
نورس يكن – بروكار برس
لم تعتريني قشعريرة طويلة وشديدة منذ زمن طويل، لم تنطفئ عيني، ولم يبكِ فؤادي، ولا روحي احترقت، ولا مت من قبل كما حصل معي اليوم.
ظهر عبد الباسط الساروت من أحلامنا، هو وجهنا في كل زقاق من أزقة البلد المتعب الذي اختارنا لنكون أبناءه، كان له عيون أولاد البلد الشقية وسمرتهم المعتادة، سمرة الاكتساء بشمسنا التي كنا نعتقد أنها لا تشبه الشمس في العالم.
للساروت أيضاً أحلامٌ تشبهنا، كان يودّ أن يكون لاعب كرة قدم، حارس مرمى بالتحديد، ولابدّ أنّه كان مولعاً بأوليفر كان، أو سيب ماير، أو بيتر شمايكل، وربما علّق صورهم على حائط غرفته يوماً، أو قصها من الجرائد ليجمعها في دفتر.
نستطيع إذا ما تخيلنا الساروت طفلاً، تقدير أنّ من الهوايات التي كان يرغب بممارستها جمع الطوابع، الهواية الراقية والعميقة التي كانت من مجمل الهوايات المُقترحة علينا في المدارس وبرامج الأطفال على التلفزيون، غير أنّ باسط كان مثلنا، يلعب “الدحل” أو “الگلال”، ولا شكّ أنّه وأولاد حارته جمعوا جوارب مثقوبة وكوّروها ليقلّدوا روماريو وريفالدو، وربما سرقوا السجائر ليدخنوا خلسةً ويلفتوا أنظار بنات الحارة.
كَبُر السوري عبد الباسط، وكذلك كبرنا نحن جيل الحصار الاقتصادي، الحصار الذي، حتى لو لم نعشه، رأيناه في عيون أهلنا الذين كانوا يحرصون على نعمة المنديل الورقي المُهرّب كحلم. لقد كبر الجيل الذي كان يصله الموز بطرق غير شرعية، كما لو أنّه حشيش أو مخدرات، ذلك الجيل المُعلّب برسائل “ماما فاتنة” وروايات عبير، والمُندهش ببرنامج طرائف من العالم.
يقول عبد الباسط الساروت: “هذه الثورة ربانية، لو اجتمعت دول وعلماء وسياسيين للتخطيط لها ما كانت لتنجح، لكنها ربانية”، وفي كلام الساورت حقيقة قالها بلغته السورية الأصيلة، فنحن نصف كل الأشياء المدهشة بالربانية، نحن من بلد مؤمن، ومن مجتمع يقسم خبزه وماءه ودياره مع الضيوف، كما تقاسم سكان المدينة دورهم وزادهم مع مهاجري مكة، ولأن الضيف “ضيف الله”.
هذه الثورة “ربانية”، أو هي حدث صادم صفع التاريخ على وجهه، تفاجأ النظام بانقلاب السوريين عليه، وتفاجأ العرب باهتزاز عرش البعث في دمشق، وهربوا من حوله فارين، حتى أنّ السوريين تفاجئوا من أنفسهم عندما قالوا “عاشت سوريا ويسقط بشار الأسد”، وحين ردّدوا “سوريا لينا وماهي لبيت الأسد”، وصاحوا مع الساروت: “جنة جنة جنة، والله يا وطننا”.
مشت هذه الثورة طريقها دون أي خطة واضحة، فاجأت العالم تارة، وفاجأها العالم تارات، لقد صعدت وتألقت وتراخت واستحالت ضعيفة، ثم انكسرت، ثم قامت.
ومشى الساروت طريقه بدون أي خطة واضحة، فاجأ السوريين بوعي سلميٍّ آخاذ، مع أنه لم يحضر أي ورشة “نضال لا عنفي” في إسطنبول أو غازي عنتاب.
صعد آخذاً بيد فدوى، كأبطال حكايات ديزني، وقفا كما لو أنّ جبل عبدالعزيز مدّ يده وسحب جبل الشيخ إليه، فالتقوا في تدمر، في حمص، وعلى جنبات العاصي الذي كان عصياً على الهكسوس في قادش، وتندر على المغول.
تألق الساروت في حبه لسوريا، في حبه لحمص التي قال عنها: “أنا شب بهالعمر ما حبيت غير حمص”، وكيف يكون ذود السوري عن معشوقته إلا ببارودته، وهو قد تربّى على الأجداد يغنون: “وأن هللتي هللنالك، صفينا البارود گبالك”.
تلقى عبد الباسط كل صفعات الثورة على وجهه، انحسر معها، وعاد مع عودتها، بكاها، وأبكاها، انكسر بانكساراتها، ورد عليها هزائمها، كما ردهم عنها، أتعبَ صدره كثرة الدق عليه كرمى لترابها، فذهب يعانقه ويرتاح إلى الأبد.
هكذا انعكست صورة السوري في الساروت، صورة الإنسان، وهكذا رحل الولد الجريء، الذي أطلق العنان لمخيلته وعواطفه فلبّاها، لقد كان العالم بالنسبة له هو حمص، وسوريا ربما هي المجرة، ولذا خربش على جدران هذه المجرة بكل خواطره.
قصة شعبية رسمها شاب يشبه تراب الأرض التي تربى عليها، شابٌّ يشبه أبو زيد الهلالي أو الزير سالم أو عنترة، يشبه أدهم خنجر أو صالح العلي أو أدهم الشرقاوي.
ومن جديد لا يمكن للقدر إلا أن يتواطأ مع أبطال القصص، فيعطيهم فرصة الرسالة الأخيرة، التي تعيش بعد أن يأخذوا مآثرهم وأخطاءهم ويرحلوا بها، ولعبد الباسط كغيره رسالة: “سوريا ظلي واقفة”.

Social Links: