أمي ..السياسية الأولى ..

أمي ..السياسية الأولى ..

Azza Albahra

أثناء الثورة الاسلامية في ايران عام 1979 كان عمري عشرين سنة ..وكما كل صباحات الجمعة .. في حديقة بيت اهلي يجتمع أصدقاء والدي “نصر الدين البحرة “بداية على فنجان قهوة لتنتهي الجلسة بكأس من الشاي بعد تناول الفول والتسّقية والحمص ..وأحلى صباح جمعة ..لم يبقى من هؤلاء الأصدقاء على قيد الحياة إلا والدي أطال الله في عمره ..رحمهم الله جميعا ..
أثناء ذلك يتناقشون في المستجدات .. السياسية واخبار البلد والوضع السياسي ..ويعّرجون في الكثير من الأحيان على الأدب والسينما والشعر والتاريخ والفلسفة ..وغالبا مايخطر على بال أحدهم نكته تناسب مجرى الحديث يلقيها سريعا لتملأ ضحكاتهم فضاءات منزلنا … وفضاءات الجيران المذهولين من هذه العائلة وضيوفها ..وكانت حينذاك ثورة ايران هي محور النقاشات ..وكنت انا دائما حاضرة لهذه الجلسات وكلي آذان صاغية للآراء ولمختلف أنواع النقاشات والحوارات والتي كانت تطول ساعات وساعات ..البعض منهم كان يعتبر هذه الثورة نقطة تاريخية مفصلية في حياة إيران والمنطقة العربية وأنها ستؤثر كثيرا على مجريات التاريخ العربي ..وأن الخميني رجل ثوري بكل معنى الكلمة وان ابنه عضو حزب “تودة “الشيوعي قتله شاه ايران بواسطة السافاك ..
إلا أمي ..
كانت تعتبر ان هذه الثورة ثورة رجعية متخلفة وستقود ايران والمنطقة العربية الى كوارث رهيبة .. وستجر وبالا على ايران لن تنتهي منه إلا بمئات السنين اذا استطاعت أن تنتهي من هذه الكارثة .. وكانت تصّر دائما على أن اسرائيل هي المستفيد الأول والأخير ….
وحقيقة الأمر أن انطلاقة الثورة في ايران كانت مشابهة جدا لبدايات الثورة في سوريا ثورة حرية وكرامة وديمقراطبة ضد ظلم الشاه واستبداده وطغيان السافاك ..وحولت وحوّرت لثورة دينية اسلامية مذهبية لتخدم أهدافا ومشروعا استعماريا رجعيا ومتخلفا فيما بعد .. يساهم بتشييع المنطقة العربية وسيتم استغلال هذه الثورة لصالح مشروع اسرائيلي في تقسيم منطقة الشرق الأوسط وخلق حروب مذهبية ..طائفية تساهم في تفتيت سوريا ولبنان والعراق وحتى اليمن ..
لم تكن تتنبأ ..كانت تقرأ السياسة قراءة صحيحة ..ولديها من الرؤيا المستقبلية والقدرة على تحليل المعطيات وربطها ..الكثير ممن لايملكه عتاولة سياسينا اليوم …
في حينها كانت امي “عصام ميرزو ” وأثناء زواجها وكان عندها ثلاثة أطفال أكبرهم انا قد درست الكفاءة والبكالوريا وتخرجت من كلية الفنون الجميلة قسم “نحت ” عندما نلت أنا شهادة البكالوريا وأنوي التسجيل في الجامعة ..
وبعد عشرين عاما ..ومنذ تلك اللحظة ..تحدثت أمي كثيرا وفي جلساتنا الخاصة عن مشروع تقسيم كبير وخطير يطال سوريا ..وانه سيكون لإيران الاسلامية دور كبير في هذا المشروع …وكما آنذاك وقبل عشرين عاما ..كان الجميع يستهجن كلامها وينظرا اليها مستغربا ..ويتساءلون وبصوت مرتفع ..قائلين ..عصام ..عن ماذا تتحدثين .. ؟! أي مشروع نقسيم .؟ !!ومن هي اسرائيل بالمقارنة مع إيران ..وماذا تعني سوريا لإيران ؟!!وماعلاقتها بها ..؟!!كان الجميع يعتبر أن أمي تهرف وتخرّف بأقوال غير مسؤولة وبانها امرأة تتسلى ولاعلاقة لها لا بالسياسة ولا بتصريحات الرؤساء ولا الزعماء ولا بالتصريحات الدولية ..؟؟!!! و في حرب لبنان 2006 ..كنا انا وهي نخوض النقاشات والحوارات العقيمة مع المقربين حول حسن نصر الله ..الذي اعتبره الجميع قائد المقاومة .. وبأنه سيحرر فلسطين المغتصبة ؟!!وعلقت صوره في البيوت وعلى حيطان الدكاكين والسيارات ..إلا أنا وأمي .. فقد اعتبرناه مهرجا في حربه المزعومة .. وبأنه خرّب 78 % من البنيىة التحتية في لبنان والذي كان في مرحلة اعادة البناء .. ولم يقدم شيئا لا للبنان ولا لفلسطين ..سوى انه استطاع قيادة المنطقة من خلال هذه الحرب لفرض سياسة التشيّع طوعا لاكراهية لاأكثر ولاأقل ..
يبدو أنني قد ورثت جيناتها ..وقدرتها على الرؤية والتحليل ..طبيعي ..!!!
تحليلات امي السيدة الرائعة أذكرها دائما …ومنذ فترة قريبة أعاد أخي عمر تذكيري بكلام والدتنا .. السياسية الأبرز في سوريا ..كانت ولازالت صاحبة رؤية صحيحة وقدرة على الاستدلال أكثر بكثير من جميع سياسينا ومثقفينا ..
أمي ..
يابهجة الروح ..منارتنا جميعا ..لك العمر الطويل ..
اتمنى من كل قلبي أن تكوني مخطئة في تحليلاتك ورؤيتك ..
والله يجمعنا فيك من جديد بسوريتنا واحدة موحدة ..دولة الديمقراطية والمواطنة …
بوست معاد من 4/5/2015

  • Social Links:

Leave a Reply