ثقافة الضغينة والهوية الشقية

ثقافة الضغينة والهوية الشقية

آلان فلكنكراوت

واسيني الأعرج

فرنسا ليست بخير؟ ما حدث ويحدث في السنوات الأخيرة يظهر بشكل جلي أن التفكير والتأمل في القضايا الحساسة قلّ ويكاد ينعدم، وأن جيلاً بكامله من المفكرين عزل كلياً، وحلت محله القنوات التلفزيونية أحادية الرؤية التي احتلت المشهد كلياً، وعوض الصحفي البسيط التفكير، المفكر، والمتأمل، والجامعي، والمفكر، الذي يملك القدرة على الإجابة عن أكثر الأسئلة تعقيداً. في هذا المناخ الخطير تعرض الفيلسوف؟ الفرنسي آلان فلكنكراوت، صاحب الكتاب الذي أحدث جدلاً كبيراً في وقته، الهويات الشقية
Alain Kinkielkraut, L’Identité malheureuse، إلى اعتداءات لفظية معادية، في مسيرة السبت الماضي، في شارع مونبارناس، لأصحاب السترات الصفراء. ألفاظ ثقيلة وذات محمول صادم: انقلع أيها الصهيوني الخرا. نحن الشعب الفرنسي وفرنسا لنا. عد إلى تل أبيب وغيرها. آلان فلكنكراوت ابن مهاجر بولوني يهودي، مما أعطى لهذه الاعتداءات اللفظية والشتائم محمولاً معادياً للسامية، وهو أمر لا يمكن قبوله بأي حال من الأحوال، ومرفوض.
الفكر يجابه بالفكر لا بالتهديد الجسدي أو اللفظي. لا يخدم ثقافة التسامح داخل المجتمع الفرنسي التي أنجبته كفيلسوف، وأنتجت محمد آركون، وشارل آزنافور، وغيرهم من الذين جاؤوا من ديانات وثقافات وأعراق مختلفة، وأصبحوا جزءاً من فرنسا ولغناها الثقافي وتعددها. لكن المشكلة أكبر بكثير من هذا، وسائل الإعلام المرتبطة بالحدثي والسريع تناست أن ثقافة الضغينة تتولد عنها الضغينة التي لا يمكن التحكم فيها إذا لم توقف في وقتها، يجب ألا تكون بلا ذاكرة. قبل سنوات قليلة، وفي عز الإرهاب البغيض الذي أدمى فرنسا، حيث كان يجب إدانة الجاني والمسؤول المباشر على الجرائم وليس مجموعة بشرية تدين بدين معين أو بقناعة خاصة، كان يجب ألا تتحول اللحظة الدموية القاسية فرصة للتصفية العرقية والثقافية والدينية، التي كانت وراء الهولوكوست الذي سحب في أثره ملايين من الأرواح البريئة من اليهود والغجر، أباد أناساً لا ذنب لهم سوى كونهم من دين معين أو من فئة اجتماعية تعتبرها النازية في أدنى السلم المجتمعي. المسلمون الفرنسيون أو المقيمون، في أغلبيتهم يعيشون حياتهم بشكل طبيعي في فرنسا، ولا مشكلة لهم لا مع اليهود ولا مع المسيحيين. والإحصاء البسيط يبين بوضوح أن الجناة أو الذين وجدوا الطريق للارتحال إلى سوريا لمناصرة الحركات الإسلاماوية المتطرفة كداعش، ولدوا وكبروا في فرنسا، وآتون من جهات مختلفة، عرب أفارقة وبوسنيون وغيرهم، وهم فرنسيون بامتياز، ما يدل على أن المشكلة أعمق بكثير، ولا يمكن توصيف ما قاموا به إلا بالجريمة.
لكن التحليل السوسيولوجي للظاهرة يبين خللاً لا في العلاقة مع المسألة الدينية كما يبدو خارجياً، ولكن مع مجتمع مقص، لا يقبل بالتعددية الثقافية في ظل عنصرية مكتومة وكبيرة حررها نهائياً الرئيس الأسبق ساركوزي من عقالها، فأصبحت الكتابات العنصرية والتصريحات والانزلاقات اللغوية عادية لا يعاقب عليها القانون، مع أن القانون الفرنسي واضح في هذا، يعاقب بلا هوادة. في ظل احترام قوانين الجمهورية، وفي هذا المناخ المأزوم جاءت كتابات وجدل الفيلسوف؟ ألان فلكنكراوت، لتصب الزيت على النار من خلال قوالب تحمّل الآخر، الأجنبي، الغريب عن الجسد الفرنسي اليهودي الكاثوليكي، وتحمله كل ويلات الدنيا، لدرجة أن نتساءل أين جزء الفيلسوف المناهض للظلم والتفرقة والباحث عن سعادة الإنسان، بعدما تعرفنا على موقفه الإيديولوجي الذي كثيراً ما وضعه في أفق العنصرية، إذ جعل من الحركات المناهضة للعنصرية نفسها عدوه الأول والأساسي، ونسي وقتها الفيلسوف؟ أنه هو أيضاً كان ثمرة لفرنسا أخرى متفتحة وإنسانية، غير تلك التي كان يريد تصنيعها، أي فرنسا المنغلقة على ذاتها. كتاب فلكنكراوت، الهوية الشقية، الذي كنت أدرّسه يومها في جامعة السوربون لطلبة الماستر رفقة كتب أخرى عن الهوية التي تقف على الطرف النقيض من كتابه، في سجالية علمية وثقافية، ترفض سجن الهوية في مفاهيم دينية ضيقة وتحويلها إلى وسائل خطيرة لتفكيك المجتمع الفرنسي من داخله. في فرنسا الناس يقرأون ويخزنون جيداً ما قرأوه. فقد أرجع فلكنكراوت كل مآسي الهوية إلى الهجرة التي هو إحدى ثمراتها. وأن فكرة العيش معاً انتهت ولم تعد ممكنة؟ كانت ردة الفعل الثقافية الفرنسية وقتها- وهذا هو العظيم في هذا البلد- قوية وضد أطروحات الكاتب، العدد 179 من مجلة جدل (مارس أبريل 2014) ردت على الكاتب، إذ حمل بيير نورا الخطأ الفادح في اعتبار الهجرة أم المآسي، وأكد أن الهوية ستكون شقية حتى لو لم يكن في فرنسا أي مهاجر.
أزمة الهوية بنيوية، لأن فلكنكراوت يقدم أجوبة سيئة لأسئلة أسوأ، بينما أكدت مجلة تليراما أن مشكلة أوشويتز بدأت بجهنم الهويات الوطنية المتطرفة والعنصرية. ولم يغب وقتها عن جريدة لوموند: آلان فلكنكراوت يلعب بالنار، لجون بيرينبوم (23 أكتوبر 2018)، أن تصريحات فلكنكراوت تصب النار على زيت الهوية لتزيد اشتعالها، إذ يمكن لنارها أن تحرقه. وكتب السياسي الكبير ومرشح الرئاسيات آلان جوبي، الهويات السعيدة، أي الهويات المتفتحة، رداً على بؤس مقولات فلكنكراوت.
الضغينة التي زرعها بعض الفلاسفة؟ الذين يحمّلون الآخر المختلف، كل ويلات المجتمع، وارتباك الهوية. زرع الضغينة لا تتولد عنه إلا الضغينة. ردة فعله ما تزال عدوانية ضد الهجرة: معاداة السامية تتخفى في ألبسة معاداة العنصرية، وكأنه لا حق للمدافعين عن الحق أن يدينوا العنصريين. المجتمع الفرنسي ليس بخير، فقد حررت التطرفات من قمقمها ولم تجد أمامها إلا من يشعلها بدل إيقافها بالفكر والتأمل. النخب في هذا غائبة كلياً، وصوتها لم يعد مسموعاً.
بل إن وسائل الإعلام قتلتها ووضعتها في الزاوية كأثاث قديم، مع أنها هي من كان يضمن التوازن في المجتمع. النازية بدأت هكذا، بشل الطاقة الفكرية في البلد وعوضتها بالدعاية التي تخدم إيديولوجيا قاتلة أكثر مما تخدم بلداً راهن على التعددية والحق والخير.

  • Social Links:

Leave a Reply