تدفقت شعوب ثورات الربيع العربي إلى الميادين والساحات كالسيل الجارف للتظاهر وشكلت تسونامي عصف بالأنظمة المستبدة فأطاح وأسقط بعضها وجعل البعض الآخر يترنح وكانت هذه الثورات تتسم بالطابع العفوي لتحرك الجماهير ومن دون أن يكون لها قيادة ثورية حقيقية تقود دفتها وتوجه مسارها وتكون ناطقة بإسمها فهي اندلعت فجأة وبدون إنذار وتهيئة وتخطيط مسبق لها ولم يتوقع أحد انتصار بعضها بسقوط أنظمة الضغيان سريعا واستمرار ثورات أخرى في معاناتها ومن المعروف أن أي تحرك شعبي ثوري كي يحدث تبدلات جذرية في طبيعة نظام سياسي قائم لابد أن يتوفر له قيادة ثورية تلتف حولها الجماهير وتحمل أهداف سياسية واضحة وأن يرافق هذا التحرك الثوري عملية تنظيمية ورضى وقبول شعبي عن قيادته وماعدا ذلك يصبح هذا التحرك محفوف بالمخاطر لأن مايحرك الشعوب ويؤثر بها هو الجانب العاطفي والمشاعر أكثر من الإدراك العقلي لمآل ونتائج هذا التحرك الذي لا يأخذ بعين الإعتبار الفوارق بين الأنظمة المستهدفة واختلاف طبيعة حكمها وعدم معرفة التوازنات وتأثير المعادلات الدولية والإقليمية في أي بلد تجتاحه الثورات وقد يكون هناك بعض الحركات الإحتجاجية والإنتفاضات الشعبية التي لاتتطلب وليس من الضرورة أن يكون لها قيادة لتحقيق أهدافها لأن مطالبها تتعلق بتحسين الأوضاع الإقتصادية والمعيشية للمواطن وليس استهداف نظام الحكم وإسقاطه كحركة (احتلوا وول ستريت) التي اندلعت عام 2011 م بمدينة نيوريوك الأمريكية ضد نخبة البلاد المالية الرأسمالية للمطالبة بتحقيق العدالة الإجتماعية وإصلاح النظام الرأسمالي في البلاد وكذلك الثورة الإجتماعية التي ضربت قلب أوروبا وهي حركة (السترات الصفر) التي اندلعت في فرنسا ضد السياسة الإقتصادية للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ورفع الحكومة للضرائب على المحروقات وتراجع القدرة الشرائية للمواطنين وأما بالنسبة لثورات الربيع العربي فلابد من وجود قيادة لها لنجاحها لأنها تهدف إلى اقتلاع أنظمة مستبدة فاسدة من شروشها وإستبدالها بحكومات ثورية تأخذ شرعيتها من شعوبها فأي ثورة ذات توجه سياسي يتطلب نجاحها وجود قيادة سياسية لها تحمل استراتيجية ضمن عمل منظم تقوم به لأن الجماهير الثائرة لوحدها بدون قيادة تجهل آليات وطرق إدارة الصراعات الداخلية والخارجية بسبب إفتقارها للوعي السياسي اللازم لإدارة الثورة وحتى نعرف مدى خطورة التحرك العفوي للجماهير علينا أن ننظر إلى ماحدث في الصين الشيوعية في عام 1989م عندما تم قمع الحركة الإحتجاجية والمظاهرات التي قام بها الطلاب والعمال للمطالبة بإصلاح ديمقراطي وحرية الصحافة والقضاء على الفساد فتدخل الجيش الصيني وسحق المتظاهرين في ساحة تيانامين في بكين بشكل دموي وقضى على هذه الحركة الإحتجاجية وكذلك تم قمع الإنتفاضة الشعبية التي قامت بها طبقة العمال والفلاحين ضد الحكومة القيصرية في روسيا عام 1905م بهدف اقامة نظام اجتماعي جديد يمنحها العدالة والحرية والمساواة ولو طبقنا نظرية القيادة على الثورة السورية لوجدنا أن من تصدر المشهد السياسي للثورة واختطفه من أهله في الداخل هي معارضة الخارج المتمثلة بالائتلاف وتوابعه وهيئة التفاوض فهذه المعارضة لم تقوم بدورها الذي وجدت من أجله في تغطية الجوانب السياسية والإعلامية للثورة بالشكل المطلوب وتأمين كل أشكال الدعم لها ونظرا لأن هذه المعارضة تقبع في الخارج فقد كان اتصالها بالداخل الثائر ضعيفا وكان أكثر همها إرضاء الدول المؤثرة في الملف السوري والتناغم مع سياساتها على حساب متطلبات الشعب الثائر في الداخل وهذا سببه أن بنية المعارضة مؤلفة من محاصصات جعلت كل كتلة وتيار فيها يتصارع مع الآخر من أجل تحقيق رؤية ومصالح من يدعمه دون النظر إلى الداخل المحرر الذي يزف الشهداء يوميا وأصبحت كل كتلة في هذه المعارضة مرتهنة لدولة معينة ناهيك هذا عن الإنقسامات الفكرية والسياسية أصلا لشخصيات معارضة الخارج والخلافات بين اتجاهاتها من ليبرالي وإسلامي وقومي ويساري فمعارضة الخارج التي نصبت نفسها وصية على الثورة واحتلت المشهد السياسي لها عنوة عن أصحابه الحقيقيين في الداخل لم تكن لها استراتيجية واضحة تعمل عليها ولم تمتلك خبرة سياسية كافية فأضحت دمية بيد الدول يتم شحنها إلى المؤتمرات حسب مصالح الدول المعنية بالملف السوري فكل ماتم تحقيقه في الداخل من إنجازات بعد تضحيات جسام تم التفريط به واستهلاكه في مؤتمرات تنازلية شاركت فيها هذه المعارضة الهزيلة وتمخض عنها اتفاقيات ذل وعار كانت نتيجتها كارثية على الثورة وكما أن الإنقسام والإختلال وعدم التوازن في بنية المعارضة أغرى بعد الدول فقامت باستغلال الوضع وانتزاع القيادة من المعارضة وفسحت هذه الرخاوة في القيادة والتنوع والتعدد بالإيديولوجيات والأطر السياسية لهذه المعارضة مجالا لهذه الدول بالتدخل المباشر في مسار هذه الثورة وكان سلوك هذه المعارضة التي لاتأبه لمعاناة الشعب الثائر بالداخل سببا في رهن مصير الثورة إلى الدول الإقليمية والدولية التي لاترى الثورة إلا من منظار مصالحها ولأن معارضة الخارج لم تحمل برنامج فكري وسياسي يتناسب مع طبيعة المرحلة تم إعاقة الثورة وتطويقها وإطالة عمرها لتفكيكها وتبريد شعلتها وخفت وهجها وتخفيض سقفها السياسي بما يتناسب مع مصالح الدول الإقليمية والدولية ولقد كان العنوان الأساسي لمعارضة الخارج الفشل لأنها ظلت حبيسة خلافاتها ولم تستطيع رص صفوفها وتحقيق التوافق بالحد الأدنى بين كتلها رغم الكوارث الإنسانية التي حلت بالداخل المحرر فهي لم تنظر يوما إلى تضحيات ومعاناة الناس بقدر التنافس بين كتلها في تحقيق مصالح حزبية ضيقة وتنفيذ أجندات خارجية لدول تدعم هذه الكتل فأخفقت معارضة الخارج في القيادة وتم سحب شرعيتها من الشعب الثائر في الداخل المحرر.

Social Links: