صناعة الاستبداد _ د.أحمد محمد كنعان

صناعة الاستبداد _ د.أحمد محمد كنعان

في سياق الانتفاضات العربية الراهنة التي تعدنا بـ “ربيع عربي” جديد؛ نجد من الضروري التنبيه إلى بعض أبجديات السياسة، وأولها أن الحاكم المستبد لا يصنع نفسه بمقدار ما تصنعه الشعوب عندما تتخلى عن دورها وتترك مصيرها في يد الحاكم ليمارس فجوره السياسي، ويستفرد بالحكم، ويمارس دعارته بتوظيف جوقة المنافقين المستعدين لتأييده ودعمه حتى وهو يتجاوز كل الحقوق والحدود، حتى في حق هؤلاء المصفقين الذين من اللحظة الأولى لتأييده يكونون قد باعوا أنفسهم وأعراضهم ودينهم وباتوا ألعوبة في يد الشيطان !
ومبالغة من هؤلاء المؤيدين في الإعراب عن ولائهم للمستبد، وحرصهم على المكاسب نراهم يتنافسون في إفساد الجماهير بشتى الوسائل المشروعة وغير المشروعة؛ لضمان خضوع الجماهير للشيطان وإضعاف روح المعارضة ضده !
وأدهى من هذا أن تنضم إلى جوقة المطبلين والمزمرين هؤلاء عصبة من رجال الدين الذين يجتهدون في تبرير كل ما يصدر عن الشيطان من أفعال مهما كانت مناقضة لمبادئ الدين والأخلاق، ويزيدون الطين بلة بأن يزهدوا الناس بالعمل السياسي لأنه في زعمهم ليس من الدين في شيء، بل ويمنون الجماهير إن هم تجنبوا السياسة بالنجاة من عذاب الله في الآخرة، ليشغلوهم بهذا الزهد الزائف عن العذاب الذي يصبه المستبد على رؤوسهم صباً، ويخوفوهم من معارضته بحجج دينية ما أنزل الله بها من سلطان !
ويستكمل المستبد بخبثه ودهائه هذه اللعبة الشيطانية بالإيعاز لتأسيس بعض الأحزاب الانتهازية اتي يسمح لها بمشاركة شكلية في الحكومة لكي يضفي على نظامه صبغة ديمقراطية خادعة !
وعرفاناً من المستبد بفضل جوقة المنافقين في دعمه نراه يقرّبهم إليه، ويغدق عليهم المناصب والمكاسب والعطايا السخية من أموال الشعب، ويطلق أيديهم ليعبثوا بمقدرات الشعب، ويقصي بالمقابل أهل الثقة والإخلاص والفضل والحكمة والخبرة !
وهكذا تكتمل الصورة البشعة للاستبداد، وتدخل البلاد دوامة الفساد والتخلف التي قد يحتملها الشعب فترة من الزمن، حتى إذا ضاقت به الأحوال، ولم يعد يطيق الصبر، انفجر غضبه دفعة واحدة ضد هذه التركيبة الشيطانية، وبما أن الشعب في هذه الحالة يكون في حالة من الضعف الشديد أمام الآلة العسكرية والأمنية الرهيبة التي في يد المستبد فقد يستنجد الشعب بالخارج طلباً للخلاص، وهذا ما يزيد الطين بلة، إذ ينتهز المستبد الفرصة ويعتبر الاستعانة بالخارج بمثابة شهادة لوطنيته، مما يزيد تعنته واستبداده وبطشه وتمسكه بمواقفه الوطنية المزعومة !
وهكذا تقع البلاد بين نارين : إما السكوت والخنوع والرضا بالاستبداد والظلم والبطش، وإما الخضوع والارتهان للخارج .. وهما أمران أحلاهما مرُّ !
د.أحمد محمد كنعان
Kanaan.am@hotmail.com

  • Social Links:

Leave a Reply