أ
اعتمد النظام منذ تولّي حافظ الأسد السلطة وحتى اللحظة على مبدأ التنافسيّة وخلق العداء بين أجهزة أمن، وكان لهذا العداء والتنافس فيما بينها دوره الجوهريّ بفرض القبضة الأمنية على السوريين، وخلق عشرات الأجهزة والأفرع المافياويّة التي رسّخت حكم الأسد لعدّة عقود من الزمن.
وأسس “حافظ الأسد” أربع أجهزة مخابرات رئيسية (المخابرات الجويّة وأمن الدولة والأمن العسكري والأمن السياسي) يُشرف عليها مكتب الأمن الوطني، ويتبع لهذه الأجهزة أكثر من 48 فرعاً رئيسياً بالإضافة لعشرات الأفرع الإقليمية في المحافظات السورية، والتي يصعب التحكّم بها من قبل نظام أسد، مما جعله يخلق جواً من التنافس والعدائية فيما بينهما لكسب ولاء هذه الأجهزة، وتحقيق بعض المزايا لها ولمسؤوليها.
مؤشّر الأداء حسب الولاء
وفيما يخصّ أسباب التنافسيّة والعداء بين أجهزة الأمن السورية، يقول المساعد أول المنشقّ عن جهاز الأمن السياسي “أحمد الحسين” لأورينت نت، “يوجد لدى نظام الأسد عشرات الأجهزة والأفرع الأمنية والمخابراتية، ولكن المُلاحظ هو عدم وجود علاقات ارتباط فيما بينها، وكل جهاز يعمل دون التنسيق مع الأجهزة الأخرى، حتى وصل بهم هذا إلى حدوث صدامات عدة فيما بينهم إن كان قبل ثورة عام 2011 أو خلالها”.
وأوضح الحسين قائلاً “اعتمد حافظ الأسد ومن بعده بشار الأسد على مبدأ تقييم أداء هذه الأجهزة بحسب ولائها له، وهذا ما جعل بعض الأجهزة تتنافس مع بعضها على الأكثر ولاءً لرأس هذا النظام وقيادته، وانعكس ذلك على أدائها الحقيقي مقابل كسب ولائها، وحتى أن الأداء بات يُقاس ضمن الجهاز أو الفرع الواحد بحسب الولاء لرأس النظام أو قيادته الأمنية والعسكرية”.
وبنفس الإطار، قال المساعد المنشق عن جهاز المخابرات الجوية “وليد العبدو” لأورينت نت، “بسبب إظهار ولاء هذا الجهاز أكثر من ذاك الجهاز، أو هذا الفرع أكثر من الفرع الآخر، كان ضباط وعناصر كل جهاز يكتبون التقارير الأمنية بحقّ ضباط وعناصر الأجهزة الأخرى، حيث يُظهرون بهذه التقارير شدّة ولائهم لقيادتهم وسوء أداء وولاء باقي الأجهزة والأفرع الأمنية”.
السيطرة والنفوذ
وبجانب آخر، رأى المساعد المنشقّ وليد العبدو أن الخلاف والتنافس بين أجهزة المخابرات يعود كذلك بسبب بسط السيطرة والنفوذ والتحكّم أكثر بالمقدّرات السورية، وبيّن ذلك بقوله: “أكثر أجهزة الأمن تنافساً وعداءً هما جهازيّ المخابرات الجوية والأمن العسكري، وكانت تصلنا تعاميم من إدارة المخابرات الجوية بعدم السماح لعناصر وضباط جهاز الأمن العسكري بالتحرّك أو العمل ضمن مناطق نفوذنا أو قطاعاتنا العملياتيّة”.
وتابع “هذه الخلافات والمنافسة ليست وليدة أيام الثورة والاختلاف على مناطق السيطرة فيما بين ميليشيات هذه الأجهزة وتعفيش مناطق سيطرتهم، وإنما هي منذ بداية حكم آل الأسد لسوريا وخاصة منذ ثمانينيات القرن الماضي، حتى أن كل جهاز أو فرع له مناطق نفوذ معينة أو مؤسسات يُشرف عليها، ولا يحقّ لأحد من باقي الأجهزة والأفرع التدخّل بها إلا بإذنه”.
وأشار العبدو إلى أنه “بعد ثورة عام 2011 ظهر جلياً الخلاف والنزاع بين هذه الأجهزة الأمنية والميليشيات التابعة لها، وتحوّلت كتابة التقارير و “طقّ البراغي” فيما بينهم إلى اشتباكات مسلحة بينها لفرض سيطرتهم ونفوذهم أكثر، أو لتدخّل جهاز بعمل ومناطق نفود الجهاز الآخر”.
مصالح شخصية
وأما المساعد أنس الأحمد المفصول من فرع الأمن الجنائي بدمشق، أرجع سبب هذه التنافسية والعداء إلى مصالح شخصية يكتسبها ضباط ومسؤولو هذه الأجهزة والأفرع، خاصة بعد إطلاق يدهم لعمل أي شيء مقابل بقاء نظام الأسد بقوته وهيمنته.
وبيّن ذلك بقوله، “خلافات المصالح الشخصية بين ضباط وعناصر الأفرع الأمنية جعلتهم بحالة عداء متزايد، وسبب فصلي من فرع الأمن الجنائي مثلاً كان لمصالح شخصية بين ضباط الفرع وضباط الأمن السياسي التابعين معاً لوزارة الداخلية، وذلك بسبب كشفي لأوكار دعارة يُديرها ضباط من الأمن السياسي والمخابرات العسكرية فاستغلّ ذلك ضباط الأمن الجنائي لابتزازهم وبالنهاية أنا فُصلت وهم بقوا يتنافسون ويبتزّون بعضهم”.
وأكمل الأحمد “نظام الأسد أفسح المجال لعناصر وضباط أجهزة الأمن لتحقيق مصالحهم الشخصية وتكوين الثروات الطائلة والنفوذ الأمني الكبير، مقابل حماية عرشه من السقوط خلال العقود الأخيرة، ولذلك زاد التنافس والعداء بين مسؤولي هذه الأجهزة لكسب أكبر قدر من مقدّرات السوريين والدولة السورية، ولكن هذه المصالح الشخصية تبقى قيد المراقبة وإنهائها وزجّ صاحبها بالسجن أو التخلّص منه نهائياً بحال تعارضت مصالحه مع مصالح الأجهزة الأخرى أو مع بقاء الأسد في الحكم”.
تسلّط أمني وبقاء الأسد
وبسياق مختلف، أوضح الناشط الحقوقي والعامل سابقاً في المحكمة العسكرية، المحامي خالد الشبيب لأورينت نت آثار هذه العداءات والتنافسية بين أجهزة الأمن على السوريين بقوله، “كانت غاية حافظ الأسد إبّان ثمانينيات القرن الماضي زيادة العداء بين أجهزة الأمن من أجل فرض سيطرته على البلاد واستمراريته في الحكم، خاصةً بعد ظهور الخلاف بينه وبين أخيه رفعت الأسد الذي كان يُسيطر على بعض هذه الأجهزة، ولذلك استغلّ نظام الأسد عبر رئيسه هذه الخلافات التي أنشأها بين الأجهزة ليبقى في سدنة الحكم كل هذه المدة، وحتى اللحظة”.
وأردف الشبيب قائلاً “وكذلك زاد التسلّط الأمني على رقاب السوريين بسبب التنافس بين أجهزة الأمن وإظهار قوتهم على الشعب السوري مقابل ولائهم لنظام الأسد، وهذا ظهر للعيان قبل الثورة السورية وزاد أكثر خلالها بارتكاب آلاف المجازر واعتقال مئات آلاف المدنيين”.
واستدرك قائلاً “وبسبب كثرة هذه الأفرع الأمنية وخلافاتها فيما بينها سًرقت موارد البلد الاقتصادية والخدمية والتنموية، ولم يبقَ إلا بقايا وطن تحكمه عصابات سلطويّة أمنية لتحقيق مكاسبها الشخصية، والمحافظة على نظامٍ متهالكٍ أساسه القبضة الأمنية وأجهزة المخابرات”.

Social Links: