ماجد حمدون – رئيس الكتلة الوطنية الجامعة
تُظهر المراجعة التاريخية لعمليات إعادة بناء الدولة في العديد من مناطق العالم وجود نماذج عديدة مختلفة من حيث تحديد الجهة القائمة على هذه المهمة ، وأهمية الموقع الجيو استراتيجي للدولة المراد إعادة بنائها من جديد ، والبيئة الاقليمية والدولية المحيطة بها؛ حيث يركز القائمون على عملية إعادة بناء الدولة على ثلاثة مواضيع أساسية تتعلق بمستقبل الشعب وهي نقل السلطة واستعادة السيادة أولاً ووضع دستورٍ جديد للدولة ثانياً وإجراء الانتخابات ثالثاً ؛ لأن الطريق لبناء الأمة مرتبط دوماً بنجاح بناء الدولة والتي هي بمثابة القاعدة التي توطد عليها البنية الوطنية والهوية الوطنية الناشئتان .
وهناك أيضاً العديد من المؤثرات الضاغطة التي تلعب دوراً كبيراً في إعادة البناء منها طبيعة التركيبة الاجتماعية العرقية والدينية والطائفية والمذهبية التي تعيق عملية إعادة البناء عند تعددها وتنوعها على عكس المجتمعات المندمجة التي تُسَهل هذه العملية ؛ وكذلك تحديد الجهة المسؤولة عن إعادة البناء فقد تكون دولة عظمى أو دول متحالفة معها أو منظمات دولية ، أو نتيجة جهد وطني ذاتي داخلي بعد تجاوز الشعب لأحداثٍ جسام مر بها .
وهناك العديد من النماذج البريطانية والأمريكية والفرنسية والبرتغالية والايطالية الخاصة بعملية إعادة بناء الدولة في مناطق عديدة من العالم عن طريق التدخل العسكري الخارجي القسري التي يجب الاطلاع عليها واستقرائها واستخلاص الدروس والعبر منها كي يكون السوري على بينة لما يخطط ويبيت لسورية لإعادة بناء الدولة التي يطلق عليها العملية السياسية وبما يتفق وأهداف المحتل الروسي .
ومن النماذج المعروفة للعمليات السياسية الهادفة لإعادة بناء الدول في العصر الحديث …..
* نموذج احتلال أجنبي مباشر عندما عندما قامت دول أوروبية عديدة باحتلال مساحات شاسعة في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية من خلال إعادة بناء دولها بشكل يتوافق مع أهدافها ومصالحها الاستعمارية .
* نموذج انهيار امبراطورية مثل الدولة العثمانية أو دولة اتحادية مثل الاتحاد السوڤييتي وتفككه إلى دول عديدة وتوجه كل شعب لإعادة بناء دولته الوطنية من جديد .
* نموذج حصول المستعمرات السابقة على استقلالها الوطني فيما عُرف بحقبة تصفية الاستعمار بعد الحرب العالمية الثانية في محاولة منها لإعادة بناء دولها بما يتفق وطموحات وأهداف شعوبها وقد لاقت النجاح في بعض الدول والفشل في دول أخرى .
* نموذج سقوط أكثر من نظام سياسي في أكثر من دولة نتيجة فشله في إدارة شؤون الحكم بشكل سليم وبما يحقق أهداف الشعب والتي أفضت إلى خراب العمران الوطني وبروز مايسمى بالدولة الهشة أو الفاشلة .
* نموذج دولة مهزومة عسكرياً وقعت تحت حراب احتلال أجنبي عسكري مثل اليابان وألمانيا الغربية بعد الحرب العالمية الثانية وافغانستان عام ٢٠٠١ والعراق عام ٢٠٠٣ .
تاريخياً قامت الولايات المتحدة بالتدخل العسكري في العديد من دول العالم منذ نشأتها في القرن الثامن عشر ب ٢٠٠ تدخل ؛ بيد أن ١٢ منها كان تحت شعار إعادة بناء دولها الوطنية بعد إسقاط أنظمتها السياسية الحاكمة سواء كانت ديموقراطية أو استبدادية في كل من اليابان . ألمانيا . أفغانستان . العراق . كمبوديا . نيكارغوا . السلڤادور . جرينادا . هاييتي . الدومينيكان . التشيلي . كانت المصالح الأمنية والاقتصادية هي الباعث الحقيقي لهذه الاحتلالات والتدخلات والتي جرت أغلبها خارج الشرعية الدولية .
وبعد مرور سبعة عقود على نجاح التجربتين اليابانية والألمانية متمثلة بالنضج السياسي والتقدم الاقتصادي الذي تم إحرازه ؛ مازال الأمريكيون يتباهون بأن تَرَكُوا ورائهم دساتير راقية ونظم سياسية واقتصادية متقدمة لإبراز دورهم الإيجابي في مساعدة الشعوب التي احتلوها ودمروها من خلال التوجه نحو العمل على إعادة بناء دولها ووضع الأسس الصحيحة لمؤسساتها . ولقد كانت هناك بلا أدنى شك عوامل مساعدة عديدة كانت في مصلحة إعادة بناء الدولة في كل من اليابان وألمانيا المهزومتين والمدمرتين والموقعتين على صك استسلام غير مشروط هو وجود مجتمع يتصف بالاندماج والتماسك التام غير العرقي أو الطائفي أو المذهبي ؛ والتقدم الاقتصادي السابق للحرب ؛ ووجود كوادر وطنية جاهزة متفانية في خدمة أوطانها ؛ ودولة وطنية ومؤسسات عريقة في هذين البلدين ؛ ووجود رؤية أمريكية وتخطيط مسبق لما يجب فعله بعد أن تضع الحرب أوزارها ؛ وتعاون الإمبراطور وأركان حكومته مع الجنرال آرثر الحاكم الأمريكي لليابان ونائب الإمبراطور في الوقت نفسه ؛والصراع بين القوتين العظميين الولايات المتحدة والاتحاد السوڤييتي حيث عملت الولايات المتحدة على التصدي للخطر الشيوعي كونه الخطر الأكبر حينها ومنع تغلغل الفكر الشيوعي بين صفوف الشعبين الياباني والألماني الغربي عبر تنمية البلدين ودفع تقدمها إلى أمام كون اليابان على مقربة من الاتحاد السوفييتي والصين الشيوعيتين ، وألمانيا الغربية لها حدود جغرافية مع ألمانيا الشرقية الشيوعية الموالية لموسكو .
غير أن عملية إعادة بناء الدولة في كل من أفغانستان والعراق قد منيت بالفشل الذريع ؛،حيث لَمْ يكن هدف إعادة بناء الدولة السبب الرئيس للاحتلال العسكري الأمريكي ؛ وإنما كانت المصالح الإستراتيجية الأمنية والاقتصادية وراء الاحتلال والحفاظ على الأمن القومي لبعض دول الإقليم ؛ وعدم التوقيع على صك استسلام غير مشروط كألمانيا واليابان مع الجانب الأمريكي ، والتنوع العرقي والطائفي والمذهبي والعشائري والفشل الذريع في إدارة هذا التنوع ؛ وتشكيك دول المنطقة بالنوايا الأمريكية ؛ واندلاع مبكّر للمقاومتين الأفغانية والعراقية . ومازالت كلا العمليتين في البلدين المذكورين في حالة سيولة كبيرة .وعليه من الخطأ الفادح إقامة أوجه التشابه بين الحالة العراقية وحالة كل من ألمانيا واليابان لاختلاف المرحلة التاريخية واختلاف الخبرة السياسية . علاوة على أن ظروف الحرب الباردة كانت قد وفرت فرصة ذهبية لكل من اليابان وألمانيا الغربية .
أما عن روسيا التي تحتل سورية اليوم فلم يعرف عنها عبر تاريخها المديد سوى استخدام القوة العسكرية الصلبة وعدم استخدام القوة الناعمة الدبلوماسية أو الثقافية أو الاقتصادية في علاقاتها الخارجية ؛ ولم يُعرف عنها أيضاً مساعدة أي شعب من الشعوب المجاورة لها في التوجه نحو إعادة بناء دولته الوطنية نتيجة ضعف خبرتها السياسية في هذا الجانب .
ففي الوقت الذي صدر فيه أول دستور وطني ديموقراطي في سورية مقارنة بعموم المنطقة منذ مايقرب قرنٍ من الزمان وفق ماعرف بالقانون الأساسي لعام ١٩٢٠ الذي أقرته هيئة تأسيسية منتخبة من قِبل الشعب في كل من لبنان وفلسطين والأردن وسورية الحالية ؛ كانت كافة الشعوب المكونة للاتحاد السوڤييتي المسطو عليه من قِبل الحزب الشيوعي تعيش في ظل دستور حزب دكتاتوري أحادي حاكم . وعندما كانت سورية تعيش العهود الديموقراطية البرلمانية وتعيد بناء دولتها الوطنية المدنية من جديد معتمدة على قدراتها الوطنية الذاتية وكفاءات أبنائها بعد إنجاز استقلالها الوطني عن فرنسا للفترات الديموقراطية ( ١٩٤٦ – ١٩٤٩ ) ( ١٩٥٤ -١٩٥٨ ) ( ١٩٦١- ١٩٦٣ ) كان الروس يقبعون تحت حكم دكتاتورية البروليتاريا السيء الصيت حيث لَمٍ يكونوا يعرفوا حينها الديموقراطيات السياسية والدساتير والبرلمانات والتعددية السياسية والتداولية وحرية الصحافة ووسائل الإعلام الحرة وحرية النشر والتعبير .. فكيف للروس أصحاب الطفولة الديموقراطية التي عرفوها منذ بداية تسعينات القرن الماضي فقط أن يتولوا التأسيس لعملية سياسية وبناء دولة وطنية وتفصيل دستور ديموقراطي لسورية من خلال دعوتهم لتشكيل لجنة دستورية من قِبل أسماء تقدمها المعارضة والنظام والأمم المتحدة التي تعتبر مشاركتها مجرد ديكور سياسي هدفه تجميل احتلال روسيا وايران لسورية ؛ علاوة على أن ميثاق وأعراف الأمم المتحدة تتنافى وهذا التوجه .
إن الروس باحتلالهم لسورية لايستهدفوا سوى تحقيق مصالحهم الاستراتيجية الأمنية والاقتصادية والهيمنة على شرق البحرالمتوسط وبناء قواعدهم على شواطئه ومنع مد أنابيب غاز من منطقة الشرق الأوسط إلى أوربا عبر سورية كونه ينافس الغاز الروسي ، وكذلك تريد روسيا عبر احتلالها لسورية إثبات أنها رجعت قوة عظمى مرة أخرى مقابل الولايات المتحدة بعد انفراط عقد الاتحاد السوڤييتي كما حاول الأمريكان تأكيد انفرادهم بقيادة النظام العالمي الجديد بالحرب على أفغانستان والعراق ؛ وليس هناك من ينفذ لهم أهدافهم وطموحاتهم في سورية سوى نظام دمشق المتهالك الذي منعوا انهياره الكامل بكافة الوسائل العسكرية والسياسية والدبلوماسية .
وهناك جملة من الأسباب الموضوعية التي ستمنع إعادة بناء الدولة الوطنية السورية من جديد وفق مصالح المحتل الروسي أبرزها : أن سلطة دمشق شمولية لايمكن إصلاحها أو الحوار معها أو أي تقاسم للسلطة معها كونها تسقط مرة واحدة أو تبقى مرة واحدة على شاكلة النظام الشيوعي في الاتحاد السوڤييتي السابق أو الأنظمة الشيوعية المنهارة في دول أوربا الشرقية في عقد التسعينيات من القرن الماضي ؛ وعدم توفر بيئة إقليمية ودولية لإعادة هذا البناء وفق هذا التوجه ؛ ورفض الشعب السوري التعاون مع المحتلين في العمل صياغة دستور جديد لايكون من خلال هيئة تأسيسية منتخبة ؛ أو إعادة بناء دولته وتشكيل نظامه السياسي الذي يحدد مستقبل سورية لايشارك فيه بشكل مباشر ؛ واستمرار المقاومة الشعبية بشتى مسمياتها ومهامها ؛ والدعم الروسي لنظام ارتكب جرائم ضد الانسانية ؛ والتوجه الدولي العام لعدم تقديم أي دعمٍ مالي لإعادة الإعمار والتطبيع طالما أن نظام دمشق باقٍ أولَمْ يغير سلوكه الاجرامي . والشعب السوري الثائر سيرفض أي عملية سياسية تستهدف إعادة بناء دولته الوطنية من جديد لايكون مبتدئها الأول نقل السلطة واستعادة السيادة وفق وثيقة جنيڤ وتسلسل القرارات الدولية ذات الصلة وتفكيك الأجهزة الأمنية أو طَي ملفاتها وانتخاب هيئة تأسيسية تتولى وضع مسودة دستور يطرح على الشعب للأستفتاء عليه وإجراء الانتخابات ؛ ومالَمْ تكن العملية السياسية برمتها تحت الاشراف المباشر للأمم المتحدة ؛ وإطلاق سراح المعتقلين ؛ وعودة المهجرين ؛ ومحاسبة مجرمي النظام وإسقاط رأسه ؛ وجدولة خروج كافة القوات العسكرية من أرض سورية وسمائها ومياهها الاقليمية ؛ وتتم تلبية هذه المطالب الشعبية دفعة واحدة وليس بالتقسيط ؛ ومالَمْ يأخذ الروس بنظر الاعتبار جملة هذه الأمور سيفشلوا في إعادة بناء الدولة الوطنية في سورية كما فشل المحتل الأمريكي في بناء الدولة الوطنية في كل من العراق وأفغانستان .
وأخيراً – حينما يكون شعبنا يعيش تحت نير احتلال خارجي روسي / إيراني وأداة حاكمة عميلة له تصبح مناقشة موضوع العملية السياسية الهادفة لإعادة بناء دولته الوطنية مرتبطة بالتحرير وليس بموضوع لجنة دستورية .
وإلا سيكون التحرير قبل الدستور .
[٢٥/٣ ٦:٣٨ م] بابا: هل أعلن ترامب نهاية الاسد ..
بقلم حسن زرزور
مما لا شك فيه ان دولة اسرائيل المزعومة قامت على دعائم واسس عدة .. وما يهمنا اليوم هي الدعائم العربية ال22 واهمها دعائم الطوق ( اي الدول العربية المحيطة بدولة فلسطين المحتلة ) .. فكان بعد ما سُمي استقلال الدول العربية ان تماشى الغرب الى حد ما وبشكل مدروس وعلى المستوى المتوسط مع تطلعات الشعوب العربية المُفعمة بالوطنية من جهة وحرارة الدم المُتعطش لبرودة الاستقلال من الاحتلالات الغربية من جهة اخرى .. فكان لا بد للغرب من زرع دعائم داخلية تحمل طابع وطني يتماشى مع تطلعات الهدف الجماهيري في تلك الحقبة شكلاً لا مضموناً ..
الى ان اتت اكلها سواء بتدجين الشعب العربي او بإرهابه أو باعتقال كل حر وطني وزجه في سجون انظمة العمالة الى اللا نهاية ..
كان للربيع العربي ان احدث هزة ريختارية عالية ادت الى تصدع كبير في جسد المخطط الانكلو امريكي حيث اصاب تلك الدعائم المُسبقة الصنع في مقتل .. مما دفع بالدول الراعية للانظمة العربية المستبدة بأخذ خطوات استباقية نحو الامام .. وذلك لعلمها اولاً ان هناك جيل عربي جديد لا يقبل التدجين حيث تمرد على واقع آبائه المنكسر وثانياً ان تلك الانظمة اصبحت شبه منهارة وميتة سريرياً ولا فائدة من محاولات اعادة إحيائها ..
فكانت الخطوة الاولى الاعتراف بالقدس العربية عاصمة للكيان الصهيوني المُغتصب عام 2017 ..
وما كانت لتأتي الخطوة الثانية في 2019 وهي الاعتراف بالجولان السوري المحتل كجرء من دولة اسرائيل المزعومة لولا إدراك الدول الغربية الفاعلة بأن ربيبهم بشار الاسد قد اصبح في عداد المُنتهي ليس سياسياً ، بل حاكماً فعلياً على الشعب السوري الثائر الذي كسر كل القيود واسقط تلك الطغمة الحاكمة ليمحوا الحقبة السوداء من تاريخ سوريا المعاصر ..
وبقليل من النظر لخطوة ترامب الحالية نرى بأن الاسد اصبح خارج الحسابات الامريكية ولم يعد يُعوّل عليه .. وليعودوا الى النقطة الاولى التي تلت اسقلال سوريا وهي التماشي ( وليس الرضوخ ) مع ذلك الشعب الجبار والذي رغم كل ما حل به على مدى ثمان سنوات مازال صامداً ويسير بخطىً ثابتة نحو تحقيق أهدافه المنشودة ..

Social Links: