أحمد برقاوي:
أطلق القتلة في التاسع من تموز من عام 1949 النار على جسد أنطون سعادة فأردوه قتيلاً . منذ ذلك اليوم تحول سعادة من زعيم حزب إلى فكرة ، بل قل كل من يقضي موتاً من أجل فكرة يغدو في أعين جمهوره وأصحابه فكرة خالدة . هكذا تحول سيد قطب في نظر الأخوان و مناصريهم . بل كل موت في معركة ما من أجل فكرة تمنح الموت وصاحبه جلالاًخاصاً.
كانت الفكرة التي من أجلها استشهد سعادة ،أي فكرة الأمة السورية التي تضم بلاد الشام والعراق، ذات سحر لدى كثير من الفئات الوسطى في سوريا ولبنان على وجه الخصوص ، وتنطوي على إمكانية للتحقق في ذلك الزمان،إمكانية حالت القوى الإستعمارية،والحاكمة دون تحققها . بل كان إعدام سعادة قراراً للقوى الإنعزالية الطائفية وللأنظمة المحيطة والسفارات الأجنبية . صحيح بأن القوميين العرب قد ناصبوا السوريين القوميين العداء لكن الفروق بين القوميين ضئيلة . غير أهم مشترك نظري هو رفض الطائفية وتأكيد المساواة بين أبناء الأمة بمعزل عن الإنتماء الديني . سواء كانت الأمة عربية أو أمة سورية . وتمضي السنون ويغدو سعادة أكثر حضوراً في الوجدان الشامي عموماً ولم يعد حضوره محصوراً في وجدان أعضاء الحزب السوري القومي الإجتماعي، بل صار حاضراً في الوعي الشامي بوصفه صاحب قضية .ولقد عاش سعادة بعد موته حالةً فروسيةً بوصفه بطلاً تراجيدياً .
لا شك إن دخول الحزب السوري القومي عضواً في الجبهة الوطنية التقدمية في سوريا قد أضعفت مكانته في أعين السوريين ، ذلك إن هذه الجبهة هي موضوع سخرية لدى السوريين . وكنت قد نصحت بعض المتنفذين في هذا الحزب ومنهم الصديق (نزار سلوم) أن لا يلوثوا تاريخهم بمثل هذا السلوك المعيب ، ولكن كان ماكان . كان دخول الحزب الى الجبهة بداية الإنحدار ، وبداية عملية إعدام سعادة للمرة الثانية .
مع اندلاع ثورة الحرية العظيمة وبمظاهراتها الشعبية العظيمة على امتداد مدن وقرى سوريا وجدت جميع الحركات السياسية والنخبة الفكرية نفسها أمام اختيار الموقف : إما مع النظام الحاكم بكل وسخه التاريخي و أسلوبه القمعي الإقصائي القاتل، أو مع نزوع الشعب مع الحرية والكرامة والدولة الوطنية الديمقراطية وانتصار المواطنة. فكان أن انضم جناحا الحزب السوري القومي الإجتماعي إلى النظام . ثم تكونت الميليشيا الخاصة باسم نسور الزوبعة لتنضم الى الميليشيات الطائفية التي جاءت من لبنان والعراق وإيران وأفغانستان ، الى جانب الميليشيات الأخرى . و عندها أطلق السوريون القوميون النار على سعادة ، سعادة الذي قال : ” إننا نحبّ الحياة لأننا نحبّ الحريّة، ونحبّ الموت متى كان الموت طريقا إلى الحياة” .
ففي الوقت الذي كان فيه إعدام النظام الطائفي اللبناني لأنطوان سعادة ولادة و حياة في وجدان عدد كبير من السوريين، حتى لدى المختلفين معه فكرياً وعقائدياً بوصفه مدافعاً عن وحدة بلاد الشام والعراق في دولة – أمة ، كان إعدام حزبه له بداية لموته في الوجدان نفسه .
وهكذا أعدم السوريون القوميون سعادة من أجل هدف وضيع. بل أكثر الأهداف وضاعة في تاريخ الشرق.

Social Links: