ايام الرئيس التونسي الحبيب بورقيبة ، انتشرت صورة لمجموعة سائحين غربيين استوقفهم منظر الحمار الذي يدور باستمرار دون أي اكراه حول محور ثابت والنير في رقبته، اي حول “الحاووظ” (وهو مصطبة مدورة يوضع عليها حبوب البرغل التي تدور فوقها الحجر السوداء المدورة الثقيلة حتى تقشر قشر البرغل والتي تمر من ثقب في وسطها خشبة ترتبط بمحور عمودي منصوب وسط دائرة “الحاووظ”، ويتصل طرفها الاخر بالنير الموضوع على رقبة الحمار باحكام ، و”الحاووظ ” آلة رومانية قديمة، كما اعتقد، لكنها كانت في قرانا في الساحل السوري مستخدمة حتى الخمسينات والستينات من القرن الماضي ، وأظنها أيضا كانت في مناطق سورية أخرى) واصابت السائحين الدهشة من منظر الحمار المطمش (مثل الصم والعمي والبكم من البشر ، الأضل سبيلا!) ودون توقف ، دون اكراه من احد، كالآلة تماما، ويمكن ان يعبر هذا الحراك عن، ويفسر بصورة بليغة الدائرة المسدودة لتطورنا الركودي الارتدادي على مدى اكثر من الف عام، ومنذ ماقبل الاستعمار والراسمالية والامبريالية والصهيونية بمئات الأعوام، وحتى، اخيرا، في مواجهة كل هؤلاء خلال اكثر من قرن. ومن المعلوم ان العلامة العبقري ابن خلدون في أواخر القرن السادس عشر، وقع، نظريا، أسير هذة الدورة المغلقة للتاريخ، لأنه لم يكن يستطيع ان يرى الا الواقع التاريخي المحيط بامته حتى ذلك الوقت، ولم يكن يمتلك المنهج التحليلي العلمي، الذي نشأ بعده بأكثر من قرنين مع بدايات ظهور النظام الراسمالي، والذي يساعده ان يمد تنبؤاته إلى ما سيحصل مع الانتقال الى النظام الرأسمالي، وما يميزه من التراكم والتقدم والتطور العلمي المفتوح الذي جاء معه، رغم ازدواجيته، بما له من ايجابيات ، وايضا بما فيه من سلبيات تتمثل بالقيود والمحدودية التي يفرضها طابعه الطبقي البرجوازي ، هذا بعد ان فتح الباب، ( بعد كسر الدائرة المغلقة الخلدونية) ، للتطور الديناميكي التقدمي المتصاعد للتاريخ البشري! وهذا ماكان كارل ماركس، لاحقا للمفكرين البرجوازيين ، المفكر الذي وضع المنهج النظري العلمي له.
ويبدو لي ان ما تدفع أمتنا غاليا ثمنه هذه الأيام هو أنه آن اوان الاستجابة للضرورة التاريخية الموضوعية لكسر هذه الدائرة و”لتحرر الحمار” من الدوران الروتيني المستدام حول المحور الثابت، هذا الدوران الذي كان قصور ابن خلدون يتمثل في تصوره على أنه تناوب مستدام بين منظومتين اجتماعيتين، وهما البداوة والحضارة في صراعهما العدمي المستمر مابين الصعود التطوري الحضري المديني والذي يستدعي غزو البداوة (البدائي) ليقوم بتحطيمه والعودة، بنتيجة ذلك، إلى نقطة البدء او الصفر، وهكذا دواليك. إن مايحدث هذه السنوات في عالمنا العربي ، هو حتمية القفزة المنشودة للتملص من الدائرة الحديدية المسدودة، من أجل التقدم والانطلاق نحو المستقبل الصاعد المفتوح !
اكتب هذه الكلمات وانا استمع لاخبار الانتصار الكبير لحراك الشعب الجزائري الصنديد الواعي، باستجابة الرئيس الجزائري الميت الحي والذي تستخدمه مافيا الفساد المدمرة للبلد العظيم من أجل الاستمرار في افقار الشعب الجزائري وتجريف ثرواته الهائلة إلى أسياد الفساد الإمبرياليين ، استجابت لمطلب الشعب بالاستقالة وتنظيف السلطة من أعداء الوطن المزمنين ( هذا الانتصار الذي لابد أن يتبعه قريبا انتصار حراك الشعب السوداني، ونهوض شعوب دول الربيع العربي المغدور إلى حصاد انتصاراتها المستحقة )، هذا الانتصار الجزائري الذي خذل، اكثر ماخذل، أولئك المتخرصين الذين استناموا فوق ركام بلدانهم المدمرة وشعوبهم المذبوحة على أيديهم الاجرامية المتورمة من الفساد والاستبداد على مدى عقود ، وهم يستمرون تزوير الربيع العربي ووصمه ب (الربيع العبري) ،كما يشتهون ان يكون ، (والذي استمررت بوصفه، مع ربيع دمشق الممهد له قبله بعشر سنوات، بالربيع “الزاهر المغدور”) !
فليذهب اليائسون النواحون ، على أثر رفاقهم ارباب الاستبداد والفساد وعملائهم الصغار ، إلى حيث يليق بهم من مزابل التاريخ ، بعيدا عن شعوبهم الحضارية المنكوبة بهم منذ زمن طويل، لتتحرر هذه الشعوب وتنطلق إلى المستقبل الكريم الذي تستحقه وتتطلع اليه!

Social Links: