الانسحاب الأمريكي من سورية ؟! تعلموا من الأمريكيين الغباء إذن !قلم: فهد المصري

الانسحاب الأمريكي من سورية ؟! تعلموا من الأمريكيين الغباء إذن !قلم: فهد المصري

لا تتخذ الدول الكبرى، وعلى رأسها النظم السياسية الديمقراطية المتجذرة والعميقة، مثل الولايات المتحدة الأمريكية والمملكة المتحدة ،قرارات اعتباطية وفقا لتصريح إعلامي، أو تغريدة على وسائل التواصل الاجتماعي ،فهناك استراتيجيات مرسومة وموضوعة، تصوغ مصالحها الحيوية و العليا، فهي دول مؤسسات وليست نظما استبدادية ديكتاتورية في العالم الثالث و المتخلف.

تمتلك هذه النظم السياسية العميقة،خططا استراتيجية، و تمتلك رؤى تكتيكية، ولديها أجهزة محترمة و مؤسسات ومراكز بحوث ودراسات، و هناك استراتيجيات مرسومة مستمرة لا تتغير بتغير شخص الرئيس او رئيس الحكومة، بل التغيرات تحصل على صعد التكتيك،لتنفيذ هذه الاستراتيجية او تلك،وفقاً للتقديرات و للمتغيرات وكذلك التحالفات ،و من السذاجة الظن ولو للوهلة الأولى ، أن الولايات المتحدة تنسحب، لأن الرئيس قام بالتغريد للتعبير عن نيته بسحب القوات الامريكية من سورية ،رغم أن الوجود العسكري الامريكي في سورية، مازال محدودا حتى الان ، وهو لا يتجاوز 2000 عسكري وهذا الرقم لا يشكل شيئا ولا عبئا أو ثقلا على دولة كبرى ، بحجم الولايات المتحدة، أهم قوة عسكرية عالمية، و من السذاجة أيضا الظن أن الولايات المتحدة، ستنسحب من الشمال السوري ،لتترك المسرح السوري لروسيا وإيران، او حتى النظام السوري شكليا او تركيا لشغل الفراغ . ومن السذاجة الظن أيضا أن نفوذ الولايات المتحدة في الشمال السوري، مرتبط ببقاء أو رحيل 2000 عسكري أمريكي !!

الذين يلعنون الولايات المتحدة من الميليشيات الكردية أو غيرها، ويتهمونها بخيانتهم ، سذج في السياسة، لأنهم ظنوا أن الدعم الأمريكي موجه لهم، وليس لدعم الاستراتيجية الامريكية( في محاربة تنظيم داعش) وان واشنطن استخدمتهم كأدوات، لتنفيذ جزء من استراتيجيتها العامة في محاربة التطرّف و الإرهاب، وتعزيز النفوذ الأمريكي بالمنطقة ،رغم أن الإدارة الأمريكية كانت واضحة تماما، واعلنت مرارا عن بعض غاياتها بدعمها لهم، لاسيما أن هذه الميليشيات تعلم أن الولايات المتحدة تدرك تماما أن الملف الكردي له أبعاد اقليمية ،وله حساسية خاصة ومفرطة لدى الجانب التركي المرتبط بمصالح وعلاقات استراتيجية مع واشنطن، ولكن لا عزاء للسذج.
الخلافات بين الرئيس الأمريكي ووزير دفاعه ليس خلافا على الاستراتيجية، بل خلاف في وجهات النظر على التكتيك، الذي يمكن أن يؤثر على المصالح الاستراتيجية من وجهة نظر وزير الدفاع، والاستراتيجية الامريكية في سورية هي جزء من استراتيجيتها لسائر منطقة الشرق الأوسط ،وهي مرتبطة عموما بالاستراتيجية السياسية الأمريكية العامة ،والمصالح الحيوية والملفات والتجاذبات والتحالفات الامريكية، الإقليمية والدولية .

الملف السوري مرتبط بعدة ملفات إقليمية ودولية، وأي اجراء أو تكتيك في الملف السوري، لا بد أن ينظر صاحب القرار الأمريكي والمؤسسات العاملة معه وبعمق، لكافة الأبعاد وانعكاساتها في الملفات الأخرى، بما يضمن للولايات المتحدة مصالحها ضمن استراتيجياتها.

استراتيجية الولايات المتحدة، هي العودة وبقوة لسورية وليس العكس ، وهذا ما يؤكده العمل الحثيث على تشكيل البنى التحتية للنفوذ الأمريكي في شمال شرق سورية، من مطارات وغيرها، وهذا يتنافى على الأقل ظاهريا مع تغريدة الرئيس ترامب ،لا سيما وأن معلومات تشير إلى أنه قيد الدرس مشروع إقامة محطة إقليمية متطورة ،للمخابرات الأمريكية، لسائر منطقة الشرق الأوسط ،في تدمر وسط سورية.

لقد تركت الولايات المتحدة وبريطانيا والغرب عموما، إيران وأدواتها وروسيا وأطراف أخرى، تغرق في مستنقع حرب الاستنزاف في سورية ، لكن اتبعت تركيا سياسة حذرة حيال الملف السوري، وما تصريح الرئيس أردوغان ، بالتريث لفترة قبل بدء العملية العسكرية التركية، في شرق الفرات ،إلا في إطار السياسة الحذرة ،من الوقوع في استنزاف او التورط الواسع على الأرض السورية ،وحساب كافة أبعاد وانعكاسات هذه العملية، وأي تدخل عسكري تركي لا بد أن يكون برضى وموافقة الولايات المتحدة، والتنسيق معها.

دون شك هناك العديد من القوى والأطراف التي ترغب بتوريط تركيا واستنزافها في سورية ،بغية إضعافها لأنها تجاوزت الهامش المسموح به من التنمية، وكذلك لأنها تشكل ربما هاجساً ومنافساً إقليميا لا يستهان به، ودون شك فإن الروس قلقين و للغاية، من التصريح الأمريكي ،نظرا لتورطهم وبعمق في حرب الاستنزاف على الأرض السورية، وعلينا أن نلاحظ أنه قبل تورط كل من روسيا وإيران و أدواتها في الحرب، لم تكن تصنف كجهات معادية لدى الشعب السوري، وشعوب المنطقة عموما ،و من المثير كيف خسر حزب الله (الشيعي )وبزمن قياسي ،كل ما كان ما يملكه من شعبية، لدى شعوب المنطقة ذات الغالبية (السنية) نتيجة شراكته في قتل السوريين، وكيف أن إيران التي كانت تجد تعاطفا شعبيا في المنطقة، لاستخدامها منظومة من الشعارات، أصبحت منبوذة ومعزولة تماما من محيطها الإقليمي، الى جانب عزلتها الدولية، و باتت تصنف العدو الأول لسائر شعوب المنطقة.

الولايات المتحدة لا تحتاج عملياً، لوجود عسكري مباشر ذو أهمية على الأرض السورية، وتمتلك العديد من البدائل ، وجل العسكريين المتواجدين حالياً هم بمثابة خبراء ومستشارين وموجهين للفصائل المحلية المسلحة، التي عملت تحت أمرة الولايات المتحدة في الشمال الشرقي للبلاد.

المتتبع للسياسة الامريكية يلاحظ أن الولايات المتحدة باتت تفضل، و على مستوى التكتيك استخدام البدائل و الأدوات، بدلا من التواجد المباشر في سورية ، وقواعدها وانتشارها العسكري في العراق و الخليج والبحر المتوسط يكفي واشنطن عمليا من تحقيق استراتيجياتها، وحماية مصالحها ونفوذها ،ومن البدائل المتاحة للولايات المتحدة هو استخدام حلف شمال الأطلسي “الناتو ” لا سيما وأن تركيا دولة عضو في الناتو، الذي أحد أهم أسباب نشوئه، هو حماية الأمن القومي للدول الأعضاء من اي اعتداء، وعلى الأرجح أن الولايات المتحدة تريد ضرب أكثر من عصفور بحجر الناتو ، بتوجيه ضربة ثلاثية الأبعاد فمن جهة يتم تأطير التدخل العسكري التركي في الشمال، والشمال الشرقي لسورية ،من خلال وعبر الناتو، وبذلك تقوم واشنطن بلجم النفوذ التركي والتحكم به، طالما أن مسار وقرار وأوامر أي تحرك عسكري سيكون بقرار الناتو وليس أنقرة ،ومن جهة أخرى تحجيم النفوذ والتدخل العسكري الإيراني والروسي، ولكن السؤال كيف ستتعامل أنقرة مع فكرة التدخل عبر الناتو الذي دون شك يمكن أن يشكل غطاءاً دولياً للقوات التركية ؟ وكيف ستكون ردة فعل الروس حيال ذلك، والذي ستعتبره موسكو استفزازا واضحا؟

دون شك طرد إيران وأدواتها مصلحة استراتيجية ،ومصلحة مشتركة تتقاسمها، وتتقاطع فيها أطراف متعددة،وعلى رأسها تركيا وإسرائيل. فالجميع يعلم أن إيران وأدواتها قطعاً لن تخرج وتتخلى عن جبهتها المتقدمة على المتوسط ،إلا بالقوة ،ولن يتم إخراجهم من الأراضي السورية، إلا بأدوات محلية (بدعم غربي وتمويل خليجي)، أي السوريين أصحاب الشأن المباشر ، وهذا غير ممكن بوجود الأسد في الحكم.

نافذة الناتو، ربما تكون النافذة الأكثر ملائمة ومقاربة ولو مرحلياً للولايات المتحدة وإسرائيل وتركيا ، للمشهد المقبل، ولو تمت الإطاحة بالأسد لسقطت آخر ورقة تتغطى وتتحجج بها موسكو وطهران ،بأن وجودهم (شرعي) بناء على طلب من الحكومة السورية (الشرعية) والخروج العسكري الأمريكي المعلن من سورية يشكل للروس مأزقا حول استمرار الوجود العسكري في سورية.
الوجود الإيراني في سورية ،مدعاة قلق للأتراك لان ذلك يعني أن إيران على حدود تركيا من الجهة السورية، الى جانب حدودهما المشتركة، كما أن وجود إيران على الضفة السورية، يشكل عائقا أمام مشروع النفوذ التركي ، فسورية تشكل جسر وبوابة تركيا نحو دول المنطقة.
بالنسبة لاسرائيل، فإن صراع النفوذ الإقليمي مع إيران بلغ ذروته، ولن تسمح لإيران بتقاسمه معها، وبالتالي فإن المشهد يشير وبوضوح ،الى حتمية الصدام بين المشاريع الخمسة المتصارعة في المنطقة (إسرائيل – الولايات المتحدة -ايران- تركيا- روسيا).

مع طرد إيران وأدواتها من سورية، والحرب المقبلة دون شك في لبنان وسورية، مع اندلاع الأزمة القادمة والصراع في الخليج سيكون الوجود الروسي في سورية، في حالة حرجة للغاية، لا سيما إن عمل الناتو ربما على إقامة قاعدة له على الساحل السوري، بناء على طلب من القيادة السورية الجديدة، و التي ستطالب على الأرجح، بخروج الروس، الذين وضعوا كل بيضهم في سلة الأسد !

دون شك تتحمل إدارة أوباما وما سبقها مسؤولية ما وصلت إليه سورية بعد سنوات من الحرب،لكن دون شك أن الرئيس ترامب مع عدم قناعتي ورفضي للعديد من سياساته، الا أنه الرئيس الأمريكي الاستثنائي والأكثر وضوحا ورجل المرحلة الشجاع، الذي سيوجه ضربة قاصمة لإيران، وهو الذي جعلنا كسوريين، نكتشف ونرى العديد من قادة الدول والأنظمة عراة و دون ورقة توت .

بعض المتحذلقين يتهمون الرئيس ترامب بالغباء، فإن كان الغباء يجعل منك صاحب مليارات وشركات وعقارات، ويجعل منك رئيسا لأهم وأقوى دولة في العالم، فلنتعلم من الأمريكيين الغباء إذن.
الولايات المتحدة اليوم بحاجة لإصلاح ومعالجة كل ما دمرته إدارة أوباما ،من علاقات في الشرق الأوسط ،و لبناء جسور الثقة مع الشعب السوري، ومنحه جرعات عالية من الأمل بالتغيير نحو مستقبل أفضل
منطقة الشرق الأوسط وشمال افريقيا ،بل وحتى أوربا مقبلة على تحولات وتغيرات وعصر جديد، لكن دون شك سيحصل كل شعب في النهاية على الحكومة التي يستحقها.

  • Social Links:

Leave a Reply