آنا نمستوفا
إيفان جولونوف يتحدث إلى وسائل الإعلام في موسكو بعد إطلاق سراحه من السجن. شامل زوماتوف / رويترز
موسكو ـ في الأيام التالية لاعتقال إيفان غولونوف ، وهو صحفي استقصائي احتُجز بتهم تتعلق بالمخدرات ، بدأ العشرات من المراسلين والشخصيات العامة يصطفون – صفوفا – للمشاركة في شكل غريب من الاحتجاجات الخاصة بروسيا .
هنا في روسيا تتطلب المظاهرات الحصول على تصريح رسمي ، يصعب غالبًا الحصول عليه ، فتقوم السلطات على الاغلب بمواجهة المتظاهرين ، وتلجأ الى التنكيل بالتجمعات الحرجة ، وللالتفاف على هذا المطلب سيقفون وحدهم وهم يحملون لافتة أو شعار، دون ان يشكلوا كتلة – اذ لا يمكن لأي من المتظاهرين الوقوف على مسافة أقل من 50 مترًا من بعضهما البعض ، بينما سيشكل الداعمين الاخرين ، صفوفا من المحتجين المموهين في مكان قريب ، كاحتياط وقائي وهم على استعداد للتدخل وتقديم الإغاثة.
وفق هذا التكتيك، خارج مقر الشرطة في وسط العاصمة الروسية ، كانت هناك “اعتصامات فردية” منفصلة للفت الانتباه إلى ما اعترفت به السلطات فيما بعد بأنه اعتقال غير شرعي للصحفي الرصين ، وهو ما أثار إدانة واسعة ترددت بتواتر كبيرعبر وسائل الإعلام العالمية بالاضافة للاعلام الروسي .
بعد عدة أيام من احتجاز غولونوف ، أسقطت السلطات أخيرًا التهم الموجهة إليه . و اليوم أعلن وزير الداخلية أنه سيسعى إلى إقالة اثنين من كبار ضباط الشرطة بسبب الاعتقال ، وهو اعتراف واضح بان عملية الاعتقال كانت عملية فاشلة.وهو فشل سلط الضوء على ثغرة في القوانين الروسية التي تنظم الاحتجاجات ، وادت الى احراج بعض كبار المسؤولين ، لكن عملية الاعتقال الفاشلة سلطت الضوء على قضية أخرى أكثر أهمية :
انها مشكلة سيطرة فلاديمير بوتين ، أو عجزه على ما يبدو ، عن السيطرة على ما يجري في روسيا وأجهزة الأمن بشكل خاص . يمارس الرئيس الروسي بلا شك قدرًا كبيرًا من القوة هنا لكن الاحداث الاخيرة ، تسلط الضوء على التناقض بين كيفية تصويره في الخارج – باعتباره سيدًا للأوركسترا ، يتحمل عواقب جميع تصرفات البلاد ، سواء في الداخل أو في أي مكان آخر – و حدود قدراته الفعلية في الواقع.
كان غولونوف ، مراسل في موقع الأخبار ميدوزا ، قد تحدث عن فساد مزعوم من جانب نائب عمدة موسكو بيوتربريوكوف ، وبحسب ما ورد كان يحقق في تورط ضابط مخابرات كبير في شركة عملاقة عندما قُبض عليه يوم الخميس – صرح ضباط الشرطة إنهم عثروا على المخدرات في حقيبة غولونوف وفي شقته ايضا، ورد الصحفي على هذه الاتهامات فقال إن المخدرات زرعت هناك بواسطة رجال الامن. طغى اعتقاله على منتدى سان بطرسبرغ الاقتصادي الدولي ، وهو حدث سنوي ينظمه الكرملين وتعلق الحكومة الروسية عليه أهمية كبيرة .
كان بوتين يجتمع مع نظيره الصيني شي جين بينغ لكن هذه المحادثات الهامة لم تحظى على تغطية صحفية بسبب اعتقال غولونوف و بدلاً من ذلك ، ركز الصحفيون على اعتقال زميلهم ، الصفحات الأولى في الصحف التجارية الرائدة في البلاد – كوميرسانت ، فيدوموستي ، و آر بي كي- جميعها تحمل عناوين كتب عليها “نحن غولونوف” ، اما افتتاحيات الصحف الاخرى فقد نشرت تقول إنها لا تصدق الأقوال التي تصدرها الشرطة بشأن اعتقال غولونوف. قال لي أولغا بيشكوفا ، نائب رئيس تحرير إذاعة صدى موسكو : “كان مركز الصحافة في المنتدى بأكمله يعج باسم غولونوف – لا أحد منا يمكنه التركيز على بوتين وشي جين” وفقًا لـ Brand Analytics ، وهي شركة أبحاث مقرها في روسيا ، تم تناول اسم الصحفي على وسائل التواصل الاجتماعي 34000 مرة أكثر من بوتين ، في اليوم الأخير من الحدث على الأقل .
باختصار ، بدا واضحا ان العصابة الامنية وربما الجهاز بأكمله قد تجند لصرف الانتباه عن اجتماع بوتين المحدد مسبقا وحيث توقع بوتين أن يحظى بتغطية إعلامية واسعة. لخدمة الاستراتيجية التي تديرها الحكومة . لم يكن الكرملين هو الذي أراد رؤية غولونوف خلف القضبان” ، هذا ما أخبرتني به تانيا لوكشينا ، المديرة المساعدة لقسم أوروبا وآسيا الوسطى في هيومن رايتس ووتش في موسكو.
إن إلقاء القبض على غولونوف والإفراج عنه اللاحق ليسا سوى أحدث مثال عن الأسئلة حول حدود سلطة بوتين. يقول المحللون والنقاد إن هناك درجة من الاستقلالية التي يباشرها ضباط الأمن والمسؤولون الحكوميون الذين يعتقدون أنهم ينفذون رؤى الكرملين النهائية ، وعلى الكرملين مباركة الإجراءات الوحشية مثل القبض على النقاد أو مهاجمتهم أو عليه القبول السلبي بهذه العمليات .
في وقت سابق من هذا العام ، على سبيل المثال ، عندما كان رئيس الوزراء ديمتري ميدفيديف يحاول إقناع الآلاف من كبار رجال الاقتصاد ورجال الأعمال في منتدى الاستثمار الروسي في سوتشي بأن روسيا كانت آمنة ومستقرة للمستثمرين ، قام ضباط الأمن باعتقال المستثمر الأمريكي الرائد مايكل كالفي. وفي حادثة أخرى أثيرت تساؤلات حول ما إذا كان بوتين سيضع توقيعه على الحيثيات التي أفضت الى وفاة المحامي سيرجي ماغنيتسكي في سجن روسي عام 2009 – عندما كان بوتين رئيسًا للوزراء ،- ولكن ينظر إليه على نطاق واسع على أنه ممسك بالعرش ، مما سمح لحكومة الولايات المتحدة بفرض عقوبات مستهدفة الأفراد الروس ، بمن فيهم المقربون من بوتين.
قال لي ديمتري جودكوف ، وهو سياسي روسي معارض ، “هناك نكتة تحظى بشعبية بين نخبة موسكو ، أن بوتين هو مجرد واجهة للجهاز السري الروسي – إنه يعيش في فقاعة لا يستطيع السيطرة عليها ، بينما يتغذى النظام عليه ”
وربما كان أفضل مثال على ذلك هو تسمم سيرجي سكريبال ، وهو جاسوس روسي كان في الواقع عميلًا مزدوجًا لبريطانيا ، وابنته يوليا. – نجا الزوجان من التسمم -، الذي تم تنفيذه بغاز الأعصاب من الترسانة العسكرية وألقى باللوم على اثنين من أعضاء وكالة الاستخبارات العسكرية الروسية. أثارت العملية ، التي تنفي موسكو تورطها فيها ، غضبا دوليًا وطردا لعشرات الدبلوماسيين الروس (الذين يُعتقد على نطاق واسع أنهم جواسيس) من العواصم الغربية.
قال لي يوري كروبنوف ، وهو محلل سياسي مؤيد للكرملين ، إن عمليات كهذه ومنها اعتقال غولونوف قد لا تنفذ بمباركة الرئيس الروسي ، بل في “منطقة رمادية شبه مجرمة” ، كما أخبرني ( يوري كروبنوف ) ، “بوتين لا يستطيع السيطرة” .
ترجمة عن صحيفة أتلانتيك: صفوان موشلي

Social Links: