حول رياض الترك واليسار السوري: مقاربة نقدية

حول رياض الترك واليسار السوري: مقاربة نقدية

 ماهر مسعود

دأبت‭ ‬المعارضة‭ ‬اليسارية‭ ‬السورية‭ ‬منذ‭ ‬سبعينيات‭ ‬القرن‭ ‬الماضي‭ ‬على‭ ‬معاملة‭ ‬نفسها‭ ‬على‭ ‬أنها‭ ‬في‭ ‬موقع‭ ‬المنافس‭ ‬السياسي‭ ‬للنظام،‭ ‬وبالتالي‭ ‬معاملة‭ ‬النظام‭ ‬السوري‭ ‬على‭ ‬أنه‭ ‬في‭ ‬موقع‭ ‬الخصم‭ ‬السياسي،‭ ‬تحت‭ ‬سقف‭ ‬الوطن،‭ ‬وليس‭ ‬العدو‭.‬

أعطت‭ ‬تلك‭ ‬الخصومة‭ ‬صورة،‭ ‬هي‭ ‬أشبه‭ ‬بالخصومة‭ ‬السياسية‭ ‬بين‭ ‬أحزاب‭ ‬السلطة‭ ‬والمعارضة‭ ‬في‭ ‬أي‭ ‬بلد‭ ‬ديمقراطي،‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬فيه‭ ‬النظام‭ ‬فعلياً‭ ‬هو‭ ‬الخصم‭ ‬والحكم،‭ ‬أي‭ ‬أنه‭ ‬هو‭ ‬من‭ ‬يملك‭ ‬البلد‭ ‬وسياسته،‭ ‬وهو‭ ‬من‭ ‬يحدد‭ ‬الخصوم،‭ ‬وهو‭ ‬من‭ ‬يحدد‭ ‬الأعداء‭. ‬وقد‭ ‬أثبتت‭ ‬الأربعون‭ ‬سنة‭ ‬السابقة‭ ‬على‭ ‬قيام‭ ‬الثورة،‭ ‬أن‭ ‬الخصومة‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬إلا‭ ‬وهماً‭ ‬في‭ ‬رؤوس‭ ‬المعارضة‭ ‬اليسارية،‭ ‬أما‭ ‬في‭ ‬الواقع‭ ‬فقد‭ ‬كانت‭ ‬الحرب‭ ‬هي‭ ‬لغة‭ ‬النظام،‭ ‬إن‭ ‬كان‭ ‬مع‭ ‬المعارضة،‭ ‬أو‭ ‬مع‭ ‬الشعب‭ ‬السوري‭ ‬بشكل‭ ‬عام،‭ ‬وبالفعل‭ ‬أعلن‭ ‬النظام‭ ‬الحرب‭ ‬على‭ ‬المعارضة‭ ‬فقام‭ ‬بتصفيتها‭ ‬كليّا‭ ‬بين‭ ‬القتل‭ ‬والاعتقال‭ ‬في‭ ‬الثمانينيات،‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬الذي‭ ‬أعلن‭ ‬فيه‭ ‬أيضاً‭ ‬الحرب‭ ‬على‭ ‬الشعب،‭ ‬فقام‭ ‬بتركيعه‭ ‬تماماً،‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬جعل‭ ‬ممّا‭ ‬حصل‭ ‬في‭ ‬حماة‭ ‬عبرة‭ ‬لمن‭ ‬يعتبر‭.‬

منذ‭ ‬ذلك‭ ‬الوقت‭ ‬تحديداً،‭ ‬بدأنا‭ ‬بنظام‭ ‬البيعة،‭ ‬التي‭ ‬كان‭ ‬يفوز‭ ‬فيها‭ ‬الخليفة‭ ‬السوري‭ ‬بنسبة‭ ‬مئة‭ ‬في‭ ‬المئة،‭ ‬ولم‭ ‬يعد‭ ‬هناك‭ ‬أي‭ ‬معنى‭ ‬لكلمة‭ ‬حياة‭ ‬سياسية‭ ‬في‭ ‬سوريا،‭ ‬حيث‭ ‬السلطة‭ ‬لديها‭ ‬كل‭ ‬شيء،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬ليس‭ ‬لدى‭ ‬المعارضة‭ ‬أي‭ ‬شيء،‭ ‬لا‭ ‬مقعد‭ ‬في‭ ‬البرلمان،‭ ‬ولا‭ ‬جمهور‭ ‬انتخابي،‭ ‬ولا‭ ‬حتى‭ ‬منبر‭ ‬صغير‭ ‬تخاطب‭ ‬عبره‭ ‬جمهورها‭ ‬المفقود‭.‬

لكن‭ ‬إصرار‭ ‬اليسار‭ ‬السوري‭ ‬المعارض‭ ‬على‭ ‬مبدأ‭ ‬الخصومة‭ ‬السياسية،‭ ‬يعود‭ ‬أصله‭ ‬لتقليد‭ ‬سياسي‭ ‬سوري‭ ‬ازدهر‭ ‬في‭ ‬الخمسينيات،‭ ‬ولا‭ ‬سيما‭ ‬في‭ ‬الفترة‭ ‬الديمقراطية‭ ‬بين‭ ‬عامي‭ ‬54‭- ‬58،‭ ‬حيث‭ ‬مرّت‭ ‬الأحزاب‭ ‬السورية‭ ‬بمرحلة‭ ‬تنافسات‭ ‬هائلة‭ ‬وعلنية،‭ ‬وعاشت‭ ‬حتى‭ ‬مؤامرات‭ ‬ضد‭ ‬بعضها‭ ‬بعضا،‭ ‬لكنها‭ ‬بقيت‭ ‬رغم‭ ‬كل‭ ‬شيء‭ ‬ضمن‭ ‬إطار‭ ‬الحياة‭ ‬السياسية‭ ‬الفاعلة‭ ‬والفعلية‭.‬

وعلى‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬ابتعاد‭ ‬الواقع‭ ‬عن‭ ‬ذلك‭ ‬التقليد‭ ‬على‭ ‬نحو‭ ‬متواصل‭ ‬منذ‭ ‬انقلاب‭ ‬البعث‭ ‬أولاً،‭ ‬ثم‭ ‬استلام‭ ‬حافظ‭ ‬الأسد‭ ‬للسلطة‭ ‬ثانياً،‭ ‬والقطيعة‭ ‬المطلقة‭ ‬معه‭ ‬منذ‭ ‬أحداث‭ ‬الثمانينيات،‭ ‬بقي‭ ‬اليسار،‭ ‬الذي‭ ‬لم‭ ‬يطوّعه‭ ‬النظام‭ – ‬على‭ ‬طريقة‭ ‬أحزاب‭ ‬الجبهة‭ ‬التقدمية‭ – ‬مستمراً‭ ‬في‭ ‬النهج‭ ‬الخمسيني‭ ‬القديم‭ ‬ذاته،‭ ‬لكن‭ ‬بلا‭ ‬أنياب‭ ‬وبلا‭ ‬جمهور‭ ‬هذه‭ ‬المرة‭. ‬وفي‭ ‬حين‭ ‬ذهبت‭ ‬المعارضة‭ ‬الإسلامية‭ ‬ممثلة‭ ‬بالإخوان‭ ‬المسلمين‭ ‬إلى‭ ‬السلاح‭ ‬كرد‭ ‬جدّي‭ ‬على‭ ‬غياب‭ ‬السياسة،‭ ‬رفضت‭ ‬المعارضة‭ ‬اليسارية‭ ‬التسلح،‭ ‬وفي‭ ‬حين‭ ‬كانت‭ ‬مواجهة‭ ‬النظام‭ ‬المُحتكِر‭ ‬للسلطة‭ ‬بلا‭ ‬سلاح‭ ‬ولا‭ ‬جمهور‭ ‬تساوي‭ ‬صفراً‭ ‬مكعباً،‭ ‬بقيت‭ ‬المعارضة‭ ‬اليسارية‭ ‬فخورة؛‭ ‬على‭ ‬طريقة‭ ‬سقراط،‭ ‬بأن‭ ‬تبقى‭ ‬ضحية‭ ‬تُعذَب‭ ‬وتُسجن‭ ‬وتُقتَل،‭ ‬بدون‭ ‬أن‭ ‬تلوّث‭ ‬يديها‭ ‬بالسلاح‭! ‬

وجدير‭ ‬بالذكر‭ ‬أيضاً،‭ ‬أنه‭ ‬بعد‭ ‬انتصار‭ ‬الأسد‭ ‬المزعوم‭ ‬في‭ ‬حرب‭ ‬أكتوبر‭/‬تشرين‭ ‬الأول،‭ ‬ثم‭ ‬استقرار‭ ‬سلطته‭ ‬والاعتراف‭ ‬الدولي‭ ‬بها‭ ‬بعد‭ ‬اتفاقية‭ ‬فصل‭ ‬القوات‭ ‬عام‭ ‬1974‭ ‬مع‭ ‬إسرائيل،‭ ‬أصبح‭ ‬من‭ ‬المتعذّر‭ ‬قيام‭ ‬المعارضة‭ ‬بأي‭ ‬دور‭ ‬بدون‭ ‬العودة‭ ‬للطوائف‭ ‬أو‭ ‬السلاح‭ ‬أو‭ ‬كلاهما‭ ‬معاً؛‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬فعله‭ ‬الإخوان،‭ ‬حيث‭ ‬إن‭ ‬الاتكال‭ ‬على‭ ‬فكرة‭ ‬الحزب‭ ‬غير‭ ‬الطائفي،‭ ‬القائم‭ ‬على‭ ‬الأفراد‭ ‬بوصفهم‭ ‬أفراداً،‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬يُجدي‭ ‬نفعاً‭ ‬سياسياً،‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬انغلاق‭ ‬أبواب‭ ‬السياسة‭ ‬واستنفار‭ ‬النظام‭ ‬للحرب‭ ‬الوجودية‭ ‬ضد‭ ‬أي‭ ‬معارضة‭ ‬ممكنة،‭ ‬بل‭ ‬إن‭ ‬النمط‭ ‬الحزبي‭ ‬غير‭ ‬الطائفي‭ ‬بات‭ ‬متعالياً‭ ‬ونخبوياً‭ ‬بالضرورة‭ ‬وموضوعياً،‭ ‬نتيجة‭ ‬أن‭ ‬اختيار‭ ‬الأفراد‭ ‬للانضواء‭ ‬تحت‭ ‬مظلة‭ ‬حزب‭ ‬يساري‭ ‬معارض‭ ‬وعابر‭ ‬للطوائف‭ ‬يعبّر‭ ‬عن‭ ‬أفكارهم،‭ ‬كان‭ ‬مجازفة‭ ‬لا‭ ‬يقوم‭ ‬بها‭ ‬إلا‭ ‬أشخاص‭ ‬متميزون‭ ‬ومنفصلون‭ ‬عن‭ ‬عقل‭ ‬الجماعات‭ ‬الطائفي،‭ ‬فهم‭ ‬يضعون‭ ‬أنفسهم‭ ‬تحت‭ ‬خطر‭ ‬الاعتقال،‭ ‬وربما‭ ‬الموت،‭ ‬على‭ ‬نحو‭ ‬دائم‭. ‬وهذا‭ ‬النوع‭ ‬من‭ ‬الأحزاب‭ ‬سيبقى‭ ‬بدوره‭ ‬منفصلاً‭ ‬عن‭ ‬الجمهور،‭ ‬نتيجة‭ ‬شروط‭ ‬العمل‭ ‬السرية‭ ‬والبعيدة‭ ‬عن‭ ‬متناول‭ ‬الناس‭ ‬العاديين،‭ ‬كل‭ ‬ذلك‭ ‬كان‭ ‬يحصل‭ ‬فيما‭ ‬كان‭ ‬الانتساب‭ ‬إلى‭ ‬حزب‭ ‬البعث‭ ‬يصبح‭ ‬يوماً‭ ‬بعد‭ ‬آخر‭ ‬بمثابة‭ ‬الوضع‭ ‬‮«‬الطبيعي‮»‬‭ ‬الإجباري‭ ‬لأي‭ ‬مواطن‭ ‬سوري‭.‬

يمكن‭ ‬القول‭ ‬هنا،‭ ‬إذن،‭ ‬إن‭ ‬الأسد‭ ‬هو‭ ‬مُوجد‭ ‬الطائفية،‭ ‬بمعناها‭ ‬السياسي،‭ ‬في‭ ‬تاريخ‭ ‬سوريا‭ ‬الحديث‭ ‬منذ‭ ‬الاستقلال،‭ ‬حيث‭ ‬إن‭ ‬تحريم‭ ‬السياسة‭ ‬واختزالها‭ ‬في‭ ‬الحزب‭ ‬الواحد،‭ ‬ثم‭ ‬تناقض‭ ‬الأيديولوجيا‭ ‬العروبية‭ ‬الما‭ ‬فوق‭ ‬طائفية‭ ‬للحزب‭ ‬والدولة،‭ ‬مع‭ ‬البنية‭ ‬الطائفية‭ ‬لسلطة‭ ‬النظام‭ ‬المسيطرة‭ ‬فعلياً‭ ‬على‭ ‬الحزب‭ ‬والدولة،‭ ‬أديّا‭ ‬للانتقال‭ ‬من‭ ‬تحريم‭ ‬السياسة‭ ‬إلى‭ ‬تجريم‭ ‬الاعتراف‭ ‬بالواقع،‭ ‬فبات‭ ‬وصف‭ ‬الواقع‭ ‬هو‭ ‬العمل‭ ‬الطائفي،‭ ‬وليس‭ ‬الواقع‭ ‬ذاته‭ ‬كما‭ ‬فرضه‭ ‬النظام‭. ‬ومع‭ ‬تعذّر‭ ‬القيام‭ ‬بأي‭ ‬عمل‭ ‬سياسي‭ ‬سلمي‭ ‬لتغيير‭ ‬السلطة‭ ‬أو‭ ‬تداولها،‭ ‬باتت‭ ‬خيارات‭ ‬التغيير،‭ ‬إما‭ ‬عبر‭ ‬المواجهة‭ ‬التي‭ ‬ستتخذ‭ ‬حتماً‭ ‬بعداً‭ ‬طائفياً،‭ ‬وإما‭ ‬عبر‭ ‬التدخل‭ ‬الخارجي،‭ ‬ولا‭ ‬ثالث‭ ‬لهما‭. ‬وما‭ ‬حصل‭ ‬في‭ ‬الثورة‭ ‬السورية‭ ‬هو‭ ‬الدليل‭ ‬الساطع‭ ‬على‭ ‬ذلك‭.‬

يقال،‭ ‬عبر‭ ‬النقل‭ ‬الشفوي‭ ‬وغير‭ ‬المكتوب‭ ‬لآراء‭ ‬إلياس‭ ‬مرقص،‭ ‬إنه‭ ‬عندما‭ ‬التقى‭ ‬رياض‭ ‬الترك‭ ‬في‭ ‬بيروت‭ ‬بعد‭ ‬ثورة‭ ‬إيران‭ ‬الإسلامية‭ ‬عام‭ ‬1979،‭ ‬التي‭ ‬كان‭ ‬يراها‭ ‬مرقص‭ ‬أكبر‭ ‬خطر‭ ‬مقبل‭ ‬من‭ ‬الشرق،‭ ‬قال‭ ‬مرقص‭ ‬للترك‭ ‬بأنه‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬يملك‭ ‬سوى‭ ‬خيارين‭: ‬إما‭ ‬حل‭ ‬نفسه‭ ‬‮«‬أي‭ ‬حزبه‮»‬‭ ‬أو‭ ‬التوجه‭ ‬نحو‭ ‬السلاح،‭ ‬لكن‭ ‬الترك‭ ‬أبى‭ ‬أن‭ ‬يأخذ‭ ‬بأي‭ ‬من‭ ‬الخيارين‭ ‬فدخل‭ ‬السجن‭ ‬بعد‭ ‬عام‭ ‬واحد،‭ ‬وبقي‭ ‬فيه‭ ‬حتى‭ ‬عام‭ ‬1998،‭ ‬بينما‭ ‬ذهب‭ ‬الإخوان‭ ‬المسلمون‭ ‬وحدهم‭ ‬نحو‭ ‬خيار‭ ‬السلاح‭ ‬والتحشيد‭ ‬على‭ ‬أساس‭ ‬طائفي،‭ ‬فرد‭ ‬الأسد‭ ‬بسحق‭ ‬الإخوان‭ ‬عسكرياً،‭ ‬وتصفية‭ ‬كل‭ ‬اليسار‭ ‬المعارض‭ ‬سياسياً‭ ‬بحجّة‭ ‬الإخوان،‭ ‬مع‭ ‬استثناء‭ ‬أحزاب‭ ‬الجبهة‭ ‬التقدمية،‭ ‬التي‭ ‬باتت‭ ‬معارضتها‭ ‬‮«‬نظامية‮»‬‭ ‬بدون‭ ‬أي‭ ‬تأثير‭ ‬أو‭ ‬حتى‭ ‬تدخل‭ ‬في‭ ‬سياسة‭ ‬البلد‭.‬

لكن‭ ‬التاريخ‭ ‬أعاد‭ ‬نفسه‭ ‬مع‭ ‬انطلاق‭ ‬الثورة‭ ‬السورية‭ ‬عام‭ ‬2011،‭ ‬وأعاد‭ ‬اليسار‭ ‬والإخوان‭ ‬السيناريو‭ ‬نفسه‭ ‬وكل‭ ‬من‭ ‬موقعه،‭ ‬حيث‭ ‬ذهب‭ ‬الإخوان‭ ‬مع‭ ‬الخيار‭ ‬الشعبي‭ ‬بالتسلح‭ ‬حتى‭ ‬آخره،‭ ‬واستثمروه‭ ‬جيداً‭ ‬في‭ ‬التحشيد‭ ‬على‭ ‬أساس‭ ‬إسلامي‭ ‬طائفي،‭ ‬ورفضت‭ ‬هيئة‭ ‬التنسيق،‭ ‬مسألة‭ ‬السلاح‭ ‬بشكل‭ ‬شبه‭ ‬مطلق،‭ ‬بل‭ ‬أدى‭ ‬رفضهم‭ ‬الاعتراف‭ ‬بالجيش‭ ‬الحر‭ ‬إلى‭ ‬انهيار‭ ‬الاتفاق‭ ‬الأهم‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬سيجمع‭ ‬الهيئة‭ ‬والمجلس‭ ‬الوطني‭ ‬في‭ ‬القاهرة‭ ‬2012،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬تحالف‭ ‬إعلان‭ ‬دمشق‭ ‬مع‭ ‬الإخوان‭ ‬راضياً‭ ‬بمسألة‭ ‬السلاح،‭ ‬وحتى‭ ‬الأسلمة،‭ ‬بدون‭ ‬أن‭ ‬يلوّث‭ ‬يديه‭ ‬فعلياً‭ ‬بأي‭ ‬منهما‭.‬

ومثلما‭ ‬كان‭ ‬من‭ ‬الطبيعي‭ ‬في‭ ‬الثمانينيات‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬الجهة‭ ‬الأولى‭ ‬التي‭ ‬تعرض‭ ‬السلاح‭ ‬على‭ ‬معارضة‭ ‬إسلامية،‭ ‬هي‭ ‬جهات‭ ‬إسلامية،‭ ‬كان‭ ‬من‭ ‬الطبيعي‭ ‬بعد‭ ‬الثورة‭ ‬أن‭ ‬تعرض‭ ‬الجهات‭ ‬الإسلامية‭ ‬ذاتها،‭ ‬أو‭ ‬أخواتها،‭ ‬السلاح‭ ‬على‭ ‬المعارضة‭ ‬الإسلامية‭ ‬ذاتها،‭ ‬أو‭ ‬أخواتها‭. ‬ومثلما‭ ‬وقف‭ ‬العالم‭ ‬مع‭ ‬النظام‭ ‬في‭ ‬الثمانينيات،‭ ‬حفاظاً‭ ‬على‭ ‬أمن‭ ‬إسرائيل‭ ‬واتقاء‭ ‬لشرِّ‭ ‬ثورة‭ ‬إسلامية‭ ‬رديفة‭ ‬للثورة‭ ‬الإيرانية‭ ‬في‭ ‬سوريا،‭ ‬كذلك‭ ‬فعل‭ ‬بعد‭ ‬2011،‭ ‬ولاسيما‭ ‬بعد‭ ‬انتصار‭ ‬الإخوان‭ ‬المسلمين‭ ‬في‭ ‬مصر‭ ‬واتجاههم‭ ‬السريع‭ ‬نحو‭ ‬أسلمة‭ ‬الدولة،‭ ‬لاسيما‭ ‬القضاء‭ ‬والتعليم‭ ‬والجيش،‭ ‬ووضوح‭ ‬مشروعهم‭ ‬الإقليمي‭ ‬الممتد‭ ‬من‭ ‬تونس‭ ‬إلى‭ ‬تركيا،‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬لابد‭ ‬من‭ ‬تحطيمه‭.‬

إذا‭ ‬كانت‭ ‬انتهازية‭ ‬الإخوان‭ ‬قد‭ ‬لعبت‭ ‬دوراً‭ ‬فاعلاً‭ ‬في‭ ‬أسلمة‭ ‬الثورة،‭ ‬فإن‭ ‬انتهازية‭ ‬اليسار‭ ‬المعارض‭ ‬لعبت‭ ‬دوراً‭ ‬لا‭ ‬يقل‭ ‬أهمية‭ ‬في‭ ‬عملية‭ ‬الأسلمة‭ ‬ذاتها‭ ‬وإن‭ ‬كان‭ ‬بالمعنى‭ ‬السلبي‭ ‬للعبارة،‭ ‬حيث‭ ‬إن‭ ‬الفراغ‭ ‬الذي‭ ‬تركه‭ ‬اليسار‭ ‬بعدم‭ ‬تبنيّه‭ ‬الصريح‭ ‬لخيارات‭ ‬الناس‭ ‬وعدم‭ ‬دخوله‭ ‬العملي‭ ‬المسلح‭ ‬في‭ ‬خيارات‭ ‬الثورة‭ ‬الإجبارية‭ ‬التي‭ ‬فرضها‭ ‬عنف‭ ‬النظام،‭ ‬جعل‭ ‬من‭ ‬القوى‭ ‬الإسلامية‭ ‬هي‭ ‬الأقوى‭ ‬على‭ ‬الأرض‭ ‬وفي‭ ‬السياسة،‭ ‬وجعل‭ ‬التمويل‭ ‬يتجه‭ ‬كعادته‭ ‬نحو‭ ‬الإسلاميين،‭ ‬ووضعَ‭ ‬اليسار‭ ‬عموماً‭ ‬في‭ ‬موقع‭ ‬المتفرّج‭ ‬والمشاهد‭ ‬والحَكَمْ،‭ ‬لا‭ ‬في‭ ‬موقع‭ ‬القرار‭ ‬وصنع‭ ‬الاستراتيجيات‭ ‬العسكرية‭ ‬والسياسية‭.‬

‭ ‬لقد‭ ‬ترفَّعَ‭ ‬اليسار‭ ‬وأراد‭ ‬أن‭ ‬يحصد‭ ‬النتائج،‭ ‬بدون‭ ‬أن‭ ‬تغوص‭ ‬أقدامه‭ ‬في‭ ‬الوحل،‭ ‬وأراد‭ ‬كعادته‭ ‬أن‭ ‬يلعب‭ ‬سياسة‭ ‬ضد‭ ‬من‭ ‬يعلن‭ ‬عليه‭ ‬الحرب‭ ‬صراحة،‭ ‬وفي‭ ‬وقت‭ ‬كانت‭ ‬فيه‭ ‬الكلمة‭ ‬الفصل،‭ ‬لأي‭ ‬سياسة‭ ‬مهما‭ ‬كانت،‭ ‬هي‭ ‬للحرب‭ ‬وموازين‭ ‬قوتها‭. ‬كان‭ ‬إعلان‭ ‬دمشق؛‭ ‬الذي‭ ‬يشكّل‭ ‬حزب‭ ‬الترك‭ ‬أحد‭ ‬أهم‭ ‬أعمدته،‭ ‬كمن‭ ‬يريد‭ ‬القتال‭ ‬بأدوات‭ ‬إسلامية‭ ‬للحصول‭ ‬على‭ ‬نتائج‭ ‬علمانية‭! ‬فيما‭ ‬كانت‭ ‬هيئة‭ ‬التنسيق‭ ‬كمن‭ ‬يغني‭ ‬للعرس‭ ‬الديمقراطي‭ ‬في‭ ‬حفلة‭ ‬الدماء‭ ‬التي‭ ‬غطت‭ ‬أرض‭ ‬سوريا‭.‬

عودة‭ ‬إلى‭ ‬المسرح‭:‬

نشرت‭ ‬‮«‬القدس‭ ‬العربي‮»‬‭ ‬حواراً‭ ‬صحافياً‭ ‬مع‭ ‬المعارض‭ ‬البارز‭ ‬رياض‭ ‬الترك،‭ ‬أجراه‭ ‬محمد‭ ‬علي‭ ‬الأتاسي‭ ‬في‭ ‬باريس،‭ ‬وقد‭ ‬أشار‭ ‬الترك‭ ‬في‭ ‬اللقاء‭ ‬إلى‭ ‬عدة‭ ‬نقاط‭ ‬مهمة‭ ‬وموحية،‭ ‬أبرزت‭ ‬أهم‭ ‬آليات‭ ‬العمل‭ ‬المعارض‭ ‬بعد‭ ‬الثورة،‭ ‬وأشارت‭ ‬إلى‭ ‬نقاط‭ ‬الخلل‭ ‬والضعف‭ ‬والأخطاء‭ ‬الجوهرية‭ ‬التي‭ ‬صاحبت‭ ‬صعود‭ ‬مؤسسات‭ ‬المعارضة،‭ ‬ممثلة‭ ‬بشكل‭ ‬أساسي‭ ‬بالمجلس‭ ‬الوطني‭ ‬والائتلاف،‭ ‬كما‭ ‬دعا‭ ‬إلى‭ ‬إجراء‭ ‬مراجعة‭ ‬نقدية‭ ‬شاملة‭ ‬للعمل‭ ‬المعارض‭.‬

سأكتفي‭ ‬هنا‭ ‬بالإشارة‭ ‬النقدية‭ ‬إلى‭ ‬نقطتين‭ ‬إشكاليتين‭ ‬في‭ ‬طرح‭ ‬الترك،‭ ‬تعبران‭ ‬عن‭ ‬خلل‭ ‬جوهري‭ ‬في‭ ‬علاقة‭ ‬المعارضة‭ ‬اليسارية‭ ‬بالسلطة،‭ ‬أي‭ ‬النظام،‭ ‬أولاً،‭ ‬ثم‭ ‬علاقتها‭ ‬بالشعب‭ ‬السوري‭ ‬ثانياً،‭ ‬ثم‭ ‬علاقتها‭ ‬بالعالم‭ ‬أخيراً‭.  ‬يقول‭ ‬الترك‭ ‬في‭ ‬الحوار‭ ‬المشار‭ ‬إليه‭ ‬أعلاه‭: ‬‮«‬إن‭ ‬الخلل‭ ‬الرئيسي‭ ‬اليوم‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬في‭ ‬بقاء‭ ‬الأسد‭ ‬من‭ ‬عدمه،‭ ‬أو‭ ‬في‭ ‬التمديد‭ ‬له‭ ‬سنتين‭ ‬أو‭ ‬أكثر،‭ ‬الخلل‭ ‬الرئيسي‭ ‬والحلقة‭ ‬المفصلية‭ ‬اليوم‭ ‬هي‭ ‬في‭ ‬الاحتلال،‭ ‬وضرورة‭ ‬النضال‭ ‬في‭ ‬سبيل‭ ‬إنهائه‮»‬‭. ‬وعندما‭ ‬يسأله‭ ‬الصحافي؛‭ ‬المُحب‭ ‬والنديم؛‭ ‬علي‭ ‬الأتاسي‭ ‬إن‭ ‬كان‭ ‬يدعو‭ ‬إلى‭ ‬تسوية‭ ‬سياسية‭ ‬مع‭ ‬النظام،‭ ‬يجيب‭ ‬بما‭ ‬معناه‭ ‬أن‭ ‬وجود‭ ‬النظام‭ ‬ليس‭ ‬سوى‭ ‬وهم‭ ‬في‭ ‬رؤوس‭ ‬البعض،‭ ‬ويستخلص‭ ‬ما‭ ‬يلي‭: ‬‮«‬رأيي‭ ‬أن‭ ‬الكلام‭ ‬الغربي‭ ‬عن‭ ‬تسوية‭ ‬سياسية‭ ‬مقابل‭ ‬إعادة‭ ‬الإعمار،‭ ‬لا‭ ‬يصلح‭ ‬هو‭ ‬الآخر‭ ‬كأساس‭ ‬للحل،‭ ‬الأهم‭ ‬اليوم‭ ‬هو‭ ‬ألا‭ ‬تبقى‭ ‬سوريا‭ ‬فارغة‭ ‬من‭ ‬أبنائها،‭ ‬وعلينا‭ ‬أن‭ ‬نعمل‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬تسوية‭ ‬سياسية‭ ‬تسمح‭ ‬بأن‭ ‬يعود‭ ‬السوريون‭ ‬إلى‭ ‬بلدهم‭. ‬من‭ ‬أجل‭ ‬ذلك‭ ‬فإن‭ ‬المعركة‭ ‬اليوم‭ ‬هي‭ ‬مع‭ ‬المُحتل،‭ ‬وليس‭ ‬مع‭ ‬النظام،‭ ‬لأنه‭ ‬لم‭ ‬يبق‭ ‬هناك‭ ‬نظام‭ ‬يحكم،‭ ‬ولكن‭ ‬هناك‭ ‬بلد‭ ‬محتل‭ ‬ومحكوم‭ ‬من‭ ‬الأجنبي‮»‬‭. ‬وهنا‭ ‬نضع‭ ‬بعض‭ ‬الملاحظات‭: ‬

*أولاً،‭ ‬إن‭ ‬الكلام‭ ‬عن‭ ‬الخلل‭ ‬الرئيسي‭ ‬باعتباره‭ ‬‮«‬لم‭ ‬يعد‭ ‬في‭ ‬بقاء‭ ‬الأسد‭ ‬من‭ ‬عدمه‭ ‬أو‭ ‬التمديد‭ ‬له‭ ‬سنتين‭ ‬أو‭ ‬أكثر‮»‬‭ ‬هو‭ ‬كلام‭ ‬يقوله‭ ‬مؤرخ‭ ‬من‭ ‬برجه‭ ‬العاجي،‭ ‬لا‭ ‬سياسيا‭ ‬عضويا‭ ‬وعاملا‭ ‬على‭ ‬أرض‭ ‬السياسة‭. ‬فاليوم‭ ‬الذي‭ ‬يمضي‭ ‬على‭ ‬السوريين‭ ‬الآن‭ ‬هو‭ ‬بمثابة‭ ‬دهر،‭ ‬فما‭ ‬بالك‭ ‬بسنتين‭ ‬أو‭ ‬أكثر‭. ‬وإن‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬عمل‭ ‬السياسي‭ ‬مُخططا‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬يمكن‭ ‬فعله‭ ‬اليوم،‭ ‬قبل‭ ‬غد،‭ ‬فلا‭ ‬نفع‭ ‬من‭ ‬عمله،‭ ‬ولن‭ ‬يصدقه‭ ‬أحد،‭ ‬في‭ ‬خطابه‭ ‬التاريخي‭ ‬القائم‭ ‬على‭ ‬المستقبل،‭ ‬فأي‭ ‬استراتيجية‭ ‬تاريخية‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يقيمها‭ ‬حزب‭ ‬في‭ ‬العالم،‭ ‬على‭ ‬بقاء‭ ‬الأسد‭ ‬لعام‭ ‬2021،‭ ‬ثم‭ ‬التمديد‭ ‬له‭ ‬لسنتين،‭ ‬أو‭ ‬أكثر؟

*ثانياً،‭ ‬إذا‭ ‬كانت‭ ‬رؤية‭ ‬الترك‭ ‬بأن‭ ‬‮«‬المعركة‭ ‬اليوم‭ ‬هي‭ ‬مع‭ ‬المُحتل،‭ ‬وليست‭ ‬مع‭ ‬النظام‭ ‬لأنه‭ ‬لم‭ ‬يبق‭ ‬هناك‭ ‬نظام‭ ‬يحكم،‭ ‬ولكنْ‭ ‬هناك‭ ‬بلد‭ ‬محتل‭ ‬ومحكوم‭ ‬من‭ ‬الأجنبي‮»‬‭ ‬هي‭ ‬تحليل‭ ‬سياسي،‭ ‬فتلك‭ ‬مصيبة،‭ ‬ولكن‭ ‬إذا‭ ‬كانت‭ ‬رؤيته‭ ‬تلك‭ ‬هي‭ ‬برنامج‭ ‬عمل‭ ‬سياسي‭ ‬فالمصيبة‭ ‬هنا‭ ‬مثل‭ ‬الوعد،‭ ‬لا‭ ‬تُرَدُّ‭ ‬ولا‭ ‬تزولُ،‭ ‬حيث‭ ‬إن‭ ‬توجيه‭ ‬معركة‭ ‬السوريين‭ ‬نحو‭ ‬أي‭ ‬عدو‭ ‬آخر‭ ‬غير‭ ‬النظام‭ ‬الذي‭ ‬ثاروا‭ ‬ضده،‭ ‬هو‭ ‬عبارة‭ ‬عن‭ ‬نكوص‭ ‬يساري‭ ‬جديد‭ ‬نحو‭ ‬معارك‭ ‬قديمة؛‭ ‬لم‭ ‬يخضها،‭ ‬ضد‭ ‬الاحتلال،‭ ‬وعودة‭ ‬للتعالي‭ ‬على‭ ‬الشعب،‭ ‬والانفصال‭ ‬عن‭ ‬موازين‭ ‬القوى،‭ ‬فحتى‭ ‬لو‭ ‬كان‭ ‬صحيحاً‭ ‬أن‭ ‬سوريا‭ ‬بلد‭ ‬محتل‭ ‬من‭ ‬عدة‭ ‬قوى‭ ‬أجنبية‭ ‬متضاربة،‭ ‬وهو‭ ‬صحيح،‭ ‬فإن‭ ‬الهدف‭ ‬الجامع‭ ‬لتلك‭ ‬القوى،‭ ‬هو‭ ‬حماية‭ ‬الطرف‭ ‬الأقوى‭ ‬الذي‭ ‬يحمي‭ ‬بدوره‭ ‬مصالحها‭ ‬ويحقق‭ ‬لها‭ ‬الاستقرار،‭ ‬فكيف‭ ‬يُطلب‭ ‬من‭ ‬أي‭ ‬شعب‭ ‬في‭ ‬العالم،‭ ‬أن‭ ‬يقاوم‭ ‬ويقاتل‭ ‬قوىً‭ ‬تحمي‭ ‬قاتله،‭ ‬بينما‭ ‬لا‭ ‬يستطيع‭ ‬المتكلم‭ ‬نفسه‭ ‬العودة‭ ‬إلى‭ ‬سوريا‭ ‬بدون‭ ‬وساطة‭ ‬دولية‭ ‬مع‭ ‬القاتل‭ ‬إياه‭! ‬وكيف‭ ‬تطلق‭ ‬خطاباً‭ ‬يعادي‭ ‬جميع‭ ‬القوى‭ ‬المتدخلة‭ ‬في‭ ‬سوريا،‭ ‬ثم‭ ‬تطلب‭ ‬من‭ ‬القوى‭ ‬ذاتها‭ ‬أن‭ ‬تنصرك‭ ‬في‭ ‬تسويتك‭ ‬الميتافيزيقية‭ ‬العادلة‭ ‬مع‭ ‬النظام‭! ‬لقد‭ ‬اختار‭ ‬النظام‭ ‬على‭ ‬الأقل‭ ‬اثنتين‭ ‬من‭ ‬تلك‭ ‬القوى‭ ‬المحتلة،‭ ‬مع‭ ‬أنه‭ ‬يعرف‭ ‬أنها‭ ‬محتلة،‭ ‬كحلفاء‭ ‬له،‭ ‬بينما‭ ‬خسرت‭ ‬أنت‭ ‬جميع‭ ‬الحلفاء،‭ ‬وتريد‭ ‬من‭ ‬الشعب‭ ‬قتالهم‭ ‬جميعاً،‭ ‬أي‭ ‬دونكيشوتية‭ ‬تلك؟‭ ‬وأي‭ ‬طواحين‭ ‬هواء‭ ‬تحارب؟

*ثالثاً،‭ ‬إذا‭ ‬كانت‭ ‬عدمية‭ ‬الإسلاميين‭ ‬هي‭ ‬عدمية‭ ‬معادية‭ ‬للعالم‭ ‬جوهرياً،‭ ‬وعلى‭ ‬أسس‭ ‬حضارية‭ ‬لا‭ ‬يفهمها‭ ‬إلا‭ ‬أمثال‭ ‬هنتنغتون،‭ ‬وإذا‭ ‬كانت‭ ‬معاداة‭ ‬الغرب‭ ‬تحديداً‭ ‬لم‭ ‬تجلب‭ ‬للإسلام‭ ‬ولا‭ ‬للمسلمين‭ ‬سوى‭ ‬الهزائم‭ ‬والكوارث‭ ‬المتلاحقة‭ ‬منذ‭ ‬الثورة‭ ‬الصناعية،‭ ‬فلماذا‭ ‬على‭ ‬حزب‭ ‬يساري‭ ‬معارض،‭ ‬يتنطع‭ ‬لقيادة‭ ‬ثورة‭ ‬لم‭ ‬تخرج‭ ‬إلا‭ ‬للدخول‭ ‬في‭ ‬أتون‭ ‬العالم‭ ‬الحديث،‭ ‬والتصالح‭ ‬معه،‭ ‬واستجلاب‭ ‬ديمقراطيته‭ ‬لتصبح‭ ‬جزءًا‭ ‬من‭ ‬حياة‭ ‬الشعب‭ ‬الذي‭ ‬أرهقه‭ ‬الاستبداد،‭ ‬لماذا‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬الحزب‭ ‬أن‭ ‬يعادي‭ ‬الغرب‭ ‬والشرق‭ ‬باعتبارهما‭ ‬معاً‭ ‬قوى‭ ‬أجنبية‭ ‬تحتل‭ ‬سوريا؟

نعتقد‭ ‬أنه‭ ‬إذا‭ ‬كان‭ ‬على‭ ‬المعارضة‭ ‬السورية‭ ‬بجميع‭ ‬أجنحتها‭ ‬نقد‭ ‬ومراجعة‭ ‬تجربتها،‭ ‬كما‭ ‬يطلب‭ ‬الترك‭ ‬نفسه‭ ‬في‭ ‬المقابلة،‭ ‬فإن‭ ‬على‭ ‬اليسار‭ ‬السوري‭ ‬المعارض‭ ‬تحديداً،‭ ‬مراجعة‭ ‬الأسس‭ ‬الفكرية‭ ‬والأيديولوجية‭ ‬التكوينية‭ ‬التي‭ ‬بنى‭ ‬نفسه‭ ‬على‭ ‬قواعدها،‭ ‬وإعادة‭ ‬تقويم‭ ‬القيم‭ ‬الأساسية‭ ‬التي‭ ‬دافع‭ ‬عنها‭ ‬ليرى‭ ‬مدى‭ ‬حداثتها‭ ‬أو‭ ‬قدامتها،‭ ‬خدمتها‭ ‬للفاشية‭ ‬أم‭ ‬الديمقراطية،‭ ‬معاداتها‭ ‬للعالم‭ ‬الديمقراطي‭ ‬والليبرالي‭ ‬أو‭ ‬مساوقتها‭ ‬وتبنيها‭ ‬الجدي‭ ‬للقيم‭ ‬المعاصرة‭. ‬أما‭ ‬الاكتفاء‭ ‬بالإشارة‭ ‬لخطأ‭ ‬هنا‭ ‬وخطأ‭ ‬هناك،‭ ‬برنامج‭ ‬صحيح‭ ‬هنا‭ ‬وآخر‭ ‬خاطئ‭ ‬هناك،‭ ‬فتلك‭ ‬جميعها‭ ‬ليست‭ ‬سوى‭ ‬أعراض،‭ ‬لن‭ ‬يجدي‭ ‬تغييرها‭ ‬إلا‭ ‬بتغيير‭ ‬الوجوه‭ ‬القائمة‭ ‬عليها،‭ ‬الأجدى‭ ‬هو‭ ‬مراجعة‭ ‬جوهر‭ ‬العقيدة‭ ‬اليسارية‭ ‬ونقدها‭ ‬جذرياً،‭ ‬وإعادة‭ ‬بناء‭ ‬علائقها‭ ‬على‭ ‬نحو‭ ‬مختلف‭ ‬وأسس‭ ‬جديدة،‭ ‬إن‭ ‬كان‭ ‬مع‭ ‬الشعب،‭ ‬أو‭ ‬مع‭ ‬فكرة‭ ‬السلطة،‭ ‬أو‭ ‬مع‭ ‬العالم‭ ‬الخارجي‭. ‬

*كاتب‭ ‬سوري

  • Social Links:

Leave a Reply