حكاية عن التجسّس- خطيب بدلة

حكاية عن التجسّس- خطيب بدلة

روى لي صديقي الحشاش، أبو صكر، حكايةً شَهِدَ وقائعَها في سنة 1976، في أثناء تأديته الخدمةَ العسكرية. ما حصل أن القائد العام للجيش والقوات المسلحة أمرَ بتَحَرُّك الكتيبة المدرّعة التي يخدم فيها أبو صكر من الأراضي السورية إلى لبنان، لتكون ضمن تشكيلة “قوات الردع” التي أرسلها حافظ الأسد إلى لبنان الشقيق، بموافقة أميركيةٍ، من أجل تربية الفلسطينيين والقوى الوطنية اللبنانية، وتحويل تلك البلاد إلى مزرعةٍ خلفيةٍ لأركان حرب جمهورية الرعب الأسدية.
كان أبو صكر يعمل في كتيبته العسكرية بصفة سائق سيارة تاترا، سوفييتية الصنع. وفي الليل، كان هو وأصدقاؤه يعقدون جلسات التحشيش في “الخيمة”، ويتندّرون بفكرة تقول إن حافظ الأسد كان يستورد الآليات العسكرية من الاتحاد السوفييتي بطريقة المقايضة على مادة الحُمُّصْ. وذات مرة احترقت السيارة “الزيل 57” التي يقودها صديقُه أبو عبوش. رأى أبو صكر أبا عبوش جالساً قرب حطام السيارة المحترقة، وهو يبكي، فضحك وقال له: كَبِّرْ على الشيطان، يا معلّم، كل هذا الزعل على سيارة اشتريناها بكيس حُمُّصْ؟!
وقال: المهم، يا أستاذ، في الجيش توجد قاعدة عسكرية تقول إنه لا يجوز تحرّك القطعات العسكرية في النهار، لأن رادارات العدو الصهيوني تكشفها. في التاسعة ليلاً، بدأت الآليات العسكرية تتحرّك، بعد أن تلقينا الأمر من قائد الكتيبة أن نطفئ الأنوار الرئيسية في أثناء المسير، ونكتفي بإشعال الضوء الصغير الخافت المطلي باللون الأزرق.. وما مشينا سوى بضعة كيلومترات، حتى زاغت عيناي، وما عدت أرى أمامي، وخفتُ أن تضطرب دوستي على البنزين، فأتسبب بدخول مقدمة سيارتي التاترا في مؤخرة حاملة الجنود “البي تي إر” السائرة أمامي. أنا طول عمري مؤمنٌ بصحة المتل إن “المكتوب على الجبين لازم تشوفه العين”، وأنه “لا يقطع الرأس غير الذي رَكَّبَهُ”. لذلك توكلتُ على الله، وأشعلت الأنوار الرئيسية، وإذا بقائد الكتيبة يغضب، ويصرخ في اللاسلكي طالباً من الرتل أن يتوقف، ثم تبعني بسيارته الصغيرة الـ “جيب واز”، أوقفها قبالتي، وقال: ليش شعلت الضوء، يا حيوان؟
أوقفت السيارة وأطفأت الأنوار، ونزلت من السيارة، واقتربتُ منه. لاحظتُ أنه يكوّر قبضة يده، ما يوحي أنه يريد أن يضربني. قلت له: احترامي سيدي المقدّم. أول شي أنا أنصحك بألا تمد يدك علي، لسببين؛ الأول أن الضرب في الجيش ممنوع، والثاني أنا معتادٌ أن أضرب مَنْ يضربني من دون أن أفكر مَنْ يكون. قال وهو يكزّ على أسنانه: ما راح أضربك، لكن قل لي ليش شعلت الضو؟ قلت له: سأشرح لك الأسباب. في الليلة البارحة، هبت رياح قوية على خيمتنا، فانخلع بابها الخشبي الخارجي، والرياح أوقعت أبريق الشاي الساخن عن البابور، وانحرقت مؤخرة الرقيب أبو هلو، فهرعنا، أنا والشباب، إلى الخابية، وأخذنا طاسة ماءٍ بارد وصبيناها على مؤخرته، وهو نقز ونط إلى الأعلى، وصار يصيح: سكروا الباب يا سرسرية، فأغلقناه، ووضعنا وراءه كرسياً كبيراً، ولكن الرياح كانت أقوى من الكرسي، دفعته وأوقعته أرضاً.. جرّبنا وسائل عديدة، ولم نفلح في إغلاقه، وهكذا حتى خطرت لي فكرة، أن أسحب الخيطين القويين اللذين أشد بهما بوطي العسكري (الشَوَّاطات)، ربطت بهما قفل الباب المخلوع بالفصالة. وبالفعل، نجحت العملية، واتقينا هبوب الرياح، وتفرغنا لمعالجة مؤخرة أبو هلو المحترقة..
قال لي المقدّم وهو يلقم المسدس: ولاك حيوان، إذا لم تقل لي ليش شعلت ضوء السيارة بشرفي العسكري بدّي أقوصك. قلت له: حاضر سيدي. أنتم تقومون بكل هذه الاحتياطات، لكيلا تتمكّن إسرائيل من مشاهدة كتيبتنا العسكرية وهي تتحرّك. صح؟ قال صح. فقلت له: علي الطلاق بالثلاثة إسرائيل شايفة بوطي العسكري، وعارفة أنه بدون شوّاطات، وأنني أسوق سيارة تاترا قيمتها كيس حُمُّصْ.

  • Social Links:

Leave a Reply