من الطبيعي أن يكون لكل مقام مقال . ففي عصر الانحطاط الأوروبي ؛ و عندما ألّف نيكولاس ميكافيلي كتابه الشهير ( الأمير ) و ( فن الحرب ) ذكر شيئاً هاماً في ذلك العصر و هو ؛ أنّ من يملك المال , و السلاح يملك السلطة . و هذا صحيح في عصر الجهل و الانحطاط , و عند الجهلة و المنحطين . و ذلك بسبب غياب الوعي الثقافي و التوجيهي عند النخب العلمية في أوروبا , و حصرها فقط في طبقة الأمراء و الملوك و حاشيتهم .
الآن علماء السوسيولوجيا و الجيوبوليتيك الذين كان لهم التأثير الكبير في توجيه الكبار و رسم السياسات الخارجية للدول الاستعمارية العظمى ؛ تناسوا أن لكل عصرٍ من العصور له مزايا و اختصاصات يمتاز و يختص بها و يعايشها وفق ما تناسبه و تتلائم معه في حينها . و لا نغالي إذ نقول نحن ( الثوار ) بأن ثورتنا أسقطت الكثير من زيف النظريات التي تتعلق بالقانون و العلاقات الدوليين , و بالوثائق و المعاهدات و الاتفاقات الدولية الوهمية , كما أسقطت حقيقة الكثير من الدول و الأقنعة المعنية بالشأنين العام و الخاص المرتبط بذات النطاق . و أهم شيء أسقطته و دحضته مقولة أنّ القوة العسكرية هي الفيصل في حل القضايا الخلافية العالقة بين الأطراف المتصارعة . و خاصةً في الثورة السورية . حيث لم تستطع أن تكون فيصلاً في وأد الأخيرة . نحن نعترف بأنها أضعفتها بعد استخدام حلفاء الأسد الحقيقيون و من يعملون معه في الظل القوة المفرطة في القتل و التدمير , و مساعدة المجرم بتهجير الثوار و تسليم أسلحتهم للمحتلين الروس . يساندهم في ذلك عديمي الضمير و ضعاف النفوس بائعي الأوطان .
كما أثبتت الثورة السورية كذب مقولة أن القوة المالية هي المسير و الموجه لسياسات أصحاب النفوذ و السلطة المتنفذين في ملف الثورة السورية . و التي سرعان ما سقطت مع أصحابها و من قام بدعمها , و أنَّ ما بُثَّ من سموم مالية في أوساط الثورة لم تستطيع أن تنال من هذه الأخيرة إلا عبر التسريب الذي دخل إلى الاشخاص المنفصمين نفسياً و أخلاقياً . و الذين لا يوجد عندهم أي حس وطني أو شعور ثوري أو مبدأ أخلاقي .
فالأعداء لا يبحثون سوى عن الشخصيات المنفصمة عن الواقع , و عن الضعاف المستعبدين , و عن الرويبضات ليحققوا أحلامهم بالتلازم مع القوتين التقليديتين العسكرية و المالية .
فلولا الانبطاح الذي قدمه بائعو سورية من السياسيين و العسكريين زد على ذلك ؛ الداعمين أفراداً , و أجهزةً , و دولاً خلال الثمان سنوات مضت ؛ لكنا قد قطعنا شوطاً كبيراً في تحقيق أهداف الثورة العظيمة و تنظيف صفوفها . خاصةً ؛ ممن خانها و خذلها . كما أنه لا يمكننا أن نتجاهل قوى الفكر الرشيد التي يقوده حكماء و نخب من الثوار السوريين لما للأفكار من الأثر الأكبر في تحقيق أي انتصار للثورة , و تعطيل أي قرارات تسيء للثورة و للسوريين , و مجابهة سياسات العالم الإجرامي بحق سورية و شعبها على جميع الصعد .
فيجب استثمار قوة الفكر الثوري و نشره في أوساط السوريين , لما له من قدرة التأثير على الآخرين سورياً , و إقليمياً , و دولياً ؛ خاصةً عندما يجتمع أصحاب الرأي و الحكمة في تثبيت موقف ثوري جمعي قوي بوجه أعداء الثورة و الإنسانية . فتبني المواقف الثورية السورية و نشرها من قبل الحاضنة الشعبية يزيد من قوة الثوار . و يساهم في تقوية ثوابت الثورة , و يحصن مواقفها , و خاصةً السيادية منها . كما ترفع من المعنويات التي يحاول الأعداء القضاء عليها عبر الضغوطات المتعددة التي توجه إلى أوساط السوريين بشكل عام و الثوار بشكل خاص . و تقطع الطريق على المتاجرين و المرتزقة المأجورين .
و على الرغم من تشتت الكوادر التثقيفية و عدم انصهارها في جسم ثوري واحد ؛ إلا أنها استطاعت مجابهة أقوى القوى الممسكة بملف الثورة السورية و أفشلوا الكثير من مخططاتهم , و أظهروا حقيقتهم و ما تخفيه اجتماعاتهم إزاء الثورة السورية . و من الواجب على الذين ابتعدوا عن معتركات جبهاتهم , و تقاذفتهم أمواج التبعية و التحزبية و الجهوية و الولاءات الخارجية إقليمياً أو دولياً أن يستقلوا بقراراتهم و أن يكون ولائهم للثورة .
إنَّ تكاتف المثقفين الثوريين , و نشر أفكار الثورة عن طريقهم و ما يخدمها ؛ تزيد من استبسال الثوار و الحاضنة في مواجهة الأطماع الإقليمية و الدولية في سورية , و تبعد شبح الاستسلام أو الإذعان عن الأمر الواقع . و تعيد للثورة روحها و رونقها في أوساط السوريين الأحرار . و لا أحد يستطيع أن ينكر أن جميع الأنظمة البوليسية في العالم و خاصة العربية منها تهدف إلى القضاء على أصحاب الفكر و الرأي لما لهم من الأثر العميق في تصويب و استنهاض القوى الغارقة في بحور التضليل و الخداع .
فمن مراجعة بسيطة لإنجزات الثورة ؛ يكفي أن نسلط الضوء على بعض مكتسباتها و ما جنته من ثمار ثورية خلال السنوات المنصرمة ليعرف الجميع حجم و قيمة الانتصارات التي تحققت عن طريق الثورة . فقد استطاعت فرط المؤسسة الأمنية العسكرية التي كانت القلعة الحصينة لحماية تنظيم الاسد و دولة إسرائيل , و التي كانت اليد الحديدية التي ساهمت في قمع حرية الرأي و التعبير و اعتقال النخب الفكرية في سورية . كما أنها استطاعت تمريغ أنف المجرم بشار و نظامه و مؤسسته العسكرية في التراب و لم يعد لهم أي كيان يرهب الشعب السوري , يكفيها شرفا أنها أظهرت حقيقة الحكام العرب و الغرب و كشفت زيف أخوتهم و هشاشة عروبتهم و صداقتهم , يكفيها شرفا أنها كشفت كل من تعامل مع أجهزة الاستخبارات الغربية و العربية الذين استطاعوا عقوداً التستر على عمالتهم و خيانتهم , يكفيها شرفا أنها أفرزت الشرفاء و المخلصين من المنتفعين و المتاجرين و أصحاب المناصب . و لا ننس أنها أتعبت النظام العالمي و استخباراته في حماية هذا التنظيم الإجرامي و تغذيته بالإرهاب و تستره على جرائمه . و انها لا تزال تستنزف قواهم و اقتصادات دولهم , و تفشل مشاريعهم , و تكشف مؤامراتهم . و لا ننس أخيرا أنها أعطت الثقة بثوارها بانهم قادرون على مجابهة كافة أشكال الإرهاب الإقليمي و الدولي , و انَّ الثوار يستطيعون تحرير بلادهم من رجس المحتلين و الدخلاء و المتسلقين من دون التدخلات الخارجية أو الوصايات الإقليمية و الدولية . كما كشف المخططات التوسعية على حساب الدماء و الأراضي السورية .
مرهف قاسم الزعبي

Social Links: