د. سميرة مبيض
تدخل ديناميكية المشهد السوري في مرحلة جديدة على قدر عال من الأهمية، يحدد طابع ومعالم المسار القادم وهو التقارب بين الولايات المتحدة الأميركية وتُركيا بما يخص الشأن السوري، وهو أمر حتمي الحصول للتوجه لإيجاد حل سوري بحكم وجود هيمنة عسكرية وسياسية للدولتين على مناطق جغرافية متقاربة تشمل الشمال السوري بجناحيه شرقي وغربي الفرات.
بغياب جسم سياسي سوري مستقل عن أي تبعية خارجية، وبكون هذه التبعية التي خضعت لها الأجسام السياسية السورية أثبتت بشكل قاطع وضع أولويات الدول المهيمنة على حساب مصالح السوريين، وبحكم أن النظام خارج معادلة النظر في مصلحة الشعب السوري فلا بد من اجتهادات سورية نحو ضمان هذه المصلحة.
سيكون المحور الأهم بين الدولتين هو الملف الكردي وبالأخص منطقة الإدارة الذاتية، وتجدر الإشارة هنا الى أن قوات سوريا الديمقراطية وبعد اجراء مفاوضات ولقاءات مباشرة مع النظام أدركت، ما كان بديهياً، وهو أن الإدارة الذاتية لهذه المناطق لن تحصل على أي من مطالبها وأن سقف النظام يقف عند العودة الى ما قبل عام 2011، وأن مطلب الفيدرالية الذي تمسكت به في بداية الثورة ترفضه كافة الجهات السورية، نظاماً ومعارضة، بحكم أنه مطلب غير قابل للتحقيق بعد صراع دامِ بين المناطق السورية ونظراً لجغرافية البلاد وتوزع منافذها ومواردها. وكانت الخطوة الإيجابية من قبل قسد ان حولت مطالبها نحو دولة لامركزية بما هو أقرب للتقارب على خط وسطي مع باقي القوى السياسية السورية المعارضة وبما يوافق المصلحة الوطنية السورية. حيث أن العودة الى دولة مركزية كما كانت في عهد الأسد لا يوافق متطلبات الحداثة النهوض التنموي التي ينادي بها السوريون.
تبقى نقطة الخلاف الأهم، وهي وجود الأقطاب المتطرفة في كلا مناطق النفوذ، فصائل هيئة تحرير الشام في المنطقة التي تهيمن عليها تركيا و المعارضة وميليشيات حزب العمال الكردستاني في مناطق هيمنة قسد والقوات الأميركية وتقتضي المصلحة السورية هنا دون أدنى شك انتهاء هذه التشكيلات المسلحة والانخراط في جيش وطني غير مؤدلج لا مذهبياً ولا قومياً حيث يشكل حزب البي كي كي عنصر دخيل على الحالة السورية سواء عبر قياداته التُركية أو عبر ايديولوجيته الأوجلانية أو عبر وسائله المسلحة في نشر وفرض هذه الأيديولوجية، من جهة مقابلة تشكل هتش وهي امتداد للنصرة وتوابعها عاملاً دخيلاً على الحالة السورية بتبعيتها الفكرية والأيديولوجية الإسلامية المتطرفة.
قد تتوصل الدولتان المهيمنتان على هذه القوى الى حلول، يُفترض على السوريين أن يسعوا للضغط بكافة السُبل لتكون نحو انفكاك قسد عن حزب العمال الكردستاني لمصلحة سوريا وليس خوفاً على تركيا وتفكيك جميع الفصائل الإسلامية في منطقة ادلب ليس خوفاً على النظام منها بل لأن وجودها يهدد أمن السوريين جميعهم.
الوصول لشكل من الإدارة المحلية لكلا من هذه المناطق، تقودها الكفاءات والكوادر السورية المدنية القادرة على العمل المنظم والبناء الفعلي بعيداً عن أي أيديولوجية عدائية دينية أو قومية هو الحل الأمثل لمستقبل سوريا على أن يرتبط بحل شامل لكامل الأراضي السورية عبر انتقال سياسي وتغيير جذري كي لا يتحول الى حلول محدودة الحدود تؤسس لأقاليم غير قابلة للتعاطي مع محيطها لاحقاً.
دوناً عن هذا الحل، وانجراراً مع المتهافتين للحرب مع هذه الجهة أو تلك أو مع المنضويين تحت جبهات متطرفة بهدف مذهبي أو قومي، فهو مسار نحو صراع طويل الأمد سيستهلك الشباب السوري والموارد السورية ولن يؤدي بنا الا الى مزيد من الخراب فالأطراف الدولية ستصل لتوافق يحقق مصالحها أولاً، تركيا في سعيها لأمنها القومي والولايات المتحدة الأميركية في ضمان مصالحها في المنطقة، أين مصلحة السوريين هنا؟ دعونا من المتهافتين فقد كفانا ولنسعى لتكون مصلحة السوريين هنا أولوية لا يمكن التغاضي عنها.
باريس

Social Links: