقد كتبت فقط عن تجربة 1963.
كانت له تجربة روائية أولى سماها “الأوبرا والكلب” و من ثمَّ أصدر بعد أن تخطى السبعين من عمره رواية فخمة حملت عنواناً عريضاً “سيرة حياة هشام المقدادي” في أربعة أجزاء بلغ عدد أوراقها أزيد من ألف وخمسمائة صفحة.
أتقن علي الشوك اختيار عناوين أجزاء روايته, فجاءت تدل على مزاج متحضر وذوق حسن, فانظر كيف سمى أجزاء روايته: “السراب الأحمر”, “مثلث متساوي الساقين”, “زنابق بين الألغام”, “فتاة من طراز خاص”. وتتالت الروايات منها: “أحاديث يوم الأحد”, “موعد مع الموت”, “تمارا”, “فرس البراري”, “رسائل من امرأة ليست مجهولة”, “الفرس الزرقاء”. وشارك في ترجمة رواية “الدون الهادئ” لميخائيل شولوخوف مع أمجد حسين, غانم حمدون, و راجع الترجمة غائب طعمة فرمان.

Social Links: