الكاتب صبحي انطون
لماذا أتكلم اليوم
في التسعينات من القرن الماضي سقط الاتحاد السوفييتي ومعه (المعسكر الاشتراكي) واهتزّ بذلك اليسار عموما بمختلف مدارسه وتياراته الفكرية والسياسية. وشمل هذا الاهتزاز العديد من الأحزاب الشيوعية في الوطن العربي. انشقاقات عمودية وأفقية وتيارات انحرفت عن الطريق القويم وباعت نفسها للشيطان. كما في الوطن العربي كذلك في سوريا بشكل خاص تيارات أضاعت البوصلة وهرولت إلى أقصى يمين اليمين وأخرى ذهبت إلى يمين الوسط وتيارات هادنت وبعد الأخرى أُخرى ارتدت عن الماركسية وارتمت في أحضان المثالية. أما كان الأجدر بالجميع أن يعيدوا النظر ويدرسوا تجاربهم الخاصة ويعلنوا علانية أنهم أخطأوا هنا ولم يصيبوا هناك؟ أليسو عجزيون يلحقون ظلهم مثلهم مثل أهل الكهف أمسوا يجترون ماض مضى وانقضى سبق لهم أن تقيأوه مرات عديدة؟ أمام مرض التوحد هذا والموت السريري الذي أصابهم رأيت من واجبي أن أعلن وأنشر مداخلتي هذه لأن فيها شيء من النقد الذاتي لتجربة متواضعة عشتها وشاركت في صنعها بشكل ما. عسى ولعلّ أن تكون بادرة طيبة في الاتجاه الصحيح.
هذه المداخلة لاعلاقة لها بما يسمى (نشر الغسيل) كما قد يتبادر لذهن البعض. هذه المداخلة أُلقيت في المؤتمر الخامس للحزب الشيوعي – المكتب السياسي- عام 1978. وعلى مرأى ومسمع من جميع الأعضاء المشاركين في المؤتمر ولم تُلقَ في الغرف المغلقة. أنا ضد الصنمية في الحزب وضد عبادة الفرد وضد التشيء في الحزب ولأكون واضحا أنا مع الديمقراطية في الحياة الداخلية للحزب وضد النزعة الستالينية الجدانوفية. أعاضد وأساند طرح الآراء المتعددة في حوار ديمقراطي حر شرط أن تبقى الغلبة فيه للخط السياسي والفكري والتنظيمي الأكثر عقلانية، والأكثر انسجاما مع قراءة الواقع الحسي المتطور للبلد المعني في حركته الجدلية المستمرة. بالنقد وحده يحيا الحزب. وبالنقد وحده تحيا النظرية العلمية. وبالنقد الجدلي وحده يمكن للمكون السياسي أن يتكوّن عضويا وأن يبني علاقات عضوية مع الآخر بعيدا عن التقوقع والتخندق والانغلاق على الذات.
كلمة لابد منها …
هذا أنا، وهذا ما تقوله بطاقتي الحزبية:
انتسبت الى الحزب الشيوعي السوري آواخر عام 1953 وتدرجت في المسؤوليات الحزبية من أحد مسؤولي المنظمة الطلابية في تجهيز الحسكة، إلى سكرتير اللجنة المحلية في مدينة الحسكة، ومن ثم عضو لجنة منطقية في محافظة الجزيرة. مثلت أمام محكمة الصلح في الحسكة عام 1958 مرتين بدعوى الانتماء الى الحزب الشيوعي. اعتقلت أيام الوحدة بين سوريا ومصر 3 سنوات في سجن المزة العسكري. اعتقلت مرة ثانية عام 1962 ومثلت أمام محكمة البداية في القامشلي وحوكمت على إثرها عامين وبالنفي عن محافظة الجزيرة عامين وكنت أول شيوعي ينفى من محافظته. دفاعي الذي ألقيته أمام محكمة البداية وُزع منشورا سياسيا للحزب الشيوعي على مستوى القطر. قضيت مدة الحكم مابين السجن المدني في القامشلي والسجن المدني في درعا. مثلت أمام المحكمة العسكرية في دمشق أيضا بدعوى الانتماء للحزب الشيوعي السوري وأنا مازلت معتقلا في سجن درعا المدني. أنهيت حكمي في درعا وخرجت من السجن والمحكمة العسكرية في دمشق لم تكن قد أصدرت حكمها بعد.
سافرت إلى لبنان سرا ومن لبنان إلى موسكو بجواز سفر مزّور باسم ميشيل خوري سلمني إياه الرفيق نقولا شاوي الأمين العام للحزب الشيوعي اللبناني.
في موسكو التحقت بمعهد العلوم الاجتماعية التابع للحزب الشيوعي السوفييتي درست في هذا المعهد- الاقتصاد السياسي، الفلسفة المادية وتاريخ الحركة العمالية العالمية. أمضيت في هذا المعهد مدة عامين قدمت في نهايتها إطروحة حول فلسفة ابن رشد أمام غرفة الفلسفة التابعة للمعهد ونلت عليها تقدير جيد جدا.
بعد عودتي من موسكو تابعت مهامي الحزبية على مستوى منظمة الجزيرة. وقبل انعقاد المؤتمر الثالث للحزب بأشهر معدودات، مثلت أمام محكمة حزبية أشبه بمحاكم التفتيش. مفاد هذه المحكمة التي كان يترأسها يوسف الفيصل أنني أثير القلاقل على مستوى المنظمة في الجزيرة. وأنني أطرح بعض القضايا السياسية والفكرية التي تسيء لسياسة الحزب ولخط الأمين العام خالد بكداش. في الحقيقة كنت أطرح العديد من القضايا الفكرية مثال استقلالية خط الحزب وحول مفهوم الأممية البروليتارية وحول الديمقراطية في الحزب وضرورة عقد مؤتمرات للحزب وما إلى ذلك من القضايا الوطنية والقومية. كانت النتيجة أن قررت القيادة سحبي من منظمة الجزيرة وإلحاقي بحلقة حزبية في دمشق لأبقى تحت إشرافهم ومراقبتهم.
شاركت في أعمال المؤتمر الثالث للحزب عام 1969 بصفتي عضوا مراقبا وليس عضوا أصيلا. هذا ما ارتأه خالد بكداش وعلى هذا فأنا (لا يحق لي أن انتخب ولا أن أُنتخب). كنت آخر من تكلم في المؤتمر أعلنت مايجب قوله ضد سياسة بكداش في القضايا السياسية والفكرية حينها جنّ جنون بكداش وغادر قاعة المؤتمر مدمدما من هذا ..؟ من جاء به إلى المؤتمر..؟ من وراءه؟ .. وعندما أصبح في الحديقة قال ( أنام ملء جفوني عن شواردها ويسهر الخلق جراها ويختصم ) نقلا بعض الرفاق.
ردا على ما أعلنته في المؤتمر وبعد الانتهاء من أعمال المؤتمر بأيام تم استدعائي إلى محاكمة حزبية ثانية يترأسها ظهير عبد الصمد ويرافقه دانيال نعمة. أعلموني أن القيادة أقرت انهاء تفرغي في الحزب وعدم سفري إلى الحسكة. رددت فورا وبلا مواربة أنني أوافق على انهاء تفرغي الحزبي، لكنني مسافر في الغد إلى الحسكة. ولما رأوني محتدا طلبوا مني التمهل إلى بعد الغد. بعد ثلاثة أيام أبلغوني أن القيادة قررت ابقائي متفرغا للحزب وأن أذهب إلى حمص.
التحقت بالنظيم الحزبي هناك مسؤولا عن التنظيم في ريف حمص. وخلا اشهر انتخبت عضوا في اللجنة المنطقية في حمص.
في 2 شباط 1972 شاركت في انتخابات الإدارة المحلية مرشحا من قبل منظمة الحزب في الحسكة بالرغم معارضة خالد بكداش. كانت المعركة حامية، دخلت الانتخابات منفردا مغردا خارج قائمة الجبهة الوطنية التقدمية. نلت أعلى الأصوات، وكنت الأول على عشرة صناديق اقتراع من اصل ثلاثة عشر صندوقا. قامت الحسكة ولم تقعد، احتضان جماهيري كبير ومع هذا قامت السلطات المحلية بتزوير الانتخابات وتعويم النتائج معلنة فوز قائمة الجبهة وعدم نجاحي.
شاركت في أعمال المؤتمرالوطني الرابع للحزب الشيوعي (المكتب السياسي) عام 1974 الذي عُقد بعد عامين من إصدار خالد بكداش بيان 3 نيسان 1972 الذي أعلن فيه طرد الحزب من الحزب. تم انتخابي في هذا المؤتمر عضوا في اللجنة المركزية ومن ثم تم انتخابي من قبل اللجنة المركزية عضوا في المكتب السياسي.
شاركت في أعمال المؤتمر الخامس للحزب عام 1978 وألقيت فيه مداخلتي هذه وأن أتابع إلقاء المداخلة غادر رياض الترك صالة المؤتمر وصعد إلى الطابق الثاني. للمصادفة العجيبة عندما ألقيت مداخلتي في المؤتمر الثالث غادر خالد بكداش قاعة المؤتمر. وعندما ألقيت مداخلتي في المؤتمر الخامس غادر رياض الترك قاعة المؤتمر.
بعد الانفصال عن تنظيم رياض الترك شكلنا نحن مجموعة من الرفاق تنظيما شيوعيا يحمل اسم “حركة اتحاد الشيوعيين في سوريا” . لم يدم هذا التنظيم طويلا فقد قرر بعض الرفاق الانتقال إلى صفوف يوسف فيصل بعد انفصاله عن خالد بكداش. أما بالنسبة لي فقد أعلنت علانية أنني أرفض العمل مع يوسف الفيصل وأن بكداش والفيصل وجهان لعملة واحدة.
سأظل أذكر ما حييت أنني عملت وناضلت بشرف وكرامة، لم أهادن ولم أساوم. وأن أطيب سنوات العمر نذرتها لهذا الطريق. أتعبتُ التعب ولم أتعب، مشيت بخطى ثابتة من أجل قضية انسانية عادلة. وأنه لاشيء أجمل من أن تناضل في سبيل وطن سيد حر متعدد.
المداخلة ( في المؤتمر الخامس للحزب الشيوعي “المكتب السياسي” 1978)
أيها الرفاق
أعضاء المؤتمر الخامس لحزبنا أحييكم أشد على أياديكم أتمنى لكم النجاح في انعقاد مؤتمركم هذا، نقطة مضيئة على طريق التحرير والديمقراطية الشعبية و الاشتراكية و الوحدة العربية.
اليوم ستشاركون في مناقشة و اقرار مجموعة من الوثائق والقرارات الحزبية وستنتخبون قيادة جديدة للحزب.
ليس سرا أن أعلن أمامكم بأن حزبنا يعيش أزمة حادة تهدد مصيره. أزمة خلته يرعف خلته ينزف منذ أكثر من ثلاث سنوات. وقد جئناكم نحتكم اليكم فعلى كل رفيق فيكم أن يكوّن رأيه بحرية وشجاعة وأن يكون قادرا على النضال دفاعا عن تصوراته الخاصة المستمدة من قناعاته الفكرية والسياسية ومن استقلال شخصيته التام.
اليوم أيضا قررت أن أختار جانب الحزب وأن أضع الملح على الجرح المكابر وأن أقول للأعور أنت أعور. شعاري المفضل قول ماركس عام 1856 ( الشك في كل شيء ).
لنطرد من حزبنا والى الأبد الطاعة السلبية، التملق، الوصولية، والتبعية. وأن يعيد كل رفيق فيكم تعريف انسانيته الشيوعية وأن يشارك مشاركة حرة واعية في تقرير مصيره ومصير حزبه. مدركا وضعه ادراكا جدليا، واعيا ماهية الخط السياسي والخط التنظيمي لحزبه حاضرا ومستقبلا، تلك هي المسألة.
ان الوعي المستقل في تحقيق الموقف الواعي النقدي يؤكد الحقيقة الطبقية والحزبية لجميع مواقف الحزب في الفكر والسياسة والتنظيم. واذا كنا اليوم نواجه أزمة في الحزب فلأنه لم يسبق لنا أن ناقشنا بجدية جميع المشاكل والمسائل الفكرية والسياسية والتنظيمية الملموسة المطروحة اليوم أمامكم. ولأننا لم نكن في المستوى المطلوب قيادة.
يقول إنجلز … ( هل يمكن أن تكون نتتيجة ذلك غير واقع أن الحزب يجد نفسه فجأة وفي الساعة الحاسمة في حالة عجز غير واقع أن الحزب يجد نفسه في حالة الارتباك وانعدام الوحدة حيال المسائل الحاسمة لأنه لم يسبق له أبدا أن بحث هذه المسائل ).
أيها الرفاق
ان نظرتي الى جميع القضايا المطروحة في تقريري هذا وان معالجتي لجميع ماهو مطروح مبنية على أسس الفكر الماركسي اللينيني، والخصائص الوطنية، والقومية، لوطننا ولأمتنا العربية. من منطلق أن المرحلة التي يمر بها قطرنا والوطن العربي عامة هي ( مرحلة ركود سياسي ) وبرأيي أن أي نهج آخر غير هذا، أعتبره كمن يحاول أن يزرع النبات الأستوائي في منطقة القطب الشمالي.
أيها الرفاق
في تحديد الموقف الشيوعي من جميع القضايا المطروحة، أرغب في أن أعلن بأن المغزى التاريخي لسياسة لينين يقضي بتحديد التخوم الأيديولوجية بوضوح تام في جميع قضايا الخلاف.
اياكم والموقف التوفيقي السلبي، الذي لم يكن في يوم من الأيام ليستند الى أسس نظرية. الموقف التوفيقي طوال عمره يستند الى أسس توفيقية، وأن ميوله العامة تنبع من شيء يشبه الجبرية الاجتماعية. لقد أرادت التوفيقية في جميع الخلافات أن تكون وحدوية فما أفلحت الا في أن تكون وسطية والوسطية ليس لها نهج سياسي ثابت وواضح. فهي تستطيع اليوم أن تكون في أقصى اليسار، لتكون غدا في أقصى اليمين.
لقد طرحت منذ عام 1976 في اجتماعات المكتب السياسي ضرورة أن نُعلِم اللجنة المركزية بما يجري داخل المكتب السياسي، وطرحت بعدها في اجتماعات اللجنة المركزية ضرورة أن نُعلِم قواعد الحزب عن طريق مجلس وطني أو اجتماعات موسعة للجنة المركزية بما يجري في القيادة. وأن تتعرف كوادر الحزب على جميع التلاوين والميول والاتجاهات فتلك مهمتها، وأن تشارك في حل ذلك، اعتقادا مني بأن كل ديمقراطية حقيقية تفترض درجة واسعة من التساوي في حظ االمشاركة باتخاذ القرارت، ودرجة واسعة من التساوي في الوصول الى المعلومات والمعطيات اللازمة لتحديد موقف واتجاه ما يطرح من قضايا. ما معنى أن تُحجب المعلومات عن الحزب (بحجة أمن الحزب). لنحدد ما معنى أمن الحزب؟ أنا لا أطالب اطلاقا بالانفتاح المطلق على قواعد الحزب. أنا أفهم بأن هذا الشكل من الانفتاح فوضوية مابعدها فوضوية. ولكن أي سر هذا في أن نُعلِم الحزب بالخط السياسي بكل حيثياته بانعطافاته والتواءاته ونقاط الانثناء فيه؟ أي سر هذا في أن نُعلِم الحزب بجميع مايتعلق بالخط التنظيمي للحزب باستثناء ما يمسّ (أمن الحزب) حقيقة.
من له أذنان للسمع فليسمع.
أنا لا أرى غضاضة في ذلك. الخط السياسي للحزب لأي حزب سياسي لم يكن في يوم من الأيام سرا ولايجوز أن يكون سرا. خط الحزب السياسي هذا ملك الحزب، ملك الجماهير ولايجوز أن يكون احتكارا لمكتب سياسي أو للجنة مركزية. والخط التنظيمي هو النظرية اللينينية في التنظيم زائد السمات العامة والخاصة للمرحلة التاريخية التي يمر بها البلد المعني. والفرق واضح بيّنٌ بين هذا وبين الجهاز التقني للتنظيم السري. علينا ألا نخلط بين الاثنين فتلك بدايات الانزلاق باتجاه عقلية التآمر. عندما أردت طرح هذا أردت الوصول الى موضوعة جدا هامة في حياتنا الحزبية وهي موضوعة حزب الطبقة. لنميز بين المفهومين، مفهوم حزب الطبقة بكل ما تعني الموضوعة من معنى، وبين مفهوم العصابة وعقلية التآمر. الحزب ليس ملكية خاصة لكائن من كان ولن يكون. الحزب ليس ملك القيادة ولن يكون. وعندما نقول ان الحزب هو حزب الطبقة فليكن هذا قولا وعملا.
في حزب الطبقة، يجب فسح المجال أمام الجميع لمناقشة قضايا الحزب وأن يحكموا بدماغهم الخاص على جميع القضايا، وأن يحسموا حسب تجربتهم الخاصة قضاياهم، وأن يتمتعوا بالاستقلالية التامة في تبني جميع المواقف التي يرونها ضرورية. يجب أن يُصاغ الخط السياسي للحزب من أجل الحزب بواسطة الحزب، ولايجوز أن يكون من أجل الحزب بدون الحزب. فهذا انحراف خطير يشبه انحراف بناء الاشتراكية من أجل الشعب ولكن ليس بواسطة الشعب. فأنا أرفض بأن تكون قواعد الحزب سلبية فهذا يمنعها من المشاركة الفعالة في بحث أمور الحزب وبالتالي تشكل جمهورا مثاليا للمناورات بين أيدي من تراوده نفسه بأن يناور ويغامر بحياة الحزب. فالبكداشية نعرف كيف استغلت ذلك ومايجري عندنا اليوم يشبه ما كان يجري بالأمس. علينا أن نجعل حل قضايا الحزب العامة قضية الحزب بكامله، وليس قضية خاصة باللجنة المركزية وحدها، ولنجعل من هذا تقليدا راسخا في حياة الحزب. ان عكس هذا يؤدي لا محالة الى المركزية البيروقراطية. باسم الانضباط الحزبي منعوا الحزب من أن يرى الى الخلافات بعين مفتوحة وعقل سليم.
إن هذا الموقف الفوقي جدا والذي فيه كل الاحتقار للحزب يجب أن يُدان. قوى سياسية متعددة على علاقة جيدة بالرفيقين رياض الترك الأمين الأول للحزب وفايز فواز عضو المكتب السياسي للحزب كانت على علم بما يجري عندنا يوما بعد يوم. ومنطقيات بكاملها لم تكن لتسمع كلمة واحدة عن الخلاف واذا ماسمعت من الخارج وتساءلت كنا نُكذّبها ونفرض عليها الالتزام والانضباط. هي عقلية التآمر والمناورة التي أرفضها وأطالبكم بأن تدينوها.
إن الذي بيننا ليس مجرد خلافات بسيطة، وليس مواقف عابرة، فهو بالتأكيد يهدد حاضر الحزب ومستقبله فلنقف منه موقفا مسؤولا، موقفا شجاعا.
يقول لينين في مقالته (مرة أخرى عن النقابات) :
( إن أي خلاف، وإن تافها، يمكن أن يصبح خطرا سياسيا، اذا ظهر احتمال تناميه الى انشقاق، وعلى وجه التدقيق الى نوع من انشقاق من شأنه أن يزعزع و يدّمر كل الطرح السياسي، أن يؤول على حد تعبير الرفيق بوخارين الى تهور القطار عن الخط ).
أيها الرفاق الأعزاء الأشجار تموت واقفة. مسؤوليتكم الوحيدة أن تصمدوا في وجه الانحراف، في وجه المغامرة وأن تصونوا مصير الحزب. وما أتمناه هو أن لايكون بيننا ذلك الذي يصحٌّ فيه قول المثل البوذي (تشير الأصبع الى القمر فلا ينظر الأحمق إلاّ الى الأصبع).
-1-
جيد أن نناقش اليوم بحرية واعية جميع المواضيع التي تهم مسيرة الحزب لأنه لم تصبح المناقشة الحرة الواعية تقليدا حيا في حياة حزبنا، بالرغم من مرور أكثر من أربعة وخمسون عاما على ميلاد الحزب.
لقد حرمتنا البكداشية ذلك في الماضي واليوم يحاول البعض عنوة تأكيد ماعجزت البكداشية عن فعله وذلك بإصدار فرمانات تمنع المناقشات الحرة وتقيدها عن طريق تسليط سيف العسف والقهر ضد جميع الرفاق الذين لاتروق لهم أفكارهم. وهي لعمري البكداشية بعينها، بل البكداشية في أعلى مراحلها. أسمح لنفسي بأن أناقش مسسألة التنظيم لأنها برأيي تجمع الفكر والسياسة والتنظيم معا وأسمح لنفسي أيضا بالقول أن التقرير التنظيمي الذي بين أيديكم خجول جدا لم يضع يده على الجرح. فنحن نعيش أزمة بكل معنى الكلمة وان أراد البعض منا تستيرها بورقة تين ممزقة.
لنقف من أخطائنا ومن نواقص عملنا موقفا شيوعيا جسورا. ولنحتمل جميعا الريح الطرية تهب من نقاش شيوعي أمام الحزب. ان هذه الريح تنعش الحزب تزهر فيه كالحياة الأبدية، تدفعه قدما الى الأمام لملاقاة تيار الجماهير الموجوعة المكافحة من أجل غد مشرق.
ليس في صالح الحزب التستير على نواقصنا وأخطائنا وذلك عملا بقول لينين أمام المؤتمر الثاني للأممية الشيوعية (وواجب الشيوعيين أن لا يلزموا الصمت حول نواحي الضعف في حركتهم، بل أن ينتقدوها علنا وصراحة، بغية التخلص منها بمزيد من السرعة والجذرية).
ان الخلافات التي بيننا يجب أن تعلن، وان تحدد التخوم، في المواقع الفكرية والسياسية والتنظيمية كي يستطيع المؤتمر بالتالي أن يكون الحكم الفصل في ذلك. والا فان المؤتمر سيقف عاجزا أمام مهمته. وان الخلاف الذي يبدو اليوم صغيرا بالنسبة للبعض سيكتسب أهمية هائلة بفعل الأزمة لأنه سيتخذ نقطة انطلاق لانعطاف نحو بعض المفاهيم الخاطئة. واذا ما تناسقت هذه المفاهيم الخاطئة بفعل خلافات جديدة وأعمال فوضوية كما جرى ويجري ضد منظمة دمشق فان الحزب سائر لا محالة نحو الانشقاق.
خلافاتنا في قضايا التنظيم كبيرة وكبيرة جدا. لم يسببق لنا أن وقفنا منها موقفا جديا، بالرغم من الحاح العديد من أعضاء المكتب السياسي على ذلك. لم يتمتع التنظيم بانشاء نظري كالذي نجده لدى الأحزاب الجدية. ما كتبناه حول التنظيم ضعيف جدا لدرجة أنه لايساوي الصفر. ولايتناسب اطلاقا مع عظم المسؤولية الملقاة على عاتقنا لذلك أرى لزاما علي القول بأن التقرير التنظيمي كان يجب أن يقف عند الظواهر الحسية الملموسة التي فرزتها وتفرزها الحياة الداخلية لحزبنا وخطه السياسي. وأن يعمل فيها تعليلا وتمحيصا لا أن يهرب عنها ارضاءا للرفيقين العزيزين رياض وفايز.
عندما فكر لينين ببناء حزب ثوري على نطاق روسيا كتب في مقالته الشهيرة (المهمات المُلحّة لحركتنا) … يقول: (أما مسائل التنظيم فاننا نعتزم أن نخصص لها سلسلة من المقالات في الأعداد القريبة المقبلة. وهي بالنسبة لنا من أشد المسائل حساسية. واننا لنتأخر كثيرا في هذا الميدان عن قدامى المناضلين في الحركة الثورية الروسية) وقد كتب لينين في ذلك عشرات المقالات والأبحاث والرسائل والكتب وغيرها. وربط كل ذلك ربطا محكما بالبرنامج السياسي للحزب وبالاستراتيجية والتكتيك وبطبيعة المرحلة التاريخية التي يمر بها الحزب الاشتراكي الديمقراطي الروسي.
كل ما كتبه لينين كان تأكيدا على التننظيم في المفهوم اللينيني ليس في التخصص التقني وحسب ولكنه أولا وقبل كل شيء في اعتبار التنظيم مسألة سياسية من مسائل الثورة البروليتارية. وعليه فان الانشقاق في الحزب الاشتراكي الديمقراطي الروسي بين البلاشفة والمناشفة في المؤتمر الثاني للحزب ليس عبثا أن كان حول التنظيم وليس حول البرنامج السياسي للحزب.
ان أهم المسائل التي كان على التقرير التنظيمي أن يقف عندها ويحللها ويرسم طريق الخلاص منها هي:
أولا: مسألة الركود السياسي الذي نعيشه كمرحلة سياسية وماتفرزه هذه المرحلة من مهام تنظيمية وما تتطلبه من طرق ووسائل عمل واشكال تنظيم جديدة. كل هذا كان يمكن أن يتم في ضوء تقييمنا السياسي الصحيح للمرحلة. واذا ماتم فانه يساعدنا كثيرا على تحقيق أهدافنا المباشرة وغير المباشرة ويكسب خطنا التنظيمي المقدرة والثبات والاستمرار في العمل من أجل تحويل خطنا السياسي الى خط مقاتل.
ثانيا: علاقة الحزب بالطبقة، ان العلامات الفارقة في نشاط حزبنا تتضح في:
أ الانفصال بين النظرية الثورية وحركة الطبقة العاملة لقد دلت تجارب الحركة الثورية جميعها على أن الانفصال بين نظرية الاشتراكية العلمية وحركة الطبقة العاملة كان باستمرار في صالح الطبقات المعادية. وأن هذا الانفصال كان السبب في ضعف النظرية والحركة معا. وهكذا تجري الأمورعندنا. استسلمنا للأمر الواقع وحمدنا المولى عز وجل على أنه لم يمسسنا بسوء. في الوقت الذي يعمل الطرف الأخر نهشا وتدميرا بالطبقة العاملة، ويزرع في صفوفها بذور الريبة والشك والميوعة والتفسخ مغطيا نشاطه هذه بديماغوجية مروعة. ولان حركتنا الذاتية معزولة كليا عن الطبقة لذلك لم تعد الطبقة تعي أهدافها. ولقد أصابها ما أصاب الغير من ضعف في الطاقة الثورية ومن انحطاط معنوي كبير بشكل أصبحت فيه لطيفة أنيسة مسالمة مدجنة.
كتب أنجلز في مقدمته لكتاب ماركس (النضال الطبقي في فرنسا) :
(وحيث يكون المقصود تحويل النظام الاجتماعي تحويلا تاما، ينبغي على الجماهير بالذات أن تدرك الهدف الذي يدور النضال من أجله، الهدف الذي تهرق دمائها وتضحي بحياتها من أجله. وهذا ماعلّمنا اياه تاريخ السنوات الخمسين الأخيرة. ولكنه لابد من عمل مديد دائب لكي تفهم الجماهير مايجب فعله، وهذا العمل على وجه الضبط هو مانقوم به الان ونقوم به بنجاح يدفع خصومنا الى أحضان اليأس والقنوط).
فالسؤال المطروح بالحاح هو: هل حقا هذا مانقوم به في الساحة السورية؟ هل نقوم بالعمل المديد الدائب من أجل أن تفهم الجماهير مايجب فعله؟ أم أننا نغط في نومنا العميق تلفنا خيوط العنكبوت؟ لماذا لم ندرس هذه المفارقات العجيبة أليس لها انعكاسات سلبية على التنظيم؟ أليس هذا كله من جملة الأسباب الرئيسية في تدهور الوضع التنظيمي عندنا؟ كيف يمكن لحزب الطبقة أن ينمو ويزدهر بمعزل عن الطبقة؟
ان اللامبالاة السياسية لدى الطبقة العاملة والتي تمتد أصولها الى واقع الانتاج البضاعي البسيط الذي يغلب على اقتصادنا، والى الأشكال الدنيا من الانتاج الرأسمالي مع ما يلازمها من علاقات سوقية وغيرها الى جانب واقع الملكية الفلاحية الصغيرة المجزأة في الريف. لماذا لم ندرس هذه الظاهرة وماتفرزه من انعكاسات سلبية على بنية الحزب والية عمله السياسي والتنظيمي؟ أليست كبيرة وكبيرة جدا؟ أم أنها حقيرة وضيعة في حضرة التقرير التنظيمي؟
ان اللامبالاة لدى الجماهير العريضة في الساحة السياسية هي أقوى سند للفساد والتفسخ والانحطاط. ودعامة كبرى لنشاط الطبقات الاجتماعية والقوى السياسية المعادية. لقد كان أنجلز على حق عندما أكد (أن هذه اللامبالاة لدى الجماهير هي أقوى سند، لا للفساد البرلماني في باريس و روما وحسب، بل أيضا للاستبداد الروسي)
ان الميول الانهزامية االيمينية والرتابة السياسية والفِرق والشِلل التي تظهر هنا وهناك في أوساط الطبقة واعين أمرها وانعكاساتها على التنظيم الحزبي؟ ان التطور المركب وغير المتساوي لوعي الطبقة العاملة الاقتصادي والسياسي ألا يُملي علينا ضرورة رصده مع أشكال تجلّيه في السياسة والتنظيم ؟
ثالثا: وعلى نطاق الحزب وعبر تجربة السنوات الخمس الماضية برزت لدينا جملة من الظواهر التي تسستدعي المعالجة الضرورية منها.
*المسألة السياسية والمسألة التنظيمية وشكل العلاقة فيما بينهما. انها من المسائل التي تحتاج الى العديد من الدراسات والابحاث المتقدمة، وانها مسألة مركزية في نضال الطبقة السياسي خاصة في هذه المرحلة بالذات. وعلى حلها الصحيح يتوقف مصير الحزب وفي حلها الخاطئ يتعرض الحزب اما الى مطبات يسارية مغامرة او انهزامية يمينية.
*مفهوم الوعي ماذا يعني؟ كيف يتجلى في الحزب؟ هل حقا نمتلك ناصية الفكر الماركسي؟ هل تأصلت الماركسية في بُنى هذا الحزب؟ أم أننا نحمل خليط مجموعة من الأيديولوجيات لما قبل ومابعد الماركسية.
*النخبوية: الحلقية مرض البرجوازية الصغيرة في التنظيم والذي بدأ البعض من الرفاق يروج لها بديلا لمفهوم الحزب الشيوعي الجماهيري. ألم تكن تستحق القليل من لفت الانتباه خاصة وأنها مرض المرحلة القاتل. وأحد أهم افرازاتها في العمل السياسي.
*حزب من طراز جديد. طرح لينين هذه الموضوعة في مرحلة الامبريالية. فهل لا زالت تحمل قسماتها الأساسية؟ وكيف تتجلى ملامح هذا الحزب عندنا في بلدان حركات التحرر الوطني؟ وهل حزبنا حزب من طراز جديد أم ماذا؟ مسألة تستحق الاهتمام أليس كذلك؟
*مفهوم المركزية الديمقراطية. لماذا لا يُعاد النظر في هذه الموضوعة باتجاه التوسع أفقيا باتجاه قواعد الحزب، باتجاه أكثر مايمكن من الديمقراطية الحزبية. (دورات للمجلس الوطني، دورات للجنة المركزية الموسعة يحضرها مندوبون عن اللجان المنطقية والخ ) دائما تبدأ الأمور من فوق الى تحت لماذا لا نقوّم الاتجاه المعاكس من تحت الى فوق؟
*المحافظية في الحزب وبداية تحول بعض المكاتب الى (مراكز قوى) تفرض شرعيتها على الشرعية الثورية للهيئات الحزبية مما عطل ويعطل الحياة الداخلية للحزب ويفرمل نشاطه السياسي ويعزل القيادة عن القاعدة.
*سقوط المركز…. لتقال الحقيقة كلها للحزب لماذا لا يقال أن المركز أسقطته عقلية التآمر والمناورة؟ ومادامت هذه العقلية قائمة فلا مركز للحزب لا اليوم ولاغدا ولن يكون. هاذا هو جوهر المسألة. لنسمي الأشياء بأسمائها لماذا استمرت البكداشية حيث سقطنا نحن، من عطل أعمال المركز؟ من حوّل اجتماعات المركز الى مماحاكات ومهاترات رخيصة؟ من جمّد مركز الأمانة الأول تسعة أشهر؟
*الحِرفية … لم تعد الحِرفية ظاهرة بسيطة يمكن معالجتها ببعض التدابير البسيطة. الحِرفية ورم خبيث فتك بألية الحزب كلها. لذلك لايمكن معالجتها الا بالحلول الجذرية في كل شيء.
*المزاجية ظاهرة عامة في حياة الحزب كله وخاصة في حياة المكتب السياسي تجلت لدى بعض الرفاق فعطلت قرارات وغيرت مواقف وداست برامج وحرقت رفاقا قياديين.
*الاغتراب …. مسألة المسائل في علم السياسة والتنظيم. عندما أعرّي الجانب السلبي لماهية التنظيم عندنا وعندما أعرّي هذه الأخلاقية والسلوكية المنافية للأخلاق الشيوعية وهذا الشكل من العلاقات الرفاقية المتشيئة فلأني أرفض الاستبداد الشرقي بقوة. وأرفض أن يُنقل الى حزبنا. فنحن عندما التزمنا بالحزب وعندما قاومنا بعناد شتّ أشكال القهر والاستبداد البكداشية داخل الحزب فلأننا كنا صادقين في فهم مهمة التنظيم التي تكمن في تجذير الوعي الطبقي والسياسي لهذا الانسان الذي ارتض يوما أن يكون عضوا في حزبنا. وتمردنا على البكداشية وهزمنا تقاليدها الشرقية بدلالة هذا الفهم العميق لشروط انسانيتنا التي يجب أن تنمو وتتطور في حزبنا لا أن تُداس.
أن أٌضطهد في مجتمع طبقي وأن تُهان كرامتي وأن يُثلم اعتباري فهذا شيء طبيعي جدا. أما أن يجري مثل ها في قلب حزبنا وعلى مختلف المستويات القيادية فيه فهذا ما لا أستطيع فهمه!! لقد كان أملنا كبير جدا في أن حزبنا يمثل ملكوت الحرية والابداع، ملكوت العلاقات الانسانية المتطورة والمتقدمة باستمرار، وأنه سيمثل نفيا أبديا لمختلف أشكال الأخلاقيات الطبقية المعادية لانسانيتنا. ولكن وبملء الأسف لم أر فيه شيئا من هذا. في حزبي بعثت علاقات غير انسانية بربرية وحشية.
ان الانضباط الحر الواعي، والتكوين الفكري المتقدم باستمرار والعلاقات المتطورة مع حركة الطبقة العاملة كل هذا يخلق الأرضية الصلبة في الحزب لمقاومة شتى أنواع القهر و الاضطهاد. ان هذه الأرضية تدفع الانسان الثوري كي يعي أبعاد نشاطه. ان المشاركة الفعالة الواعية من قبل جميع الرفاق في اتخاذ القرار السياسي وفي تقرير مصير الحزب تحقيق لانسانية الحزب لانسانية جميع الرفاق. ان الرفيق الحزبي يجب أن يكون جماع العلاقات الحزبية لأن جوهر الانسان انما هو في حقيقته جماع العلاقات الاجتماعية وكما يقول ماركس: (أن تكون راديكاليا هو أن تأخذ الأمور بجذرها. والجذر لدى الانسان هو الانسان نفسه)
واذا كان حزبنا لا يتسع بعد لشخصية العضو الكاملة، واذا كان مايطبعه بعد هو طابع علاقات الاستبداد الشرقي فان المعادلة قد اختلت فيه. ولأن البعض لايريد لهذه المعادلة أن تصبح صحيحة.
ان الادراك الجدلي لوضع الحزب العام وماهية التنظيم فيه تدفعنا الى التأكيد على مايلي للخلاص من الحال التي هو عليها :
1. اقرار الانضباط الحر الواعي. والخلاص من المنطق المثالي الذي شوه الانضباط الحزبي بحيث فصله عن روح المبادرة والنقد (بحيث أصبح العلم قضية انضباط بدلا من أن يكون الانضباط قضية علم).
2. ضمان المركزية الديمقراطية بمفهومها اللينيني.
3. ضمان وعي فكري متقدم في الحزب.
4. علاقات عضوية متطورة حية ومتجددة مع حركة الطبقة العاملة تقوّي العملية الثورية في الساحة السورية وعلى نطاق الوطن العربي. (ان تنظيم الطليعة وحدها دون علاقات وثيقة ودون اندماج حقيقي في الطبقة، يؤدي في أحسن الأحوال الى العصبوية العقيمة، وفي أسوأها الى القيادة البيروقراطية، والى اغتصاب البروليتاريا من قبل مجموعة من (القادة المغامرين الاعتباطيين).
5. وعي طبقي وسياسي يتجلى في حركة الحزب المتعاظمة ودوره الفعال في التطور التاريخي للبلد.
*موضوعة الحزب الشيوعي العربي … هذه الموضوعة التي باتت موضع جدال طويل عريض مع البكداشية والتي كانت من ألمع النقاط المضيئة في خطنا السياسي والتنظيمي خف بريقها وتراجعت الى الظل. كان على التقرير التنظيمي ان يُبرزها لترى فيما اذا كانت الموضوعة لازالت على قيد الحياة أم أنها انتقلت الى جوار ربها.
عموما هناك قضايا وقضايا كان يمكن للتقرير أن يناقشها، وأن يهمَّ في تقديم اطارات عمل لتحقيقها ولكن يظهر أن في المجتمعات المتخلفة لا يمكن أن يكون الحزب الشيوعي الا متخلفا.
-2-
منذ أكثر من ثلاث سنوات كان يجري حوار متقطع غير جدي في المكتب السياسي. وأحيانا أخرى في اللجنة المركزية للحزب. كان يمكن لهذا الحوار الذي تناول المسألة السياسية وعلاقتها بالمسألة التنظيمية في اطار مرحلة (الركود السياسي) أن يثمر لو ان جميع الرفاق ناقشوا المسألة المطوحة بجدية ومسؤولية بعيدا عن النزق البرجوازي الصغير.
كنا جدا فخورين لو أن النقاش أخذ كامل أبعاده الحقيقية في الوصول الى مواقف معمقة. وقناعات مشتركة. لأن في ذلك خدمة للحزب لاتقدر بثمن خاصة وأن الحزب لم يناقش قضية بمثل هذه الخطورة في التنظيم طوال حياته السياسية. ولأن المرحلة تفرض بالحاح ضرورة حل مثل هذه الموضوعة لأن على حلها الصحيح يتوقف ولا أغالي اذا قلت مصير الحزب بكامله.
لم يكن يخيفنا أن تبرز االتلاوين والميول فيما بيننا فهذا أمر طبيعي جدا وعادي جدا وانه دليل عافية. كن نتمنى أن يجري الحوار الأصيل في مناخ حيث تناقش الاختلافات في الأراء بحرية. وأن يكون لكل منا رأيه المستقل الذي يلتقي بابداع وحرية مع أراء الأخرين ليتفاعل متألقا في الخط العام للحزب.
لم نكن في يوم من الأيام دعاة تماثل وتطابق في الأراء. كنا ندرك أن ذلك مناف لأبسط مبادئ الديمقراطية. وان كان البعض منا لايريد أن يفهم ذلك. وأن التماثل والديمقراطية لايمكن أن يتعايشا في حزب ثوري، علما بأنهما قد يتعايشان في حزب مثلوم الاعتبار في حزب مانوليتي ستاليني.
لم نكن نرغب أبدا في أن يتحول الحوار في أعلى مستويات الحزب الى مونولوج مبتذل رخيص. كنا ندرك عظيم الادراك أن الاختلافات في وجهات النظر عامل مكون ضروري لحركة الجدل التي تقود تطور الحزب وتقدمه. ولكن وبملء الأسف كان البعض يخاف بأن يفكر بصوت عال. وهنا تكمن المأساة الحقيقية لأزمة الحزب.
ان موضوعة المسألة السياسية والمسألة التنظيمية وشكل العلاقة فيما بينهما كانت منذ أيام ماركس وحتى يومنا هذا موضع مناقشات طويلة ومعمقة. وقد حسمت الحركة المسألة بتأكيدها على أن (التنظيم مسألة سياسية). وقد تجلى موقف ماركس من هذه الموضوعة في العديد من كتاباته. ففي رسالة بعث بها ماركس الى فريدريك بولتيه بتاريخ 23 تشرين الثاني عام 1871 جاء فيها: (وبديهي أن للحركة السياسية للطبقة العاملة هدفها النهائي، وهو الظفر بالسلطة االسياسية في صالحها، ولهذا الغرض، لابد بالطبع من تنظيم تحضيري للطبقة العاملة يبلغ درجة معينة من التطور، وينبثق ويتنامى من النضال الاقتصادي نفسه).
ان هذا يؤكد على أن موضوعة الربط الصحيح بين المسألة السياسية والمسألة التنظيمية موضوعة ماركسية لايجوز التساهل بها اطلاقا.
(ان الفكر المحوري في التصور الماركسي، عن الحزب، هي أن المبادئ والطرائق التنظيمية مشروطة بالهدف المطلوب ادراكه أي دكتاتورية الطبقة العاملة)
يقول لينين (لايمكن فصل المسائل السياسية ميكانيكيا عن مسائل التنظيم) ولقد صاغ لينين في جميع ماكتب عن التنظيم نظرية كاملة. كانت احدى المسائل المركزية فيها هي هذه الموضوعة التي طالما أكد عليها باستمرار وعبر جميع المراحل التاريخية التي مر بها الحزب الاشتراكي الديمقراطي الروسي. ومما أكدته تجارب الحركة الشيوعية، بأحزابها وجميع فصائلها أنه لايمكن أبدا فصل قضايا التنظيم عن قضايا البرنامج السياسي والتكتيك. ان الحركة السياسية كانت وتبقى وسيلة عظيمة لتطوير التنظيم الحزبي وصقله. ان أي برنامج سياسي مهما بدا صحيحا بدون تنظيم مقاتل يظل طوباويا. ولايستطيع تقديم الحركة خطوة الى الأمام باتجاه أهدافها. وكما يقال فان الآراء السياسية الصائبة تبقى مجرد آراء طوباوية ان لم تجد لها تعبيرا في التنظيم. ويخطئ من يحاول التعامل مع التنظيم الحزبي على أساس أنه مسألة تقنية لا أكثر ولا أقل. ان مثل هذا الفهم الخاطئ للتنظيم ليس فقط أنه منافٍ لمبادئ الماركسية اللينينية بل أنه معادٍ لها. يقول أنطونيو غرامشي في اطروحات ليون (ليس نمط التنظيم مسألة تقنية خالصة). وفي تاريخنا الحزبي عينة واضحة حاربناها جميعا ورفضنا أصولها التنظيمية ألا وهي البكداشية. واليوم نراها تعاود الكرّة بثوب جديد وبمفاهيم عصرية جديدة علها تستطيع المرور والوصول الى أهدافها. ان الخلل في الفكر البكداشي، الى جانب عناصر أخرى وجيهة كان في الحقيقة سببه الرئيسي هو هذا الفهم الخاطئ لمسألة التنظيم وكل من يخطئ في فهم مسألة التنظيم ولايسستطيع ادراكها على أنها مسألة سياسية وفكرية يغالط أكبر مغالطة، وينزلق في مطبات يمينية انهزامية أو يسارية انتهازية، أحلاهما مر.
ان الرؤية السياسية الواضحة تؤدي حكما الى مواقف في التنظيم واضحة وصحيحة. وكما هو واضح فان اكتمال الصيغة السياسية للعمل السياسي المتمثلة للواقع الموضوعي والأخذة بعين الاعتبار الجزء والكل، القطري والعربي، في منظورات سياسية متكاملة اقتصاديا وسياسيا وفكريا مصاغة في برنامج سياسي للحزب تساعد قطعا في تكوين وعي تنظيمي، لبنية الحزب ولوظيفته الثورية. يقول أنطونيو غرامشي وبالميرو توغيلياتي (ان جميع المشكلات التنظيمية مشكلات سياسية). وكما يقول جورج لوكاتش فان (مسألة التنظيم ليست مسألة تكنيكية خالصة بل مسألة فكرية وسياسية من مسائل الثورة) وكما أكد أيضا (أن السياسة والتنظيم وجهين ومظهرين من كُلِّ غير قابل للانقسام. ومن غير الممكن الوصول الى نتائج واقعية الا باعتمادهما كليهما معا). وعندما ناقشنا هذه الموضوعة في الحزب طلع علينا البعض منهم الرفيق رياض الأمين الأول للحزب والرفيق فايز عضو المكتب السياسي للحزب بأراء غريبة عجيبة قل اللهم زد وبارك، فلقد فصلوا بين السياسة والتنظيم، وأعلنوا جهارا أن حزبنا حزب يميني ليس منا. وأنه أي الحزب لايقوى على القتال فلنزجه في المعركة فمن يبقى بعد عمر طويل نعمده باسم الرب ومن يسقط كفانا الله شره. ان عملية الانتحار الجماعي هذه لايقابلها في التاريخ المعاصر غير عملية انتحار جماعة (هيكل الشعب) الأمريكية في غوايانا الاستوائية. بمثل هذا الشعور العال جدا بالمسؤولية يناقش الأمين الأول والرفيق فايز مصير الحزب. يهدمان أعمدة الحزب وبنفس الروح التي هدم فيها شمشون أعمدة الهيكل، علي وعلى أعدائي يارب. ولم يستطيعا ادراك أن هذا الواقع مبالغ فيه تماما. وأن هذا الحزب (اليميني حسب ادعائهما) يمكن أن يصير، أن يصبح حزبا مقاتلا من الدرجة الأولى شرط أن نفهمه ونفهم طريقة التعامل معه في ضوء جميع العوامل الموضوعية والذاتية التي تفرزها مرحلة الركود هذه.
كتب جورج لوكاش في ملاحظات منهجية حول مسألة التنظيم يقول (ان التنظيم اللينيني تنظيم جدلي، لا لأنه نتاج تطور تاريخي جدلي فحسب بل أيضا لأنه عامل هذا التطور الواعي و ذلك بقدر مايكون نتاج واقعه الذاتي ومنتجه معا).
(ان البشر يصنعون حزبهم بأنفسهم ومن هنا كانت حاجتهم الى بلوغ درجة عالية من الوعي الطبقي ومن نكران الذات ليريدوا ويسستطيعوا المشاركة في التنظيم. وهم لايصبحون ثوريين محترفين حقيقيين الا في التنظيم وبالتنظيم)
(الحزب هو الآخر ليس كائنا، وإنما يتكوّن، يصير حزبا. وصيرورة التفاعل المُثمر بين الحزب والطبقة تتكون، وإن على نحو مختلف في العلاقات بين الحزب وأعضاء الحزب. ذلك أن النظرة المادية التي نريد كما يقول ماركس في أطروحاته عن فيورباخ ” أن يكون الناس نِتاج الظروف والتربية وأن يكون الناس المتبدلون وبالتالي نتاج ظروف أخرى وتربية مغايرة، تنسى أن الظروف تتبدل هي نفسها بفضل الناس وأن المربي يحتاج هو نفسه الى تربية” ). استنادا الى هذه المقولات النظرية في التنظيم نستطيع أن نؤكد بأن الرفاق – الذين يعتبرون حزبنا يمينيا ولأنه كذلك يعلنون تخليهم عنه – لا يفهمون ألف باء المادية التاريخية. وأنهم أسرى ممفاهيم فوضوية لاتمت للماركسية بصلة. فاذا كان حزبنا يمينيا، ولنسلم بذلك جدلا، فمن يتحمل مسؤولية ذلك؟ القيادة أم القاعدة؟
ماذا فعلت القيادة من أجل أن يتحول هذا الحزب اليميني الى حزب ثوري مقاتل؟ غير أنها استسلمت وتقوقعت حول نفسها وقطعت كل علاقاتها مع القريب والبعيد. فاذا كان البشر يصنعون حزبهم بأنفسهم فلماذا لم نصنع حزبنا بأنفسنا؟ واذا نحن لم نصنعه فمن ذا الذي سيصنعه من أجلنا نحن الخطاة؟ ماذا أعددنا من أجل أن يصير هذا الحزب حزبا عبر صيرورة التفاعل المثمر بينه وبين الطبقة؟ أين جدلية الحزب في أنه نتاج واقعه الذاتي ومنتجه معا؟
لاشيء من هذا على الاطلاق. والأنكى أننا عزلنا الحزب عن الطبقة وقطعنا حبل السرة بينه وبينها.وخلقنا منه جسما غريبا عنها. ومع هذا جاؤوا اليوم يطالبونه بأن يكون السوبر بارتي (الحزب المقاتل) ولأنه غير ذلك فهما لا علاقة لهما به، فهما أبرياء من دم يوسف. داعين (رياض وفايز) الى تبنّي موضوعة التصعيد الأحادي الجانب للخط السياسي على حساب الخط التنظيمي. وعندما كان التنظيم يتدهور (سقط نصف الحزب) وعندما كان التركيب الطبقي للحزب قد أصبح في صالح البرجوازية الصغيرة (أي ان 90% من تركيب الحزب برجوازية صغيرة) والمؤسف أن التقرير التنظيمي لم يذكر ذلك. كان الرفيقان جدا مسروران لذلك ويطالبان هل من مزيد في التصعيد للخط السياسي؟ متبجحين بأنهما أكثر ثورية من باق الرفاق وأنهما يمثلان يسار اليسار في الحزب.
في مجابهة هذا الميل المغامر، أعلنا بكل وضوح وجهة نظرنا الماركسية، ونحن ننظر الى جميع خصائص المرحلة على النطاق القطري والعربي وفي ضوء ذلك كله أخذنا بعين الاعتبار تطور العلاقات بين جميع الطبقات في مجتمعنا، والدرجة الموضوعية لتطور هذا المجتمع، مع الاحترام الكامل للعلاقة بين ماهو قطري وبين ماهو عربي. والى جانب الأخذ بوضع الحزب العام ووضع جميع القوى التقدمية في الساحة السورية وعلى النطاق العربي.
أولا: اننا مع التصعيد السياسي لمواقف الحزب شريطة أن نرى بوضوح، أن الحلقة المركزية في ذلك هي اقامة تحالفات مرحلية واستراتيجية. إذ أن مثل هذه التحالفات تساعد على حماية الحزب، وتسهل إمكانية تنفيذ مهامه السياسية المباشرة وغير المباشرة. وأن نراعي في ذلك … :
أ- أن تكون المسافة متوازنة بيننا وبين مواقف القوى التقدمية الأخرى.
ب- أن نكون في الطليعة دون الانقطاع أو الانعزال عن الجماهير.
ج- أن تكون أهدافنا السياسية واضحة.
د- أن تكون شعاراتنا السياسية حيّة غير مجرّدة.
وكما كتب أنجلز بصدد نشاط الطبقة العاملة السياسي : (تنحصر المسألة كلها في أن نعرف كيف نمارس السياسة وأي سياسة نمارس).
ثانيا: أن نصعّد خطنا التنظيمي وأن نخلق منه تنظيما مقاتلا يستطيع التعامل مع مختلف الظروف مهما قست. ومهما كانت الانعطافات السياسية حادة. وكما يُقال ( فأن بناء تنظيم مقاتل والقيام بالتحريض السياسي، هما شيئان ضروريان تحت أي ظروف ظلامية وتحت أية فترة تتسم بجذر الروح الثورية والأكثر من ذلك أن مثل هذا العمل ضروري في هذه الفترات وتلك الظروف على التحديد. اذ سيكون تشكيل ذلك التنظيم في أوقات الغليان والانفجارات أمرا قد فات أوانه. لأنه يجب على الحزب أن يكون في حالة استعداد للعمل فورا في ظرف أنذار لا يزيد على لحظة واحدة).
أما أن يجري التصعيد في الموقف السياسي للحزب وعلى حساب التنظيم فتلك هي المغامرة بعينها. وعندما كنا نطالبهم بالتصعيد في الخط التنظيمي لحماية الخط السياسي والحزب، كانوا يرددون بأن الخط السياسي يحمي نفسه، وأن الجماهير ستصون الحزب.
أي خط سياسي هذا الذي يحمي نفسه؟ وأية جماهير هي تلك التي ستصون الحزب؟ لنتكلم بصراحة وبموضوعية ولنراجع ألف باء الماركسية.
ما معنى الخط السياسي؟ …. الرفيقان رياض و فايز يفهمان ويفهم غيرهما على أن الخط السياسي عبارة عن مقال في جريدة الحزب لا غير. وهذا لعمري بؤس الماركسية أو ماركسية البؤس. الخط السياسي هو برنامج الحزب وتكتيكه. هو جميع مواقف الحزب في الاقتصاد وفي السياسة والاجتماع والايديولوجيا والخ … . الفرق واضح بين الخط السياسي والموقف السياسي. مقال الجريدة موقف سياسي لاغير. علينا أن ندرس النظرية السياسية في المادية وأن نفهم المقولات المنهجية فيها. نحن بحاجة الى أن ندرس ثم ندرس ثم ندرس. واذا كان لهذا الخط أن يحمي الحزب يوما ما فمما لابد منه هو أن يتحول الى قوة مادية. وكما كتب ماركس في كتابه ” نقد فلسفة الحق لهيجل” … (من الواضح أن سلاح النقد لايستطيع أن يقوم بما يقوم به السلاح المادي. فالقوة المادية لايغلبها على أمرها ويلاشيها الا قوة مادية، ولكن النظرية بدورها تصبح قوة مادية منذ اللحظة التتي تنتشر فيها بين الجماهير، وتصبح للنظرية قدرة الانتشار والتغلغل بين الجماهير منذ اللحظة التي تشير فيها كل الدلائل الى أنها تعمل لصالح الانسان وهي تعمل لصالح الانسان عندما تصبح جذرية. وتكون النظرية جذرية عندما تتناول الأشياء من أصولها وأصول الانسان هي الانسان نفسه).
فهل حقا أن خطنا قد تحول الى قوة مادية؟ الى قوة جماهيرية؟ أين هو خطنا؟ أين هي مؤلفاتنا السياسية والاقتصادية والاجتماعية؟ لقد كتب لينين عشرات المجلدات قبل الثورة. وكتبت قيادة الحزب مئات الأبحاث والدراسات. في كل هذا كان يتألق الخط السياسي لحزب لينين. أين نحن من كل هذا، أية قوة مادية يمتلك الحزب في أوساط الجماهير؟ هل نُقاس بالبلشفية التي يقول عنها لينين (أنها أمضت خمسة عشر عاما 1903-1917 من التاريخ العملي الذي لايضارعه في غنى خبرته مثيل في العالم. إذ لم يشهد أي بلد خلال هذه السنوات الخمس العشرة، حتى بصورة تقريبية، مثل هذا الشيء الكثير، ونعني الخبرة الثورية والسرعة والتنوع في تبدل مختلف أشكال الحركة، من علنية وغير علنية، هادئة وعاصفة، سرية ومكشوفة، حركات ضيقة النقاط وحركات جماهيرية، وحركات برلمانية وارهابية).
تكلموا بموضوعية واطرحوا الأمور بتواضع. في شكل العلاقة بين المسألة السياسية والمسألة التنظيمية تبرز ظاهرة عُرفت في الحركة الشيوعية باسم (المحافظية) أي (ميول يمينية في التنظيم أو في السياسة) أي عندما يحدث الخلل بين طرفي المعادلة ويعرقل أحدهما عمل الأخر كأن يعرقل الخط السياسي عمل المسألة التنظيمية أو أن يعرقل الخط التنظيمي عمل المسألة السياسية. وبشكل أوضح عندما يُطرح السؤال الأكبر… مصلحة الحركة أم مصلحة الحزب؟ وحيث لايستطيع الحزب أن يواكب سيرورة الحركة تكون (المحافظية) في الحزب قد وصلت الى مرحلتها العليا.
أما عندنا فالمسألة مسألة تشوش وارتباك وهذا طبيعي. لأن المسائل الكبرى لم تُحسم بعد. ولأن المرحلة لم يُتفق على تقييمها. ولأن الرفاق رياض وفايز وميشيل عيسى أخذوا يشكلون بدايات الأجهزة المحافظة. لكل هذا يصحّ في وضع حزبنا ما كتب عنه لينين في تموز 1917 حيث قال: (يحدث غالبا خلال منعطف مفاجئ من تاريخ الأحزاب المتقدمة نفسها أن تعجز خلال فترة قصيرة أو طويلة حسب الحالات، عن التكيّف مع الوضعية الجديدة وتبقى تردد الشعارات التي كانت بالأمس صحيحة إلا أنها اليوم فقدت فجأة كل معنى لها).
في هذا تبيان واضح الدلالة عى الخلل بين التنظيم والسياسة. هنا نجد أن التنظيم متخلف عن الأخذ بما استجد في السياسة. والأمثلة كثيرة عى ذلك والأدلة عديدة ومثال البلاشفة يؤكد ذلك. فحيث نادى لينين في موضوعات نيسان للثورة الاشتراكية كان البلاشقة القدامى يرفعون شعارات عام 1905 وينادون بالثورة الديمقراطية البرجوازية. ومثال المناشفة وأحزاب الأممية الثانية يعطينا دليلا قاطعا على المحافظية التي عاشتها أحزابها والتي كانت سببا في تدهورها وتحولها الى أحزاب اصلاحية. وكلنا يذكر المعارك الفكرية والسياسية التي خاضها كل من روزا لوكسمبورغ وكارل لبنيخت ضد محافظية الحزب الاشتراكي الألماني.
ان الشكل التنظيمي الذي كان مفيدا لمواجهة أهداف محددة، في وضع محدد، وفي مرحلة محددة، يمكن أن يصبح بكل سهولة عقبة وعائقا في شروط نضالية مختلفة. هذا إذا كان الحزب غير واعيا لمسألة التنظيم، ولم يأخذ على عاتقه، مسألة إعادة تربيته نضاليا، وإعداده فكريا وسياسيا.
يقول لينين في مناقشته لوضع الحركة الاشتراكية الديمقراطية في بولونيا ولاتفيا: (ان كل شكل نضالي جديد، ينطوي على مخاطر جديدة وتضحيات جديدة، لابد له أن “يشوّش” المنظمات غير المهيئة له). وهذا ماجرى عندنا بالذات، لقد كان تنظيمنا مقبولا لاغبار عليه عندما كان تقييمنا للمرحلة يقوم على (أن التحولات الجارية في سوريا العربية تقطع طريق التطور الرأسمالي وتدفع البلاد باتجاه الاشتراكية) وعنما تطورت المرحلة بشكل آخر تشوشت بعض منظماتنا وبعض عناصرنا القيادية التي أضاعت البوصلة واتجهت الى أقصى اليسار، بدلا من أن تنظر الى تطورات المرحلة بعقلانية بعيدا عن الارتجال والمزاجية. المسألة تكمن في كيف يجب أن نوقف هذا التشوش، وليس في زج الحزب في معركة خاسرة غير مُهيّئ لها. نحن ليس لدينا صنمية معينة اتجاه التنظيم. ولايمكن لنا أن نفهم التنظيم على أساس أنه مسألة تقنية فقط وكذلك الأمر بالنسبة للمسألة السياسية. فنحن لا نستطيع أن نفهم تنظيم حزبنا جيدا الا عندما نعرف السياق التاريخي الذي يتوجب على الحزب أن يعمل فيه، أي أن فهم التنظيم مرتبط بفهم المهام والمسؤوليات السياسية. إن القصور في الوعي التنظيمي دليل على قصور الرؤية السياسية. ادرسوا المرحلة فكريا وسياسيا واطرحوا مهمات تنظيمية وأخرى سياسية فستجدون حزبا يقاتل السماء.
ان تجاوز الميل المحافظ في الحزب يجب أن يعتمد على الأسس التالية:
1- رفع الوعي النظري في الحزب خاصة وأن ملامحنا الفكرية غير واضحة بعد. وأن الرفاق كل يغزل بمغزاله. وكما يقول غرامشي:(وما لم يكن الانسان منهمكا في عملية نقد دائمة لنظرته للعالم من أجل أن يصل بها الى التماسك فانه ينتمي وفي نفس الوقت الى العديد من التكتلات البشرية. وتتشكل شخصيته الخاصة بطريقة غريبة. انها تحتوي على عناصر انسان المغارة ومبادئ أكثر التعليم الحديث تقدما وتصورات بالية عن كل الحقب التاريخية السابقة وحدوسات فلسفة مستقبلية عن جنس بشري موحد على امتداد العالم). اذا فالمسألة الحاسمة هي نقطة الوعي. والوعي الماركسي هو بالانتقال من التأمل الى التاريخ ومن المثالية الى المادية.
2- تنشيط الحركة السياسية للطبقة العاملة والعمل على تسييس المجتمع. ان النظرية اللينينية في التنظيم لا تأخذ كل معناها- ولينين نفسه هو الذي شدد مرارا على هذا الجانب من المسألة- الا بالعلاقة بطبقة عاملة نشطة. كما أنه يجب أن نستبق الأحداث السياسية وأن نعيش انية الحدث السياسي. وأن نسعى باستمرار الى استعجال وتيرة الأحداث (بدراسة قوانينها الاجتماعية ساعين الى جذب الفئات الأكثر رتابة والأكثر استرخاءا والأكثر لامبالاة الى العمل السياسي الثوري). مع ملاحظة أنه يجب أن نتفادى موضوعة أن اليأس هو السبب الوحيد الذي يدفع الجماهير الى التحدي. فتلك مسألة المسائل التي يجب أن نتنبه لها.
3- الاندماج بالجماهير الشعبية وكما أعلن لينين في المؤتمر الثاني للأممية الشيوعية (نحن بحاجة الى أحزاب جديدة الى أحزاب أخرى. نحن بحاجة الى أحزاب تكون دائما على صلة فعاية مع الجماهير وتستطيع أن تقود الجماهير). بدلالة هذا يجب أن نتوقع الاتجاه الذي سيأخذه تطور الواقع الاقتصادي الموضوعي. مع استشفاف الموقف المناسب الذي يتوجب على الطبقة العاملة أن تقفه من خلال تلك الأوضاع الناشئة. وبدلالة هذا التوقع ينبغي على الحزب أن يهيئ جماهير الطبقة بقدر الامكان لتستقبل التطورات القادمة.
4- أن نُسقِط موضوعة (يكفينا أننا مستمرون) التي يُطلقها أهل الفقه فينا. انها التعبير الواضح عن قصور العامل الذاتي عن عجزية القيادة شكلا ومحتوى. ان المسألة تكمن في ضرورة بناء التنظيم القادر على ترجمة الخط السياسي الى واقع مادي. التنظيم الذي تتألق فيه همّة وحماسة جميع الرفاق قدرة ونشاطا على خلق البؤر التنظيمية الثورية.
– 3 –
يهمنا في مرحلتنا هذه أن ندرس تجارب الآخرين وخاصة تجربة الأممية الأولى بقيادة ماركس و إنجلز والأممية الثالثة وتجربة الحزب الاشتراكي الديمقراطي الروسي بقيادة لينين. لنتبين مكامن الصواب التي احتذوها ليُصار الى دراستها عندنا وتطبيق مايمكن تطبيقه على الساحة السورية بعد الأخذ بالاعتبار جملة الخصائص والسمات الخاصة بمرحلتنا وطنيا وقوميا.
كتب لينين في مقالة بعنوان (مهمات البروليتاريا في ثورتنا) : (ان التاريخ في تلك المرحلة 1871- 1914 بعد هزيمة كمونة باريس قد وُضِع في جدول الأعمال العمل التنظيمي والتثقيفي البطيء. ولم يكن ثمة عمل آخر. لقد كان الفوضويون ومايزالون على خطأ تام من الناحية النظرية في ميدان الاقتصاد والسياسة وليس هذا وحسب. بل انهم أعطوا حكما خاطئا على تلك المرحلة لأنهم لم يدركوا الحالة في العالم بأسره .. العامل الانكليزي تُفسِده الأرباح الاستعمارية، كمونة باريس مسحوقة، الحركة الوطنية البرجوازية أحرزت النصر في ألمانيا 1871، وروسيا نصف الاقطاعية تغطّ في نومها المزمن.)
أما ماركس و إنجلز فقد قدرّا تلك المرحلة تقديرا صحيحا. لقد أدركا الحالة الدولية. أدركا مهمات السير البطيء نحو الثورة الاجتماعية فلنعرف كيف ندرك بدورنا مهمات المرحلة الجديدة وخصائصها. ولا نقلدنا أبدا الماركسيين الأردياء الذين قال عنهم ماركس (زرعت التنانين وحصدت البراغيث). وفي مقدمة الترجمة الروسية لرسائل ماركس الى كوغلمان كتب لينين يقول: ( في أهدأ المراحل وقد يُقال في أكثرها عذوبة وسذاجة على حد قول ماركس في مراحل الركود الكئيب على حد قول هيئة تحرير نيوزايت كان ماركس يعرف كيف يشعر مُسبقا باقتراب الثورة وكيف يرفع البروليتاريا حتى تُدرك مهماتها الطليعية الثورية) بالاستناد الى هذين المقطعين الصغيرين والى جميع ماكتب ماركس وإنجلز نستطيع القول بأنهما درسا مرحلة الركود هذه دراسة معمقة واستنتجا منها جميع مايلزم لخلاص الطبقة والحزب بأقل مايمكن من الخسائر. وفي ضوء هذا أكدا على :
1- الاهتمام بالعمل التنظيمي.
2- تنشيط العمل التثقيفي البطيء.
3- وضع مهمات نضالية للسير البطيء نحو الثورة الاجتماعية.
4- رفع وعي البروليتاريا كي تدرك مهماتها الثورية. كما أنهما خاضا نضالا عنيدا ضد الفوضويين والمتآمرين.
أما بالنسبة لتجربة لينين بخصوص مرحلة الركود السياسي التي جاءت بعد فشل ثورة 1905 فهي تجربة غنية ومتنوعة يمكن تكثيفها وإيجازها في مقطع من مقالته الشهيرة ( الى الجادة ) حيث كتب يقول : (اجتزنا سنة من الانهيار سنة من الاضطراب السياسي الفكري سنة من التيهان الحزبي. وقد تناقص عدد الأعضاء في جميع منظمات الحزب وانهار بعضها الآخر ومنها بالذات المنظمات التي يؤلف فيها البروليتاريون النسبة الأضعف. وأخذت مؤسسات الحزب شبه العلنية التي خلقتها الثورة تُمنى باخفاق بعد اخفاق. وبلغ الأمر حدا طُرح معه أمام بعض العناصر في داخل الحزب استسلمت لتأثير الانحلال سؤال: هل تنبغي المحافظة على الحزب الاشتراكي الديمقراطي السابق، هل تنبغي متابعة قضيته هو، هل ينبغي سلوك طريق العمل السري من جديد، وكيف نعمل ذلك؟ . وقد أجاب المتطرفون اليمينيون على هذا السؤال داعين للعلنية مهما كلف الأمر وحتى لو كلّف الأمر التخلي السافر عن برنامج الحزب وتكتيكه وتنظيمه وهذا ما يُدعى (بتيار التصفية). ان الأزمة لم تكن دونما ريب مجرد أزمة تنظيمية انما كانت أيضا أزمة سياسية فكرية. ومن أخطار هذه المرحلة في روسيا أنها فرزت تيارين معاديين لمسيرة الحزب. الأول عُرِف بتيار التصفية والذي نادى علانية بالتعامل مع النظام القيصري والعمل على الغاء الحزب الثوري. لقد كان التصفويون من أصحاب العلانية بأي ثمن. ان التصفوية ظاهرة اجتماعية ترتبط بالفكر البرجوازي الليبرالي وبالانحلال والانهيار في أوساط البرجوازية الصغيرة الديمقراطية النزعة. والثاني عُرِف بالتيار الانسحابي عناصر يسارية متذبذبة عُرفوا بالانسحابيين لأنهم رفضوا الاشتراك في البرلمان وامتنعوا عن استخدام الامكانيات العلنية وسط الجماهير. وهذا يعني قطع ارتباطات الحزب بالجماهير. والى أن يتحول الحزب الى منظمة عصبوية.
ان استبدال العمل الثوري اليومي بالعبارات الثورية –ان الله يخلق من الشبه أربعين- يقود الى حالة الانتظار السلبي أو يدفع الحزب الى القيام بأعمال المغامرة اليسارية وهذا أخطر ما يضرّ الحزب والطبقة. ان هذا النهج بالنسبة للانسحابيين ليس الا التعبير الحي عن الحيرة والعجز اتجاه العمل الدائب والمعقد والشاق الذي تطلبته الظروف الموضوعية للحظة الراهنة في روسيا).
استنادا لما كتبه لينين حول هذه المرحلة يمكن القول أنه اعتمد العديد من الأسس في عمل الحزب السياسي والفكري والتنظيمي أهمها:
1- تقييم علمي لطبيعة المرحلة مع وضع تكتيك جديد مطابق للظروف المستجدة.
2- أن يستخدم الحزب مختلف أشكال النضال التي تساعد على تحقيق سياسته.
3- أن يعتبر الحزب المسألة المركزية في نضاله السياسي هي تحقيق الوحدة العضوية بين الحزب وحركة الطبقة العاملة.
4- أن يعمل على رفع المستوى الفكري في الحزب باستمرار مع العمل على صيانة نقاوة الفكر الماركسي من تطاولات المحرّفين والمرتدين.
5- أن يوفق بشكل جيد بين العمل السري والعمل العلني في الحزب. أي اقرار نسب صحيحة بين العمل العلني وغير العلني.

Social Links: