العلمانية والثورة السورية

العلمانية والثورة السورية

حذام زهور عدي*

– أورينت نت

أتاحت إطالة مدة الثورة السورية طرح مشكلات ومسائل استراتيجية تتعلق ببنية النظام المنشود، والحقيقة أن هذه المسائل طرحت خلال منتديات المثقفين التي كانت السلطة الأسدية تسمح بها في الأوقات التي احتاجت فيها إلى رش بهارات ديمقراطية على طبخة العنف والاستبداد التي أتقنتها، كان مرتادو تلك المنتديات يتحاورون فيها حول مسائل القومية والعلمانية والديمقراطية والعولمة والنظم الاشتركية والرأسمالية وما بينهما وحقوق المرأة إلخ.. وبطبيعة الحال كان حوارهم هامسا لا يتعدى النخب المحدودة المحاطة بآذان مخبري السلطة، مما جعل أولئك المحاورين يشددون الخطوط الحمر الداكنة وينغلقون على أنفسهم خوفا من حساب كان ينتمي باستمرارإلى مسرح العبث واللامعقول.
مع بدء الثورة ساد رأي يقول: لنوحد قوانا الآن من أجل التغيير الثوري وتحقيق الحرية التي حرمنا منها طويلا، ولنؤجل بعض القضايا الشائكة إلى مرحلة المجتمع الحر الجديد ففيه كل شيء قابل للمناقشة والحوار.
لكن آلة الاستبداد التي راهنت على تفتيت مجتمع منهك بالكوارث، وبخمسين سنة من اضطهاد قلّ نظيره، دفعت مجددا إلى إثارة المشكلات النظرية والعملية التي كان يمكن تأجيلها لحوار منتج في بيئة أكثر هدوءا وحرية.
إن طرح مثل هذه الأفكار تحت ضغط العنف المنفلت من عقاله، والمنتج لردود فعل مضطربة لا يوفٌر الوصول إلى نتائج ناضجة وموضوعية، ولن يكون البناء عليها مستقبلا في مصلحة الشعب السوري ونظامه القادم.
ولأن سحب الحوار حول هذه القضايا من التداول أصبح شبه مستحيل نظراً لتشكل كتل وتيارات تحمل لافتاتها، فان إلقاء الضوء على تلك الأفكار ومنها (العلمانية) قد يساهم بإضعاف التشوش وبعثرة قوى الثوار، فالإنسان بطبعه عدوٌ ما يجهل، والمعرفة سيدة الحوار المفيد.

 ما هي العلمانية؟
أجمع المفكرون الغربيون والعرب على أن العلمانية بدأت كحركة فكرية سياسية هدفها إبعاد قوانين الدولة ومرجعيتها عن الكنيسة، وعن تحكم كهنوت رجال الدين بها، والتوجه إلى قوانين تتناسب مع علاقات مجتمع الانتاج الجديد للنظام البورجوازي الصناعي المختلف كليا عن نظام الاقطاع المتحالف مع الكهنوت الكنسي، لكن أولئك المفكرين اختلفوا كثيرا أو قليلا بعد تطور مدلولها المترافق أو المعبٌر عن تطور أساليب حياة المجتمعات التي تبنٌت تلك الأفكار، واختلفت بحسب مدى تفاعلها مع بنيتها وتاريخها وعاداتها وطبيعة شعوبها.
لن أدخل في هذا المقال المحدود بتلك الخلافات، فمجالها في كتب كثيرة بتفصيل ووضوح (1) وإنما سأقف عند اتجاهين أساسيين منها يهماننا في مرتسماتهما الواقعية عند بناء سوريا المستقبلية الحرة.
الاتجاه الأول:
هو الذي تبنٌاه معظم المفكرين العرب في عصر التنوير العربي (أواسط القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين) وشعاره (الدين لله والوطن للجميع) ذلك الشعار الذي تبنته أيضاً الكتلة الوطنية في ثورتها ضدٌ الاستعمار الفرنسي فترة ثلاثينيات القرن المنصرم, وهو يعني عملياً, حق المواطنة المتساوية مع الآخرين مساواة كاملة في الحقوق والواجبات دون تمييز بسبب المذهب أو المعتقد الذي يعتنقه أي مواطن, وبالتالي فإن مرجعية القوانين هي مرجعية مدنية تنبثق من العقد الاجتماعي الذي يعقده الشعب مع سلطته الحاكمة لتحقيق المصلحة الجماعية للمواطنين. تتأثر تلك القوانين بتغير ظروف التطور الإنساني الاجتماعي والثقافي والاقتصادي التي تُنتج المواقف السياسية للدول وطرائق حكمها ,أما القيم الوجدانية والأخلاقية فهي قيم فردية أو جمعية تُترك حرةً لأصحابها، فمن أراد أن يلتزم بالقيم الموروثة ذات المرجعية الدينية فهو حرُفي ما أراد، ومن أراد غير ذلك فهو حرُ ايضاً باختياره.
ومن هنا فإن هذا الاتجاه العلماني لايناقض الدين ولايعاديه – ولاسيما الدين الاسلامي, الذي هو عند أغلب معتنقيه (المذهب السني مثلا) لا توجد فيه سلطة لرجال الدين على مؤسسات الدولة, وهو يقبل الاجتهاد بقوانينه الدنيوية, حسب الإشارات المتعددة التي جاءت في السيرة النبوية وفي سير الخلفاء الراشدين ثم باجتهادات الأئمة الأربعة وغيرهم من فقهاء العصور الذهبية للتاريخ الإسلامي ومفكريه.
قد يستقي هذا الاتجاه قوانين من الأديان إذا لم تتعارض مع ظروف المجتمع المعني لكنه لا يعتبر الدين المرجع الوحيد أو الأساس لتشريع الدساتير أو القوانين, والحقيقة أن الدستور السوري منذ الاستقلال الأول لسورية عام 1918 كان دستوراً مدنياً في معظم مواده ,لكنه اعتمد الدين الاسلامي على مذهب أبي حنيفة كمرجع رئيس في قوانين المحاكم الشرعية التي تتناول العلاقات الأسرية والإرث وما إلى ذلك.
في اتجاه العلمانية السابق تصبح مرجعية المحاكم الشرعية (كما يفترض) مرجعية مدنية, تتناسب مع ظروف تطور المجتمعات الانسانية.
إن ميزة هذا الاتجاه أنه يوحد المجتمع من جهة ويترك للفرد الحرية الايمانية من جهة أخرى .
الاتجاه الثاني:
وهو الذي يعتبر العلمانية أسلوباً يعتمد على أفكار تفصل فصلاً تاماً بين الدين والحياة اليومية لمعتنقيه تشمل الدستور والقوانين والقيم الأخلاقية والوجدانية للمجتمع, إنه يفهم الكون من خلال العلم ومكتشفاته الحديثة, فهماً عقلانياً آخذاً بالاعتبارالعلاقات الواقعية بين مكونات المجتمع الواحد وبين امتداداتها بالمجتمعات الانسانية الأخرى وبالمعطيات الكونية, أي سيطرة العقلانية المتجهة دوماًنحو التطور والتنمية والتقدم كما يعتقدون.
في هذا الاتجاه اختلط الأمر- أحياناً- على بعض الكتاب العرب بين مفاهيم (العولمة، العالمية, العلمانية..) وذلك لتقارب الأحرف العربية في تشكيل المفردة وتداخل بعض جوانب العلمانية بتلك الظواهر أو المفاهيم.

 الشعوب العربية والعلمانية!
وقفت شرائح واسعة من الشعوب العربية موقفاًعدائياً أو – في أحسن الأحوال- متحفظاً من العلمانية لأسباب متعددة:
1- عدم فهم العلمانية إلا من خلال النماذج الواقعية لمدٌعيها , فقد كان سلوك كثير من أعضاء الأحزاب العلمانية (الشيوعي.. البعث.. القومي السوري.) معادياًللواجبات الدينية كأن يفطر أحدهم علناٌ في رمضان أو يقف على باب المسجد أو الكنيسة دون أن يؤدي الصلاة القائمة أو يبتدع أنواعاً من السخرية بالتقاليد الدينية التي يمارسها المتدينون أو يُظهر نوعاًمن الاستعلاء ومصادرة الرأي الآخر أو يُنكر على من يؤمن بالله تعالى ايمانه هازئاً به.
2- الاستبداد والظلم اللذين رافقا حكم تلك الأحزاب التي استولت على السلطة ,إذ يُفترض بالعلمانية أن تقدِس الحرية ولاسيما الحرية الفردية ,لكنٌ سلطتهم تغوٌلت على الحرية والكرامة الإنسانية والعدالة الاجتماعية فلم تُبق منها شيئاً..
3- على الرغم من ادٌعاء سلطة تلك الاحزاب “العلمانية” لكنٌ قرارها السياسي اعتمد على الطائفية والديماغوجية الدينية المتخلفة, فلم تحاول تغيير أي بنود قانونية مستقاة من الفقه الديني العثماني, خوفاًعلى سلطتها من الزعزعة والزلزلة.
4- من طبائع الاستبداد منع التواصل بين أفراد المجتمع وبين أي حوار حضاري راقٍ, كذلك منع التواصل مع المعرفة والثقافة الحداثية, وفي البيئة التي يتم تجهيلها وحقنها بشعارات السلطة المرفوضة شعبياً يرتدُ المجتمع للتمسك بالقيم الموروثة والمعرفة الموروثة ليحمي نفسه من التوحش المعرفي للسلطة الحاكمة.
من هنا لاحظنا مثلاعودة حلف السلطة والكنيسة في روسيا الاتحادية بعد انهيار الاتحاد السوفييتي (النموذج الأمثل لعلمانية الاتجاه الثاني) وظهور شرائح غير قليلة من الشباب المتدينين المتابعين لتعاليم الكنيسة والمتطوعين للعمل بها.
5- اعتبر جمهور كبير من الشعوب العربية (العلمانية) ظاهرة غربية والتغريب ليس محبٌذاً لتلازمه مع الاستعمار وعدوانيته, وقد كرٌس هذه القناعة السلوك المتغرب لمن يعلن العلمانية.

 ظواهر العلمانية في بعض دول العالم.
إن أكثر الدساتير تمسٌكاً بالعلمانية (فرنسا مثلاً) سمحت بتشكيل هيئاتٍ وجمعيات دينية , بل اعتمدت في مراحل تاريخها الحديث على المبشرين الكنسيين لتحقيق غايات سياسية داخل مجتمعها وخارجه في الشرق الاوسط وافريقيا بخاصة, كما أن القوانين الفرنسية تلزم السلطة الحاكمة بتقديم مساعدات لبناء الكنائس المسيحية والكُنس اليهودية والمساجد الاسلامية وترميمها عندما تحتاج للترميم, وتعفي الهيئات التابعة لها من أنواع من الضرائب المفروضة على التشكيلات المدنية الأخرى, وللفرد الحرية المطلقة بممارسة ايمانه إلا إذا تعارض مع القوانين ذات المرجعية العلمانية أو كان سببا ً في منازعات اجتماعية قد تسبب شروخاً ومشكلات هم في غنى عنها ,وهذه هي الحجة التي بُنيت عليها قوانين منع المظاهر الدينية في المدارس الرسمية والدوائر الحكومية.
وفي تركيا التي ينص دستورها أيضاً على العلمانية ويُكلٌف الجيش التركي بحمايتها لم تمنع العلمانية (بسبب النظام الديموقراطي) وصول حزب العدالة والتنمية الإسلامي للسلطة والذي بدوره احترم علمانية الدولة فلم يبدل قوانينها أو يعدلها تبعاً لإسلاميته.

 الموقف من العلمانية.. وجهة نظر!
في خضم التشكيلات الجديدة للعلمانية السورية, ترى بعض النخب أن طرح عنوان العلمانية لتجمعات أو أحزاب في النظام المقبل لسورية الحرة ليس ضرورياً وغير مبرر والأفضل استبدالها بعنوان الديموقراطية وذلك لسببين:
1- إن العلمانية كنظام لم تتعارض مع الاستبداد, كما كانت حالة الأنظمة الشمولية في العالم (كالنازية والفاشية والشيوعية , وأنظمة أخرى اشتراكية), وسورية تحتاج الحرية الكاملة حيث يستطيع كل فرد في مجتمعها الجديد التعبير عن نفسه ما شاء وكيفما شاء دون أن يتعارض مع المصلحة العامة, أما الديموقراطية فهي تضمن المساواة الكاملة بين المواطنين وبالتالي تشمل العلمانية دون حوار حول الدين.
2- إن العلمانية كأفكار نظرية لم تتحول بعد إلى نظرية شاملة تفسٌر ظواهر الحياة والكون والمعروف أن العلم مازال قاصراً وحتى النظريات الفلسفية بما فيها الماركسية لم تعط تفسيراًواضحاً للعلاقة بين الإنسان والكون بأبعاده اللانهائية, وغالباً ما كانت شروحها تحتاج إلى شروح أخرى, فالموضوع الأساس في هذه النظريات هو الإنسان بمرتسماته الاجتماعية الواقعية وما حولها, وماينتج عنها, وفي قراءة لأفكار العلمانية التامة الشاملة يلاحظ الاختلاف والتنوع في فهمها وتوصيفها , لدرجة لايتفق فيها اثنان من العلماء والمفكرين غربيين كانوا أم عرباً.

 إن العلمانية لا تفرض على المجتمع فرضاً من الأعلى أو من خاصة النخبة المثقفة, إذ لابد من نضج البيئة المناسبة لها, (التعليم الدسم, الحقيقي الشامل للمجتمع بأكمله, ارتفاع مستوى المعيشة, الوضع الاقتصادي الذي يضمن العمل لأفراد المجتمع, الاعتماد على الصناعة المنوعة والزراعة المتطورة, الاعتماد أيضاً على الاتمتة الحديثة, ثم النهوض العام الذي يشعر كل فرد فيه بالمواطنة الحقة, مداواة الشروخ التي أحدثها النظام الاسدي في المجتمع السوري,…الخ)
إن الإصرار على طرح العلمانية كعنوان لتشكيلات حزبية مستقبلية يُخفي خوفاً من تغوٌل الاتجاهات الدينية وبخاصة المتطرفة على الدستور والقوانين, كما يُخفي توجٌهاً محدداً من بعض مثقفي الطوائف الذين ترددوا كثيراًبالإنتماء لثورة شعبهم, مما يجعل الأطراف الأخرى أكثر حذراً, فذكرى الاستبداد “العلماني !!!” لا تزال تولٌد المآسي والدماء.
إن أصحاب وجهة النظر تلك ,يعتقدون أن: عنوان النظام الديموقراطي النسبي القائم على حق المواطنة والمساواة الكاملة بين أفراده على تنوعهم واختلافهم الفكري في الحقوق والواجبات ,في الدستور والقوانين هو الضمان الأمثل للوقوف بوجه استبداد آخر متخوٌف منه, إن التمثل بالقيم الديموقراطية الحقة والتمسك بها والنضال اليومي من أجلها هو الأسلوب الأفضل –كما يعتقدون – للتغلب على الكوارث التي خلفها النظام الأسدي.
تلك أفكار مطروحة للحوار, الطريق لايزال أمامنا طويل, ولكن أطول الطرق تنتهي عندما نبدأ الخطوة الأولى, فهل سنبدؤها بما سيوفر علينا الأمتار؟؟!!!

هامش:
(1) انظر كتاب: عبد الوهاب المسيري (العلمانية الجزئية والعلمانية الشاملة ) إصدار دار الشروق 2002

  • Social Links:

Leave a Reply