(همس الأصابع)
كتب حكيم مرزوقي
1
انقطعت خدمة الإنترنت عن بيتنا ليلة أمس، مما جعلني أضطر إلى تمضية الوقت عبر تجاذب أطراف الحديث مع أفراد أسرتي فاكتشفت، فعلاً، كم هم ظرفاء وودودون.
هذه العبارة القاتمة المفزعة، كتبها أحد المراهقين على صفحته في فيسبوك، وتبادلها كثيرون على سبيل السخرية السوداء، والضحك الأبله أحيانا، عمّا آلت إليه حال مؤسسة العائلة في ظل هذا التواصل الاجتماعي الذي جعل كل فرد يسكن جزيرة بحجم راحة اليد، اسمها الآيفون.
2
صار أفراد كل أسرة يتبادلون عبارات الصمت فلا تكاد تسمع إلا همس الأصابع على شاشات الأجهزة، تقطعها أحيانا ضحكة أو تنهيدة أو تكشيرة من أحدهم. يرن جرس باب المنزل فيتقاعس ويعوّل كل واحد على الآخر في الفتح. قد تحترق الطبخة في فرن الغاز دون الانتباه إليها أو تتمسح بك قطة البيت دون أن تعيرها أي اهتمام بل وقد يقتحم بيتك اللصوص في وضح النهار دون أن تكترث.. المهم أن لا يأخذوا الموبايل من بين يديك.
3
صرنا لا نعبأ بموعد أي مناسبة إن لم يذكّرنا بها الجهاز، وبات الزوج يتبادل عبارات التهنئة مع قرينته في ذكرى زواجهما عبر الإنترنت وهما على فراش واحد. ما فائدة عبارات مثل شكراً أو عفواً أو مبروك أو أرجوك دون صوت أو ابتسامة أو عناق أو رائحة؟
4
لو نتذكر الماضي القريب نسبيا، والذي كان الناس مع ضيوفهم يجتمعون فيه على جهاز التلفزيون هرباً من لحظة صمت قد تداهمهم، أي أن التلفزيون يمثل منقذاً لهم من حالة لا وجود فيها للكلام.. ونحن جماعة وجدت لتعشق الكلام.. أي كلام، وإن كان ثرثرة أو نميمة.
5
جاءت مواقع التواصل الاجتماعي لتعوض صمتاً ما قد يحل بأفراد الأسرة وهم في صالون البيت، تماما كما كان يفعل جهاز التلفزيون في ثمانينات القرن الماضي. انعدام الحوار بين أفراد الأسرة مشكلة كبيرة ونعترف بها جميعاً، لكن انعدام الرغبة في الصمت والتأمل مشكلة أكبر.

Social Links: