كان في جيبي خمــس ليرات لا أملك من حطام الدنيا غيرها، يوم كان هذا المبلغ يكفي لإطعام عائلة كاملة لمــدة يومين .
كنت عائداً إلى البيت عندما رأيت لاعب الكشاتبين، كلُّ رأسِ ماله ثلاثة كشاتبين وحَبّــة من الحمّص ، وخِفـــة في اليد . يتحلق حــوله عدد من الناس ، عرفت فيما بعد أن أكثرهم من شــركائه وأعوانه، وهو يصيح :
فتّح عينك، تاكل ملبن !
توقفت للفرجة، كان شركاؤه يقامـــرون معه، يراهنون فيربحون، أغرتني اللعبة، وقلت في نفسي :
هذه طريقة سهلة لكسب مبلغ من المال يفرح به العيال !
راهنت على حبة الحمص، وتحت أي كشـــــتبان سوف تكون ، راهنــت خمس مرات ، وطارت الخمس ليرات في لحظات، وعدت إلى البيت سيراً على الأقدام !
عمــر هذه الحادثة أربعــون عاماً ، من عمــر لتلفزيون، وسمعت ما تجود به قريحته، تحسست جيبي خشية أن يقفــــز لاعب الكشــاتبين المعاصر من الشاشة فيشلّحني ما فيها ، على قلتـــه ، فلاعبو الكشــاتبين ، من المســؤولين وأبنائهم وأقاربهم وأصهارهم ، لا يعفون حتى عن القليل !
الحاكمون بأمرهم بين الرباط وأبو ظبي، تسري في شرايينهم دماء أجــدادهم من لاعبي الكشــاتبين، فقد لعبوا أمامنا على مدى خمسة عشر قرناً ، وتحديداً منذ معركة صــفين ورفع المصاحف على الســيوف وتحويل الخلافة إلى مُلك عضــوض عقــور، فشلحونا ما نملك، حتى اقترضنا ما لا نملك، فكانت نتائج المراهنة بيننا وبينهم كما يلي :
– راهنا على استعادة فلسطين، فخسرنا غزة والضفة الغربية والجـــولان ، وربحــوا البقــاء على الكرســي لهم ولأبنائهم من بعــدهم .
– راهنا على التقدم والاشتراكية، ففقدنا حتى الخبز والشعير والعلف ، وأستأثروا هم بواردات النفط ، وأرباح تهريب المالبورو ، وأتعـــاب دفن النفايات النوويــة ، وواردات المناطق التجارية الحُــرّة والتلفونات المنقولة وغير المنقولة !
– راهنا على البترول العربي ليُحول البــلاد إلى جنات تجري من تحتها الأنهار، فإذا بأموال النفط تتحول إلى حسابات سرية في مصارف سويسرا بأســماء الرفيق المناضــل كوجوك علي أوغلو وولده دده بيك ، وإلى عمولات لصفقات السلاح الذي لم يستعمل إلا في معاركهم لاحتلال القصــر الجمهوري ، أو في حركات التصحيــح والتشــبيح والتشــليح .
– راهنا على الأحزاب والقوى التقدميـــة، فصـــرنا نترحم على السلطان عبد الحميد والشــــيخ تاج الدين الحَسَــني وأبو العباس الســفاح .
– راهنا على الوحدة العربية، فتحول الوطن الكبير إلى أكثر من عشرين دولة ، وتحولت كل دولة إلى دوَل للمخابرات وعصابات المافيا ، والحبل على الجرار .
– راهنا على الوفرة الغذائية والأمن عند العســكر، فأصبح كل عســـكري مليونير ، وكل مواطــن مديــونير ! .
– راهنا على الحرية والديموقراطية، فاستأثر بها الحكام وتركوا لنا السجن والقبر والمنفى .
أيها السادة، يا قادتنا الحكماء :
– لم يبق لدينا ما نراهــن عليه ، ولعبة الكشاتبين التي أتقنتموها بين واشنطن وتل أبيب لم تعد تنطلي لا علينا ، ولا عليهم ، فقــد أصبحتم رؤوســاًً نضجت وتعفنت وحان قطافهــا ، ونحن الشــعوب الغفــورة ســنكون أصحابهــا. لكننــا نقــول لكم بدون حَقــد وبدون عُقــد ، وبمناسَــبة التغيير الوزاري الجــديد الذي كرّس الفيلد مارشــال إياه ، وزيراً للأوســمة والنياشــين والمطابخ للســنة الثالثة والثلاثين ، أي العمــر الذي عاشــه الســيد المســيح :
– ســنغفر لكم جميــع جرائمكم ، ومنهــا الإبقاء على الفيلد مارشال وزيراً وقد بلغ أرذل العمر ، فقــط بشــرط واحــد أوحـــد :
أن تحلّوا عن ظهورنا ، الآن الآن وليــس غــداً !
=========================================
مـصـبـاح الـغـفـري

Social Links: