…كنت منذ ساعة مع الاستاذ ميشيل عفلق وجلست معه جلسة شعرت خلالها بما للايمان من قوة وللاخلاص من جمال ورايت كيف تتبلور الحياة في اصفى اشكالها عندما تحتشد كلها في سبيل الغاية الواحدة غاية كلمتها التي تريد ان تقولها.رايت هذا وانتزع ميشيل اعجابي وحبي لكنني لم اشعر بغير هذا مع الاسف …لم اشعر بالحماسة معه ابدا…..
وفي رسالة اخرى وجهها الى صدقي اسماعيل من حمص بتاريخ 18شباط 1946يقول عبد البر عيون السود عن الارسوزي :
…لم تكن هذه الرسالة لك لانني حملت الورقة معي لاجيب “ممدوح”على رسالة وصلتني منه البارحة لكن جلستي القريبة من الاستاذ “زكي الارسوزي” هي التي حولتني اليك انه استاذك وها هو يتحدث على الطاولة المجاورة باستمرار كعادته انني اسمعه يقول: قتل المستعمر فينا كل شيء حتى الخيال فليس منا من يستطيع ان ينفذ من خلال الشلل الذي اصابنا الى صورة نبيلة ترسم مستقبل الحياة العربية كلام جميل لكنني اعتذر اليك ان رايتني انسحب من جلسته الى هذه الطاولة محتجا بالكتابة هاربا من حديثه في الحقيقة انني لم اعد استطيع ان استمع اليه رغم حبي العميق له هاهو بوجهه الانساني الجميل وباناقة كلماته وحركاته وبطفولته وذكائه يوحي بانسان حقيقي لكنه في نفس الوقت يشعرني بمأساة علها نتيجة مأساة اعم مأساة حياتنا العربية كلها انه بقية من كفاح واطلال امل وصدق يخاطب ذاته فحسب فقد نجح المجتمع في حصاره له وتهديم اجزاء من نفسه ولعله كان اذكى منه …اذ عرف ان استمرار اضطهاده لن ينال منه فعمد الى سد الافاق في وجهه مستغلا احسن استغلال طبعه الصريح وافتقاره للدهاء يظهره بمظهر “النبي”الذي لا يجدي التعامل السياسي معه وقد كانت هذه الخطة ناجحة تماما فشبه النبي هذا الذي وصل في تجربته في الماضي الى مستوى المناضلين والدعاة الافذاذ لا يستطيع وقد اقتلع من بيئته ان يهبط الى مستوى الاعمال الصغيرة والخطوات البطيئة والمناورات والمصالح التي وجد نفسه فجاة ضمنها انه سيستمر في صوته العالي فاذا وضعت الحواجز امامه ارتد الصدى اليه واصبح مع الزمن يحاور نفسه ويجترها ثم لايلبث ان يصبح خارج التيار لم يقتله لان القتل استشهاده بل سلبه سلاحه انها طريقة اولاد الافاعي …مايؤلم فيه هو مايبدو عليهم من انه فقد القدرة على المعاناة انه دائما في مستواه ذاك وبحالة نفسية واحدة لا تتغير يتكلم مع الجميع ويكرر افكاره واحاديثه دون ان يهتم بمدى الاستجابة ولا بالتاثير العملي لكلامه….
جورج صدقني

Social Links: