في نقد استراتيجيتنا اللا استراتيجية!

في نقد استراتيجيتنا اللا استراتيجية!

 

موفق نيربية*

في الأول من نيسان/ أبريل 2011 وفي “جمعة الشهداء، التقت مجموعة من قيادات المعارضة السورية في بيت رياض سيف في دمشق، في محاولة منها للمّ شمل المعارضات المشتبكة، في ظل التفاؤل الطاغي والمتزامن مع بداية الثورة وتطوّر خطاها. وكان لتلك المعارضة بؤرتان: “إعلان دمشق” المهيض الجناح بعد كل ما مرّ عليه من قمع وتشتت، وقوى ما تبقى من “التجمع الوطني الديموقراطي” أو ما أصبح لاحقا “هيئة التنسيق”، وشخصيات وتجمعات وآخرين أيضاً.

كان هنالك “رمز” يحاول، وبكل النوايا الطيبة، جمع الناس على شرف الثورة وحاجتها إلى قيادة سياسية، و”رمز” ثانٍ رفض الحضور بوجود “فلان”، وثالث يتردد ما بين التروي “الحكيم” والحذر القاتل والطموح الخاص، وآخر أخذ يتلهى بالسخرية نتيجة لحساسيته من كل الرموز الأخرى. كان حسين العودات، رحمه الله، يتلقى أخبار مظاهرات وشهداء درعا عبر الهاتف.

كان الهدف الملموس للاجتماع هو “تفعيل وإعادة هيكلة إعلان دمشق”، أو تشكيل تحالف جديد قادر على الفعل. ولكنه تحوّل، وبشكل طبيعي على ما يبدو، إلى جلسة عنيفة للدفاع عن الحيازة الخاصة أو تشتيتها والتشهير بها. وانتهى ذلك اللقاء بالفشل، واكتفى بوجبة الغداء الكريمة آنذاك!

وعلى الرغم من ذلك، لا يمكن اتهام أولئك المعارضين الذين أمضوا حياتهم في التضحياتٍ وفي التفرّغ لمقاومة الأسد بعنف أو لطف، بأن إخلاصهم كان ضعيفاً أو أن نواياهم كانت سيئة. معظمهم، وخصوصاً الأكثر تفريطاً بهدف وحدة الصف وهو ما يمكن اتهامهم به في الوجه مباشرة، هم إمّا من الغلاة الذين يرون التفريط في كل مكان إلا في مساحتهم الخاصة، أو من الحكماء الذين يرون التوريط في كل مكان خارج حيزهم. يمكن الحكم بافتقارهم جميعاً إلى الاستراتيجية، الواقعية والثورية العلمية والعملية معاً، على عكس خصمهم تماماً. كانوا وما يزالون!

كان كل الحاضرين في اللقاء من النخبة الديموقراطية، بل العلمانية أيضاً، هم ومَن حولهم ومعهم من الناس والمنظمات. وفي ذلك اللقاء الفاشل المُحبِط، أسّس القوم لإضعاف دورهم وفتحوا الباب واسعاً أمام قوى أخرى لتتقدم وتتصدر وتعطي صورة غير حقيقية عن توزع وعي السوريين ومواقفهم.

من الصعب أن يحكم الإنسان على الأسباب العميقة لما حدث. هل تكمن في المستوى القيمي؟ وهل يمكن تصنيف الطموح الشخصي المتورّم أو الحزبي وعدم الثقة بالآخر ضمن هذا المستوى؟! ربما يمكن ردها أيضاً، مع التحفظ، إلى “حكمة” تخفي وراءها الانتهازية والخَوَر، أو إلى “راديكالية” و”رفع سقف” قبل أوانه، يخفي وراءه تهوراً وروحاً انتقامية تنامت مع القمع والاضطهاد وتجذّر الإحباط.

الأصحّ من ذلك، وهو عملي ومفيد إلى حد ما، أن نردّ ذلك إلى الجهل والفوات والعجز عن المعاصرة، أو أن نرجعه بلطف وعدل إلى عدم وجود استراتيجية أو عقلية استراتيجية. القسم الأهم في المعارضة السورية استبدل “الهدف” بالاستراتيجية ثم استراح. وبعضهم، أو جلّهم، قال إن هذا الهدف هو إسقاط النظام أو الخلاص من الأسد، ولا حديث في أي هدف آخر حتى تحقيقه. يسمي باحثون تلك الاستراتيجية أو اللا استراتيجية بــ “صحيفة الحائط”، أو بــ “الاستراتيجية التي تتوضع فوق الغيوم” وتمتنع عن التقييم أو إعادة التقييم!

مثل هذه “الاستراتيجية”، إن أمكن تسميتها كذلك جدلاً، هي ما ينسجم مع العقل الإسلاموي عملياً، ومع العقل الانتقامي أيضاً. وحين يسير “ديموقراطيون” كبار في تلك المسيرة، تنتكس الديموقراطية في السياسة السورية ويزدهر التطرف والسلاح والفوضى، والأهم يكمن في انعدام أي صورة للبديل في المستقبل، ويتناقص أصحاب المصلحة بالتغيير، الخارجيون منهم والداخليون.

عاد معارضون ديموقراطيون إلى قلعتهم ضمن ما تبقى من إعلان دمشق. بعد خيبتنا من الاجتماع المذكور أعلاه عدنا، رياض سيف وأنا، إلى عضوية الأمانة العامة كي لا نبقى أصواتاً منفردة في جو عاصف يحتاج إلى الكثير من تنظيم القوى وتأليفها. وبقينا هكذا حتى حزيران ٢٠١٢ حين استقال رياض سيف قبل مغادرته إلى الخارج لممارسة مهامه بشكل مباشر، أو فيزيائي على ما صرنا نقول لاحقاً، في المكتب التنفيذي لـ “المجلس الوطني”، وحتى تشرين الأول حين استقلت شخصياً، على أعتاب تشكيل “الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة”، وكان ذلك احتجاجاً على ازدواجية الموقف بين الرفض العملي والقبول العلني بتأسيسه، ثم خرجت من سوريا.

وضع المعارضون الديموقراطيون الآخرون أوراقهم ووثائقهم بخطى حثيثة واثقة من نفسها، ودعوا فجأة إلى اجتماع مسبق الصنع لتأسيس “هيئة التنسيق”، وقاموا بالطبع بدعوة آخرين في اللحظة الأخيرة على أمل عدم تلبيتهم الدعوة غالباً، لحضور”اجتماعهم التأسيسي”. كان الأمر محرجاً لــ “لأمانة العامة” للإعلان بالطبع، والتي تغلب فيها الرأي بعدم الحضور مع إرسال رسول يتلو رسالة تتضمن لوماً على الانفراد ودعوة لاستمرار الحوار والسعي المشترك و.. بالكلمات المعتادة والمبهمة.

كانت تلك الحالة انعكاساً لصراعٍ طويل بين “الخطين” و”الرمزين الكبيرين- المتنافرين” كما كان يبدو. وكانت ذروة ذلك يوم تأسس “المجلس الوطني السوري”، حين حَرِص أحدهما على ألا يمشي مع الثاني ومغامراته، وحَرص ثانيهما على عزل الطرف الآخر عن أي هيكل جديد للمعارضة والذهاب من أجل ذلك، وبسبب توافق الخطوط أيضاً، إلى جهة الإسلاميين وبوتائر سريعة ستنعكس لاحقاً، على الاتجاه “الديموقراطي” في معارضة زمن الثورة، وعلى هيمنة الطرف الإسلامي والإسلاموي معاً.

قامت “استراتيجية” هيئة التنسيق على لاءات ثلاث: للعنف والتدخل الخارجي والطائفية، وهي شعارات قادرة بالفعل على استقطاب شرائح هامة من السوريين. لكن، كان رفض العنف يستبطن “السِّلمية”، وهي مقولة ما زال لها من الشعبية ما لها، بل إنها حققت في العامين الأخيرين مكاسب هامة على حساب آراء التغيير بالعنف والسلاح. لكنّ ما كان يغيظ في تلك السلمية، هو استبطانها في القبو الثاني تحتها للمرونة والغموض وتقسيم القوى والبراءة من تهمة العداء القاطع للنظام، والذي استمر بعض الناطقين باسمه في إطلاق صفة “المعارضة الوطنية” على هؤلاء تمييزاً لهم وتوريطاً مع “معارضات داخلية” أخرى.

وقامت “استراتيجية” إعلان دمشق على تمويه استراتيجيته بالجمل الثورية، وعلى أن التحالف مع الإسلاميين يختزل “الوحدة الوطنية”. وكان سبب تأييده لــ “المجلس الوطني” أنه، في الجوهر والمضمون، تمهيدٌ للتدخل الخارجي، على عكس جوهر قيام “الائتلاف الوطني” كبديل عن المجلس وتمهيد للعملية السياسية الهادفة إلى حلّ القضية السورية بعد اجتماع جنيف الدولي في ٣٠ حزيران ٢٠١٢، وهذا كان سبب رفضه الدؤوب من قبل إعلان دمشق وحلفائه. استندت تلك الاستراتيجية إلى مركزية “إسقاط النظام”، وتقزيم أي هدف إلى جانبه، حتى وإن كان يتعلق بمستقبل البلاد المنشود ووحدتها ووحدة مجتمعها وشعبها.

كان من الطبيعي أن تقوي استراتيجية الطرف الأول من شوكة النظام وشراسته، وأن تقوي استراتيجية الطرف الثاني من شوكة الإسلاميين وغطرستهم وانفرادهم عملياً. ولا بأس هنا من الإشارة إلى طرف ديموقراطي ثالث خارج هذين الطرفين، وكان جزءٌ منه موجوداً داخل الائتلاف، في حين وقع الجزء الثاني أسيراً لقوى انتهازية طامحة ومرتهنة، وعجز عن تحويل ما أتيح له من فرص في صيف ٢٠١٣ إلى طاقة حركية حقيقية دافعة لدور الديموقراطيين والديموقراطية بين القوى التي تؤثر وتصنع المسار (ولهذا حديث خاص!).

تلك مسؤولية تاريخية يتحملها أولئك الديموقراطيون (نتحملها)، ولا ينبغي أن نخجل حين يتهمنا أحد ما بأن إيماننا كان ضعيفاً ولا يكفي لامتلاك الهمة ولا العزيمة ولا العمل الصحيح، ولم ندرك أهمية وجود استراتيجيةٍ خلاقة لمعارضةٍ وضعها القدر في مقدمة شعب وفي أكبر فرصة سانحة في زمانه: زمان ثورته!

كان  من الممكن أن يبدأ طريق امتلاك تلك الاستراتيجية بالنظر إلى: “أين كنا، وأين نحن الآن؟ وإلى أين نتجه؟”. والنظر في ذلك المربع الشهير المؤلف من مصادر القوة ونقاط الضعف والفرص المتاحة وماهية التهديدات والمخاطر. وحين نتوصل إلى تلك الرسالة المطلوبة، نصيغها بكلمات بسيطة واضحة لا تحمل المعاني الملتبسة، ونجعلها مرآة للواقع وإحساسنا به، من دون لغة تغطي مناحي الجهل والنقص بالجمل الطنانة. رسالة تنتج مهام وعملاً وتركّز على “بؤرة”.

لم تكن تلك الاستراتيجية واردة في حساب تأثير أصحاب المصالح فيها، داخليين وخارجيين وبشكل متوازن وعملي وبعيد عن روح الارتهان القاتلة، بل تعمل على التأكد من استمرار تأييدهم وتنميته بشكل مضطرد. وهي أيضاً ذات محتوى عملي قادر على التحول إلى أفعال وحصاد نتائج، من دون البقاء في الأبراج المنعزلة إطلاقاً، ومن ثم انعدام القدرة والإحساس بالحاجة إلى إعادة التقييم دائماً، مع انتقال الحالة من مرحلة إلى أخرى.

ثمة خاصيتان أخيرتان أيضاً هما: استحواذ الاستراتيجية علينا بمقدار ما نستحوذ عليها بمرونة وانضباط وأليات لمراقبة الأداء، ووجود “الشغف” فينا لنبثّه حولنا.

لم تكن لدينا تلك الدرجة المطلوبة من تحمّل المسؤولية، ولا الإيمان الذي يملكه غيرنا على طريقته وهواه، ولا القيم التي تحتجب بوجودها ميول الأثرة والتنافس المرَضي والسعي إلى تهميش الأقربين. لم تكن لدينا الاستراتيجية المطلوبة، ولو كانت لدينا لما عجزنا عن تدارك أخطائنا في الوقت المناسب، ولما وصلنا إلى حيث نحن الآن! ذلك إرث عميق في العقل، فعّال منذ انقلاب الأسد في قديم الزمان!

أتحمل حصتي المباشرة في كل ما ورد أعلاه، قبل أن أسارع إلى تبرير نفسي الأمارة بالسوء!

*كاتب وسياسي سوري معارض

  • Social Links:

Leave a Reply