لم تكن دراستي في دار منبج الشرعية كالدراسة في أي معهد ديني يتم فيه تحفيظ الطلبة سور القرآن، وتعليمهم طرائق قراءته، وتأهيلهم مجتمعياً لريادة المجموعات السكانية في الأحياء التي يقطنونها، والجوامع التي يرتادونها… كما لا تُعنى الدراسة في دار منبج بمجرّد تِبيان الطريقة المثلى لحفّ الذكور شواربهم وإعفاء اللحى، أو اللباس الشرعي للنساء، أو تحديد الدول التي يجوز أكل اللحم فيها من تلك التي لا يتوفر فيها اللحم «الحلال».
لقد كانت الدراسة في «منبج» أكاديميةً بالمعنى الدقيق، فوفق (المنطق الديني) الذي تبلور وتمت هندسُتُه عبر قرونٍ طِوال كان قد أمكَن تقسيم الحياة الإسلامية برمّتها و«ضبطها» من الأعلى عبر منهج يحتوي «علوم الشريعة»، حتى أنه بات ثمة ما يسمى بـ «الفلسفة الإسلامية» كأحد تلك العلوم! ناهيك عن أنك يمكن أن تحصل على شهادة تدعى «دكتوراه في الشريعة الإسلامية» مثل (أبي بكر البغدادي)، أو أن تكون (بروفيسوراً إسلامياً) متخصصاً في علوم الحديث كزعيم طالبان «هبة الله آخندزاده».
أن تكون «بروفيسوراً» في الشريعة يعني أن تتميز عنا نحن الطلبة بتقديم رسالة تتبحّر وتختص فيها بأحد تلك الأقسام التي ندرسها نحن خلال الستة أعوام، لا أكثر من ذلك، ومن السهل جداً لطالب نجيب في دارٍ كـ دارِ منبج أن يُناظرَ دكتوراً مخضرماً في الشريعة، فالنصُّ واختلافاتُه وتضاربُه وتناقضاتُه تُتيح كلها للعالِم بها التحرّكَ بحريّة، كما أن منهجيّة استنباط الأحكام من النص تعتمد على الطبيعة النفسية للمستنبِط بالدرجة الأولى في انتقاء الدليل على صحة ما يرى، فالنص أيضاً عاجز عن ضبط المسائل مثل عجزه عن وضع حد للصراع الدامي بين (علي وعائشة) آنذاك.
زملاء دراسة
عرفتُ «إياد» فورَ وصولي شرعيّة منبج برفقة والدي، كنتُ أحمل حقيبةً كتلكَ التي يحملها الجنود لدى توجّههم لأداء الخدمة الإلزامية، كانت تحتوي على جلابية، وقطعة صابون، ومنشفة، إضافة إلى معجون أسنان وفرشاة؛ أوصتني والدتي باستكشاف المدرسة حال وصولي للبحث عن الأماكن المخصصة للاستحمام والمغاسل وأماكن النوم فيها قبل كل شيء، حيث سأقضي هنا أسبوعاً ريثما يُسمح لنا بزيارة الأهل يوم الجمعة والعودة إلى المدرسة صباح السبت، أو البقاء برفقة الطلبة الأجانب والعرب، والسوريين ممن يعيش أهلهم في مناطق بعيدة عن المدينة.
حين تجوّلنا أنا ووالدي في المدرسة للمرة الأولى التقينا به، سأله والدي بالمصادفة إن كان طالباً جديداً فردَّ بالإيجاب، ومنذ تلك اللحظة بات صديقاً لي؛ يدعى (إياد الحجي) وهو من ريف حلب الجنوبي، له أخ يكبره خمسة أعوام يدرس في دار منبج الشرعية أيضاً وهو في السنة الأخيرة، وكان يعتزم متابعتها في الأزهر الذي كان يتيح لطلبة منبج الانتساب إلى جامعته عبر الشهادة التي تمنحها الدار.
سألت إياد ونحن نستكشف البناء الهائل للمدرسة، مطابِخها، حماماتِها، مهاجِعها، طوابِقها، ومسجدها… عن تصنيفه في قوائم المقبولين في (الشرعية)، فقال إنه حل في السادسة، ثم سألته عما إذا كان بإمكاننا رؤية تلك القوائم، فاتجهنا إلى لوحة الإعلانات عند المدخل… رأيت قرارات فصل، وقرارات منع من المغادرة، وعقوبات جراء سلوكيات عدة بحق طلبة العام الفائت، إضافة إلى أسماء المقبولين الجدد، كنت في المرتبة الخامسة قبل إياد، وأثار فضولي أن أعرف الأول على دفعة المقبولين، والذي كان يدعى آنذاك «أحمد وليد طحان» قبل أن يُصبح فيما بعد (أبا الوليد).
كان أحمد شديد الفطنة، تنقصه بضعة علامات لنيل الدرجة التامة في امتحان القبول، نالَ الدرجة العظمى في اللغة العربية، والعلوم، والرياضيات… وهو من بلدة صغيرة قرب مدينة «محردة» في ريف حماة، كان يزور أهله مرة واحدة فقط خلال ثلاثة أشهر؛ كما كان الأول على ترتيب صفّنا خلال الأعوام الأربعة الأولى التي درستُها معه، والأول على مستوى الثانويات الشرعية السورية خلال امتحان البكلوريا؛ وعلى الرغم من أن درجاته كانت تخوّله دراسة الصحافة، العلوم السياسية، الأدب الإنكليزي بالعلامة التامة، والأدب العربي بعلامة اختصاص (59 من 60)، إلا أنه فضّل متابعة الدراسة الشرعية في جامعة حلب لينال مرتبة الأول على دفعة السنتين الأولى والثانية.

الدراسة
في كل فصل دراسي كنا نختبر 24 كتاباً، بعضها تتوجب عليك حفظ نصوصه عن ظهر قلب، شعبة من كل صف تدرس «الفقه (الأحكام)» على مذهب «الشافعي»، وأخرى على مذهب «أبي حنيفة»، فيما تشتركان ببقية الكتب؛ وكثيراً ما كنت أتعجّب من أن بعض الطلبة أثناء الوضوء والتجهّز للصلاة في مسجد المدرسة يغسلون آذانهم ويمسحون على رقابهم بالماء، بينما لا يفعل طلبة آخرون، كنت أعجب من طريقة سير الأمور هكذا …
على الرغم من كوننا أنا وأحمد وإياد قد درسنا الفقه على مذهب الشافعي إلا أن الخلافات بيننا نحن أبناء المذهب الواحد كانت تدفعنا دائماً إلى الاستحكام لدى الموجّه (في الغالب حائز على الماجستير في الشريعة) أثناء فترة مناوبته على الطلاب، أو سؤال الأساتذة (العلماء) خلال الحصص الدراسية؛ واللافت في الأمر أننا أحياناً كنا نسأل أستاذين السؤال ذاته، فيجيبان إجابات مختلفة، ولطالما يتذرّع جميعهم بالقول: «اختلافُ أمّتي رحمة»، كناية عن أنَّ طرقاً عديدة صحيحة، واحدةٌ سندها نصّ قرآني (غير صريح دائماً) يستشهد بحديث أو تصرّف محمّدي أن معناه (هكذا)، وآخر يستشهد بحديث أو تصرّف محمّدي آخر أن المعنى هو هكذا؛ خذ على سبيل المثال قول القرآن «أو لامَستُم النساء»: رأيٌ يقول بأن القرآن يقصد أن لمس المرأة ينقض الوضوء، والثاني يرى القصد أنّ ممارسة الجنس معها هي من تنقض الوضوء؛ كلاهما صحيح، كلاهما يستندان إلى أحاديث نبوية، وكل فعل نقيض الآخر، مرةً تقول عائشة إن النبي قبّلها وصلى، ومرّة لمسها وتوضأ.
يقولون إن النبي تعمّد أن يعدّد أوجه ممارساته لإتاحة الفرصة على أتباعه للأخذ والرد وتطبيق اليسير من بين الحُكمين، ويقولون إن تعدّد الممارسات هذا (اختلاف تصرفات النبي) هو محصور وموجود فقط ضمن القضايا الاستحسانية، وأنه كان صارماً واضحاً دقيقاً ومُنصفاً في القضايا الكبرى كالرجم والجلد وقطع يد السارق والقتل وغيرها من أحكام (الحدود)، في حين أن القائل بـ «لكم دينكم ولي دين»، والقائل: «أُمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا ألا إله إلا الله وأني رسول الله، فإن فعلوا فقد عَصَموا منّي دماءهم وأموالهم»، والقائل: «سأُلقي في قلوب الذين كفروا الرعب، فاضرِبوا فوقَ الأعناق واضربوا منهم كلّ بنان»، والقائل: «إذا لقيتم الذين كفروا فضربَ الرقاب» هو الشخص نفسه.
القرآن
نستطيع أن نستشهد بأن النص (التشريعي) رحيمٌ بناءً على دلائل كثيرة، ونستطيع أن نقول إنه دموي رهيب ولا يقبَل الآخرين بناءً على أدلة كثيرة أخرى… فما هو بالضبط؟ في الحقيقة إنه قسمان (مكّي، مدني)، الأول هو كلام محمد قبل الهجرة، المتعايش مع قريش رغماً عن أنفه والمُداري لهم والسياسي والناشط اللاعنفي، والداعي إلى الخير والسلام والمحبة والتأمّل، ومنه (القسم المكّي في القرآن) ما يَستنبطُ منه «العلماء» العصريون ما يسمى بـ (الإعجاز العلمي في القرآن)، والثاني بعد الهجرة إلى المدينة حيث دولتهُ وقانونه الصارم القاضي بالموت على المخالفين والمشكّكين و (المنافقين) وكل أدلة التطرّف الإسلامي ودعائِمُه وخطاباتُ الكراهية.

Social Links: