بخلاف الكثيرين، جاء عبدالله هوشه إلى السياسة من حقل الثقافة والفكر،بهذا ينطبق عليه وصف، المثقف العضوي، فكان التزامه بالحزب الشيوعي السوري في الفترة التي برزت في هذا الحزب أصوات تطالب بتجديده وتخليصه من التفكير العقائدي والتبعي ،ليتدرج في مواقع المسؤلية ويصبح عضوآ في اللجنة المركزية عام 1979، ويجد نفسه مطلوبآ من قبل أجهزة مخابرات النظام بعد عام من ذلك، ويتفرغ للعمل السياسي بغير إرادته ليغوص في عالم السياسة والابتعاد عن عالم الثقافة والكتاب وحرمانه من عمله الذي أحبه كمدير للمركز الثقافي باللاذقية.
بقي خلال ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي واحدآ من أهم الشخصيات التي تحملت مسؤولية قيادة الحزب ولملمة شتاته بعد اعتقال مكتبه السياسي وغالبية كادراته وعلى رأسها شخصيات مؤثرة في الحياة السياسية والثقافية والنقابية من أمثال :رياض الترك، عمر قشاش، أحمد فائز الفواز ومنذر شمعة.
ما لا يعرفه الكثيرون وبسبب موجبات العمل السري أن الراحل عمل مع رفاق له في قيادة الحزب من أمثال محمد منير مسوتي ومازن عدي وآخرين،حيث عمل الحزب حينها مع مجموعة أحزاب وشخصيات مستقلة في تحالف كان قد تبلور عام 1979 تحت إسم، ،التجمع الوطني الديمقراطي، ،وأضحى واجهة أساسية للعمل السياسي في ظروف بالغة التعقيد، ولعب دورآ متميزآ في قيادة هذا التجمع والمحافظة على ثوابته في مواجهة تيار في المعارضة السورية كان يعمل على رهن العمل الوطني الديمقراطي إلى أجندات خارجية، لقد لعب عبدالله هوشه دورآ مهماً إلى جانب شخصيات هامة أخرى من أمثال :جمال الأتاسي، محمد سلام، طارق أبو الحسن، ومحمد عبدالمجيد منجونة، في صياغة وبلورة الخط السياسي للتجمع ومواقفه خلال مسيرته وكان يطمح من خلال ذلك إلى الإرتقاء به إلى تحالف استثنائي نحو حركة يسارية مجتمعية واسعة .
في سلسلة الافراجات التي حصلت منذ بداية تسعينيات القرن الماضي ووفاة الأسد الأب ومع بداية الألفية الثالثة وضمن المناخات التي ولدتها المنتديات في الفترة التي اصطلح على تسميتها ب،،ربيع دمشق، ،،عمل عبدالله هوشه إلى جانب كادرات حزبية خرجت من المعتقلات وفي مقدمتها رياض الترك، بالتحضير للمؤتمر السادس الذي شكل بانعقاده في أواخر نيسان 2005 نقلة نوعية بالنظر إلى مخرجاته :المتمثلة بتغيير إسمه، من ،الحزب الشيوعي السوري، إلى، حزب الشعب الديمقراطي السوري،وإقرار النظام الداخلي الذي وسع حقوق عضو الحزب بالمشاركة وحرية التعبير وفصل صلاحيات الهيئات القيادية المنتخبة، ومراجعة السياسات السابقة ،وتجديد المفاهيم المتعلقة بالحرية والتقدم والعلمانية والعدالة الاجتماعية بما تعنيه الإنحياز إلى قيم العمل وإلى الفئات الاجتماعية الأكثر تهميشآ.
بعد انتخابه عضوآ في اللجنة المركزية،انتخبته بدورها أمينها الأول تقديرآ لدوره وقدرته على تجسيد الروحية التي تأسس عليها المؤتمر،في بدايات عمل هذه اللجنة اصطدم عبدالله هوشه بنهج لم يستطع التخلص من قوة العادة، مثله رياض الترك الرمز التاريخي للحزب، وكان هذا أشد ما آلم الراحل إذ كان يعلق أملآ كبيرآ عليه بأن يلعب دورآ مهمآ ليس على صعيد الحزب فقط، بل على صعيد الحركة الوطنية الديمقراطية والتي اتسع نشاطها ودورها وخاصة بعد تأسيس، إعلان دمشق ،في أواخر 2005، فآثر بأخلاقيته العالية ونبله، التخلي عن هذا الموقع بصمت وتجميد عضويته في اللجنة المركزية،حفاظآ على وحدة الحزب وتجنبآ لمواجهة مع رياض الترك ليست في صالح الحزب ولا صالح العمل الوطني في لحظة لا تتحمل مثل هذه المواجهة، ولم يخرج عن صمته إلا بعد أن صحح حديثآ اعلاميآ لرياض الترك حول الأسباب التي دفعته للاستقالة، وكان أكثر ما آلمه بعد ذلك وتحمله بصبر وحزن هو عملية اقصائه من الحياة الداخلية للحزب ومحاولة تهميشه من الحياة السياسية.
شكلت الثورة السورية امتحانآ لقيادة الحزب التي استمرت هيمنة الترك عليها وتكشفت من جديد عن نفس النهج الذي أقصى الراحل، ولكن بشكل أوسع وأكثر ايلامآ لدور الحزب في الثورة عندما انقلبت على الأسس التي اوصلتها إلى هذا الموقع، وعندما تصدت كادرات أساسية لهذا النهج لجأت هذه القيادة إلى فرض عقوبات، ،عرفية، ،ليس لها علاقة بالعقد الذي توافق عليه أعضاء الحزب، فوجد عبدالله هوشه نفسه مع هذه الكادرات مدفوعآ بحرصه على دور الحزب، في مواجهة العقلية النافذة، عبر،،الهيئة القيادية المؤقتة،،التي أصبح أحد مستشاريها ولعب دورآ مهمأ في عملها وخاصة الذي تعلق بنشاطها السياسي، وبقي مثابرآ على ذلك عبر مشاركته الفعالة في اللقاء ألموسع الذي انعقد بألمانيا في أواسط آب 2018، وبقي عضوآ في لجنة السياسات والعلاقات الخارجية حتى رحيله.
عندما أنتخب امينآ اول وجد فيه الكثيرون عاملآ إيجابيآ في تصحيح علاقة المثقفين مع حزب الشعب والتي تعرضت للكثير من التشويه، لذلك علاقة بعمق ثقافته دون ادعاء أو تعالي وروحه الديمقراطية وقدرته على تدوير الزوايا، وعمق علاقاته الاجتماعية وصداقاته الدافئة ووفائه لها وترفعه عن خوض معارك عبثية لا فائدة منها.
بالرغم من صعوبة الحياة التي عاشها في مدينة اللاذقية وحيدآ مع شريكة حياته التي فارقت الحياة بعد معاناة مع المرض بنفس عام رحيله، لم يغادر البلاد وظل دؤوبآ في نشاطه وخيمة جمعت مثقفي المدينة وناشطيها على مختلف انتماءاتهم الطائفية وتوجهاتهم الفكرية، ولعب دورآ مهماً في إظهار المواقف الوطنية لهؤلاء المثقفين ووقوفهم إلى جانب الحرية وكرامة الإنسان بعيدآ عن التعنيف والتخوين،كما بقي مرجعآ للكثيرين من الذين ظلوا في المحافظات السورية وللذين أجبرتهم الظروف للهجرة واللجوء والسفر إلى خارج الوطن.
عبدالله هوشه واحد من الناشطين الذين عاشوا في الظل بسبب الملاحقات الأمنية التي فرضت عليهم نمط من الحياة اليومية الصعبة، واجبرتهم على العيش بأسماء وهويات مستعارة، حرمتهم من العيش حياة طبيعية وسط عائلاتهم ومجتمعاتهم، وابخستهم حقهم في التعرف على دورهم بالإبقاء على جذوة مقاومة الاستبداد واستمرار السياسة في المجتمع، ولم يتم إنصاف هذا الدور وتسليط الضوء عليه كتجربة

Social Links: