الحاضنة تختنق.. نظام الأسد ابتلع السكين على الحدّين!

الحاضنة تختنق.. نظام الأسد ابتلع السكين على الحدّين!

تتكثف في سماء النظام السوري غيوم الأزمات الخانقة، فهناك استحقاقات تترتب على هذا النظام، سواءً كانت داخليةً، تتعلق بالأوضاع المعيشية لحاضنته، أم خارجيةً، تتعلق باستجابته لمطلب الأمم المتحدة، بخصوص تشكيل لجنة صياغة الدستور المقترحة، والقبول بالقرار الدولي رقم 2254 الصادر عن مجلس الأمن نهاية عام 2015م.

هذه الأزمات تتفاقم بسرعة شديدة، وتتلخص الآن بسوءٍ شديدٍ للأوضاع المعيشية، إذ شُلت الحركة بغالبيتها نتيجة قلة المطروح من مواد الطاقة الضرورية (المازوت، والغاز، والبنزين) والتي اجترحت حكومة النظام أسلوب البطاقة “الذكية” للسيطرة على أزمتها. إضافة لحالة التقنين الفظيعة للتيار الكهربائي.

أوضاع هذه الأزمات تكشف عن مستويين مترافقين، المستوى الأول يتعلق بسياسة تدريجية ينتهجها النظام للتخلي عن الدعم الحكومي للمشتقات البترولية أو للخبز، وبذلك ينتقل عبء الدعم من كاهل حكومته إلى كاهل حاضنته الشعبية، التي تبلغ نسبة من هم تحت خط الفقر فيها أكثر من 80%.

المستوى الثاني وهو المستوى الذي يدركه النظام، ويعرف تبعاته، ولا يريد التصريح به أمام حاضنته، والمتعلق بالحصار الأمريكي عليه، والمتمثل بمنع وصول أي شحنات نفطية إيرانية أو غير إيرانية إلى النظام عن طريق البحر. هذا الحصار الأمريكي له أهداف سياسية واضحة، تتطلب مواقف يجب أن يقوم بها النظام، ولعلّ أهمّ هذه الأهداف السياسية التي يريد تحقيقها الحصار الأمريكي، هو الدفع باتجاه فكّ الارتباط العسكري والسياسي بين النظام وإيران. وهو يعني خروج جميع القوات الإيرانية والميليشيات الحليفة لها من الأراضي السورية. وهو أمر يُدركُ النظامُ خطورته السياسية عليه وعلى مستقبل وجوده وهيمنته على السلطة في البلادِ.

الأزمات المتزايدة التي تضيق الخناق على النظام السوري، لا تستطيع القوى الحليفة له من تخفيف وطأتها عليه. فالإيرانيون الذين أدرج الأمريكيون آخر سلسلة عقوبات اقتصادية ومالية بحقهم، وشملت قوة دفعهم الإقليمية والداخلية (الحرس الثوري)، يريدون ويحاولون التملص من أثر هذه العقوبات، التي تخنق اقتصادهم وتجفف سيولتهم المالية، وهي السيولة الضرورية لاستمرار جهودهم في بناء امبراطوريتهم الفارسية. ويدرك الإيرانيون أنهم عاجزون عن التخلص من أثر هذه العقوبات، ويخشون من تداعياتها على استقرار وضع حكم الملالي في طهران. وهذا يعني أن النظام الإيراني لن يكون قادراً على الاستمرار بدعم النظام الأسدي مع شحّ عائداته المالية، ومع نظام العقوبات المطبقة بحقه.

الأمر ذاته ينطبق على الحليف الثاني للنظام الأسدي وهم الروس. إذ لا يزال نظام بوتين يخضع لسلسلة عقوبات أمريكية وأوربية بسبب احتلاله لشبه جزيرة القرم، وضمها إليه. هذا الحصار مع تفاقم أزمات النظام المختلفة، وتحديداً انحياز الأخير إلى الصف الإيراني، أزعج الروس كثيراً، ودفعهم إلى وضع الأمور في ميزان حساباتهم الاستراتيجية، والتي تمخضت عن الإقرار بأن عبء الدفاع عن النظام الأسدي صار مكلفاً ومهدداً لكل جهودهم في ضبط إيقاع الصراع السياسي الإقليمي والدولي على سوريا، وهو يعني في المحصلة رجحان خسارتهم الاستراتيجية لنفوذهم في سوريا لمصلحة خصمهم الحالي المنافس لهم، أي خصمهم الإيراني.

هذه الخصومة بدأت تنتقل إلى عتبات صراعٍ جديدة، تتسم بالعداوة والاحتراب بين الوجود الروسي والوجود الإيراني في سوريا. وهو ما يحدث حالياً في مناطق عديدة بين الطرفين.

إذن تبدو لوحة الوضع الاقتصادي والسياسي الداخلي في سوريا لا تعمل لمصلحة النظام الأسدي واستمراره، وقد ظهر ذلك من خلال إصرار “غير بيدرسون” على رفض منح الروس أو النظام أي مزايا تخص تشكيل ثلث لجنة صياغة الدستور، إذ رفضت الأمم المتحدة أي تدخلٍ في تشكيل الثلث الخاص بها، والذي يتمّ اختياره من منظمات المجتمع المدني السورية. وهذا الرفض يعني إصراراً أممياً ودولياً على تنفيذ قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2254، الذي لقي في نهاية المطاف قبولاً روسياً، أي أن الروس أجازوا تشكيل لجنة صياغة الدستور وفق قانون المثالثة (ثلث للنظام + ثلث للمعارضة + ثلث تختاره الأمم المتحدة من المجتمع المدني السوري). هذا يعني ازدياد الضغط على النظام السوري لتعديل سياساته المتسمة بالقفز على الحبلين الإيراني والروسي لمصلحة الحبل الروسي. وهو ما يؤشر على ضرورة رضوخ النظام للسياسة الروسية حيال حلّ ملف الصراع السياسي في سوريا وعليها.

إن تجاهل نظام بشار الأسد لتفاقم أزماته، وإحساسه بضيق خياراته السياسية، سيدفع بحاضنته الشعبية إلى البحث عن بدائل ملموسة للخلاص من مأزق عنق الزجاجة، الذي وضعها فيه هذا النظام.

قد تبدو الخيارات محدودةً، ولكنها قد تتسم بمواجهات داخلية عنيفةٍ بين أطراف النظام ذاته، أو بين حلفائه، وهو أمر اتضح في معارك حماة واللاذقية وحلب وغيرها.

النظام الذي يحيا تفاصيل أزماته الخانقة، يعتقد واهماً أنه كلما هرب إلى الأمام من خلال إرضاء اسرائيل، وتحديداً ما يتعلق بمسألة رفات الجنود الاسرائيليين لديه، أو برفات إيلي كوهين الجاسوس الذي أعدمته دمشق عام 1967م، سيكون بمأمن عن حسابات ترحيله في حالة فرض الحل السياسي على البلاد.
لكنّ النظام لم يدرك بعد حجم التحول في حاضنته الشعبية، والتي تعيش أسوأ أزماتها على مر سنوات الصراع في سوريا. وهو يتجاهل -أي النظام- أنه يخوض في وحولٍ صنعها له الحصار الأمريكي المستمر منذ خمسة أشهر، وفي وحول صنعها بنفسه نتيجة حربه على السوريين.

النظام السوري لا يزال غير قادرٍ على تحديد حجم رفض حاضنته الشعبية لسياساته التي أوصلت هذه الحاضنة إلى حافة الفقر والجوع والحاجة. وبالتالي هو لا يدرك أن حصار الولايات المتحدة له هو جزء من سياسة أمريكية تحظى بموافقة إسرائيلية.

ما الخطوة التالية التي يجب أن يقوم بها النظام للخروج من عنق زجاجة الحصار المطبق عليه؟ وما قدرته على الاستمرار في هذا الإنكار لمسألة ضرورة تغيير الواقع السياسي في البلاد؟

الثمن واضح وهو تقديم تنازلات جوهرية تخص هيمنته على السلطة السياسية، وهو ثمن تهرّب من دفعه طوال سنوات الصراع، وهو ذات الثمن الذي ستتجه فيه الأمور نحو المجهول، إذ ليس من فكاكٍ من حصول الكارثة التي تعصف رياحها بجنباته، أو القبول بالتغيير السياسي الحقيقي في البلاد. هذان الخياران يشبهان القول: “بَلع السكين على الحدّين”، فأي حدٍّ سيختار النظام؟

  • Social Links:

Leave a Reply