في إجلال الأيقونة.. و هجاء “النخبة” إبراهيم الجبين *

في إجلال الأيقونة.. و هجاء “النخبة” إبراهيم الجبين *

بروكار برس –
كان لهذه الانتفاضة الشعبية السورية التي اندلعت شرارتها ربيع العام ،2011 أن تجعل من ذاتها في ممرات كثيرة، ظاهرة إنسانية عالمية جديرة بالدرس والبحث المعمق، ليس فقط في مراراتها و حسب، بل حتى في بهجاتها و سطوحها المضيئة.. و هي إن لم تقدّم النموذج السياسي الأكثر نضجاً حتى اليوم، إلا أنها قدّمت الرد على أكثر الأسئلة الجارحة التي واجهها بها المراقبون، و في أحيان كثيرة، #أبناؤها ذاتهم الذين لم تتلعثم ألسنتهم و هم يصفونها #زوراً و #تعالياً بأنها “ثورة أرياف”، و هي في جوهرها “ثورة #البحث عن التمدّن” بجدارة.
يوم واحد مضى على استشهاد حارس كرة القدم و المغني الشاب عبد الباسط الساروت على تخوم حماة.. ابن مدينة حمص، الذي يلخّص مساره و تحولاته مسار و تحولات الانتفاضة ذاتها.. و الثورة التي حاول و يحاول الجهل و النفاق النخبوي كسرها
و وصمها بما لا حصر و لا عد له من الاتهامات، فقط كي يُعفي #مروجو تلك الخرافات أنفسهم من العمل و من تحمّل المسؤولية عما كان، و ما ينبغي أن يكون و ما سيكون.
لم يكن الساروت واحداً من أبطال المشهد الثقافي، و لا سجيناً سياسياً سابقاً و لا منفياً و لا حتى بطلاً من أبطال وسائل التواصل الاجتماعي التي استبدلت ساحات الشاشات بساحات العمل.. كان واحداً من الشعب.. بسيطاً كبساطته و مركباً كتركيبه و صافياً كصفائه.. قدّم ذاته كما فعل شباب سوريون كثر غيره، بجنون وطيش في تلك المغامرة التي اختارها السوريون، و هم يعرفون حق المعرفة، أنها ستواجه بالنار و الرصاص و المعتقلات و البراميل و الكيماوي، و لكنهم واصلوها.. يعلمون أنها لن تكون نزهة قصيرة، و لكنهم مضوا فيها، يعلمون أنها لن تكون برداً و سلاماً على الأبرياء منهم، و لكنهم قبلوا دفع الثمن.. و كان الثمن مفتوحاً على ما لانهاية.
كذب المثقفون و إن صدقوا، ليست الثورة السورية ثورة فقيرة بالمعرفة، و ليست ثورة جهلة و فلاحين و رعاع حفاة يطمعون بكنوز الأثرياء و الوصول إلى السلطة، التي يعتقد هؤلاء أنها حكر عليهم.. هي حركة تاريخ عنيفة تعكس شوق الملايين إلى الدرس الدمشقي الأبدي (درس التمدّن).. و هو الدرس الذي لا يفهمه الساكنون خلف قشرة رخيصة، يحمون بها عريهم و نفاقهم و خواء نفوسهم.
و ها هو الدرس يتكرّر، لكن ما يعوّل عليه ليس أولئك الذين سدوا كل منافذ التطور، بل أبناء الشعب و ملايينه التي تناثرت في البقاع السورية و في المنافي و بلاد اللجوء و المخيمات.
و في الوقت الذي تستعير فيه الشعوب من تاريخها، لشحّ حاضرها، رموزاً و أساطير تحرّض الراهن على التغيير، #قدّم السوريون رموزاً جديدة، حية تنبض، رآها الناس رأي العين، و شهدوا على مآلاتها.
لم يكن بين صفوف الثوار السوريين أندريه مالرو و لا إرنست هيمنغواي كما كان في الثورة الإسبانية التي عرفت 60 ألف متطوع من 50 دولة من أنحاء الأرض، و لكن كان فيها #أكثر من لوركا و غويا.. سوريون صميميون هنا أو هناك على جبهات مختلفة، آمنوا بها و بما ترنو إليه و أدركوا ما تحتاجه من جلدٍ و صبر باهظي الثمن.
و إذ يرجم بعض السوريين، في هذه الأيام، أنفسهم في توهّم المراجعات و محاسبة الذات، يطوون صفحاً في الوقت ذاته عن تحمّل مسؤولية الراهن و المستقبل، بالعجز عن تقديم تصوّر لسوريا الجديدة، دون أن يجلسوا على كرسي القاضي الذي جلَد ثوار سوريا أنفسهم و اتهمهم بالتعصب و التشدّد و الطائفية، و لم يرحمهم لحظة واحدة و لم يترك لهم شبراً مربعاً واحداً للحركة بحرية وسط فيضان الدم، الذي أغرقهم به بشار الأسد و داعميه.. و #فوق ذاك كله أغرقت الغالبية من المنظرين أولئك الثوار بنظريات عن الهزيمة و الردة و انتصار المجرم، كي لا يبقوا لهم مجالاً حتى لأمل صغير أو لشعاع ضوء يلاحقونه.
غير أن عظة الساروت كانت و لم تزل هي التمسك بذلك الشعاع من الأمل، و اليقين الراسخ بأن الانتفاضة حتماً ستؤدي إلى التغيير، و أنها و إن مرّت بالكثير من العثرات، إلا أنها واقفة.. و أن سوريا لن تعود يوماً إلى ما كانت عليه قبل ذلك الربيع الذي تفجّرت ينابيعه و أزهاره قبل أعوام.
لا يزال الكثير ممن يعتقدون أنهم نخب الثورة السورية، يفهمون #توهماً أن كارل ماركس كان يعني من عبارته الشهيرة “لن أدفع شيئاً من أجل الشعبية” أن الطبيعي هو أن تكون مترفّعاً متعالياً على الناس، على الشعب، كان ماركس #يقصد أنك لست مضطراً للهاث بحثاً عن الشعبية.. و أنها ستأتي حتماً، حين تتناغم روحك مع روح الشعب، و أفكارك مع ما يحتاجه أبناء الشعب.
من الشعر بدأت أيقونة الساروت، من الخيال، و الأغنية، و الهتاف الشعبي و اللهجة الدارجة.. و إلى السماء أوصل الساروت كلماته و أفكاره التي هي ابنة شرعية للطموح الشعبي، حتى أصبح العالم كله يعرف أن السوريين ليسوا مشروعاً إيديولوجياً يهدف للوصول إلى الحكم.. هذا جوهر شخصية الشعب و منبع قوة خطابه، و هو ما يفتقد إليه السياسيون الذين أشاعوا أن العمل السياسي يقتضي التخلي عن المبادئ في أول متطلباته، و أن أي تمسك بها، هو نوع من الجمود و العناد و قلة الخبرة.
الأمر ذاته فعله المفكرون الذين سرعان ما انقلبوا على الناس، و عادوا إلى المنطقة الآمنة التي ألفوها طويلاً، مفضلين التبرؤ مما يجري كي لا يحسب على تاريخهم الشخصي، مع أن الشجاعة التاريخية تقتضي أن تبقى متمسكاً بعمود سفينتك مهما تلاطمت من حولك الأمواج. و لكن الساروت أصر حتى آخر لحظة من عمره على تقديم تلك العظة، بالزجّ بنفسه مغنياً و متظاهراً و مقاتلاً حتى الموت، في المعارك التي تحمي المناطق المحررة و تحمي من خلفها كيان الثورة، كي يُبقي الثقة قائمة، و يترك سراج الأمل متوهجاً.. و كي يعطي لغيره ما ينقصه من عزيمة لمواصلة الانتفاضة بكل صورها.
من حي البياضة الحمصي و غبار الأرياف السورية المجيدة، عبر طيف الساروت، في طريقه إلى الحرية و التمدّن، حارساً و مغنياً و أيقونة شعبية ستبقى عصية على المحو و النسيان. * كاتب و روائي سوري

  • Social Links:

Leave a Reply