منذ أن أعلنت اللجنة العليا لإدارة انتخابات البلديات التركية في 6 من أيار 2019 قرارها بإلغاء انتخابات بلدية إسطنبول، وتحديد يوم 23 من حزيران من العام نفسه لإعادتها بناء على اعتراضات من حزب العدالة والتنمية، دخل المهتمون بالشأن التركي العام، والسوريون منهم على وجه الخصوص، في نوع من التبصير والتنجيم وفق قليل من المعطيات، وكثير من المواقف المسبقة والرغبات، وجرت أحاديث عامة لم تقف عند حدود الانتخابات بل تعدتها إلى تقييم مسار السياسة التركية العامة وأحزابها حاضراً ومستقبلاً، وقد اشتد أوار الحوارات والنقاشات بين المتداولين في ذلك الشأن لتبلغ حدود الرهانات على فوز هذا الفارس أو ذاك..!
لاشك أن اعتراض حزب العدالة على نتائج انتخابات بلدية إسطنبول الأولى صحيح إذ جرت تجاوزات في قانون الانتخابات، وفي تعليماته التنفيذية، أدين من خلالها أنصار المرشح أكرم إمام أوغلو رغم أنَّ المرصود منها لم يكن ليصل إلى حجم الأصوات التي يمكن لها، آنذاك، أن تعدَّل في النتائج النهائية، لكنها قد حصلت فعلاً، وقرار الهيئة العليا القاضي
النتائج أتت لاعتبارات أخرى أساسية تتعلق بمحتوى الديمقراطية التي تتعمق في تركيا مع تنامي اقتصادها ومجتمعها، ومع تفاعل دورها الإقليمي والدولي
بالإعادة مبرر قانونياً، ولا غبار عليه، وإن جاء، في عمقه وأبعاده، سياسياً أكثر مما هو حقوقي، وبغض النظر عن خطئه أو صوابه، فهو يخصُّ بلدية إسطنبول العزيزة على حزب العدالة الذي له عليها أياد بيضاء امتدت على مدى ربع قرن.. ناهيكم بحجم مدينة إسطنبول، وعراقتها، وموقعها في تركيا أولاً، وفي العالم ثانياً.. فهي، بكل تأكيد، مدينة مدن العالم أجمعين..!
ما يهمنا في هذا السياق قراءة النتائج التي أتت بحسب إرادة الرياح لا بما يتمناه ربان السفينة، ما أقصده أن النتائج أتت لاعتبارات أخرى أساسية تتعلق بمحتوى الديمقراطية التي تتعمق في تركيا مع تنامي اقتصادها ومجتمعها، ومع تفاعل دورها الإقليمي والدولي.. فالنتيجة جاءت لصالح تركيا الدولة والشعب، ولصالح الديمقراطية التي تفترض التجديد في مياه النهر، لا ليكون أكثر مراء ولذة للشاربين بل لجعلهم أكثر نشاطاً وحيوية، وبالتالي أكثر إبداعاً في حياتهم التي من أجلها تأتي الانتخابات..!
إن قضية التجديد التي تنطوي، بديهياً، على التبديل والتغيير اللذين هما عنصران أساسيان في محتوى الديمقراطية.. فهما لا يعكسان ظاهر الحياة وشكلها فحسب بل ومحتواها أيضاً..! وما المزاج الشعبي الراغب في التجديد وتجاوز الأطر إلا تعبير عن ذلك المحتوى الأكثر أهمية..
وإذا ما نظرنا إلى الآية معكوسة فإننا، بالطبع، سنحصل على نتيجة عكسية تماماً.. فالسير على منوال واحد يغدو مع الأيام مثل بركة راكدة المياه.. فالإنسان الفرد، رجلاً كان أم امرأة لديه طاقة مهما كان توهجها فسوف يخفت مع الأيام.. هذه حقيقة إنسانية لها علاقة في الفرد ذاته، وفي من حوله..! ولعلًّ الرئيس النموذجي الذي انتبه لهذا الأمر جيداً هو الرئيس الماليزي مهاتير محمد الذي استطاع أن ينقل بلاده خلال عشرين عاماً نقلة استثنائية نال بها ثقة شعبه وحبه، وخرج من الحكم بإرادته مزهواً بفعله، ومزهوة بلاده بارتقائها، ونهوضها، وحين احتاجته ثانية لبَّاها، وقد جاوز الثمانين، ومثله فعل مانديلا جنوب إفريقيا..!
أتيت بهذين المثالين للإشارة إلى أن المرشح بن علي يلدريم رغم تجربته الطويلة، وخبرته الفاعلة إلا أنَّ له ما له وعليه ما عليه، إضافة إلى أنه محسوب على الجيل القديم بإيجابه وسلبه، فهو ليس ذلك الشاب الواعد كما منافسه أكرم إمام أوغلو ابن الأربعين عاماً الأقرب إلى جيل الشباب الذين يشكلون نسبة غالبة في تنشيط أية انتخابات، إضافة إلى أن ثمة آراء في المرأة
الديمقراطية هي التي ربحت، وهي التي تعدُّ الضمانة الأكثر ثقة لا لاستقرار أي بلد في عالمنا المعاصر بل لنموه وتطوره وتعاطيه مع حضارة اليوم
نسبت إلى يلدريم قد لا تتلاءم وعقلية الشباب المتفتح على روح العصر.. ذلك إذا لم نأخذ بالحسبان أيضاً ما حدث في السنوات الأخيرة من تباين في الرأي بين قادة حزب العدالة والتنمية انعكست على نحو أو آخر على سيرورة هذه الانتخابات ونتائجها.. ولعل الشعار الذي جعله المرشح أكرم إمام أوغلو عنواناً لحملته الانتخابية: “نهاية آذار يأتي الربيع” يتقاطع مع بعض الانتقادات التي وجهها أحمد داوود أوغلو رئيس الوزراء السابق إلى حزبه، حزب العدالة والتنمية.. ومن جهة ثانية فإن أكرم إمام أوغلو شاب متدين، وقد أظهر ذلك في نشاطه الانتخابي، وكأنه أراد القول: إن التدين طبيعي لا يحتاج إلى حزب..!
وفي جميع الأحوال، ومهما كانت النتائج، فإن الديمقراطية هي التي ربحت، وهي التي تعدُّ الضمانة الأكثر ثقة لا لاستقرار أي بلد في عالمنا المعاصر بل لنموه وتطوره وتعاطيه مع حضارة اليوم..
وإذا ما انتقلنا إلى الضفة الأخرى حيث السوريون سواء الموجودون في تركيا أم هؤلاء الذين ما زالوا في الوطن الأم فتراهم منقسمين بين شائح ونائح لخسارة حزب العدالة والتنمية، وبين مطبِّل ومزمِّر لخسارة الحزب نفسه، وكأن المطبلين في هذه الحال قد استعادوا الجولان المحتل، وقد تناسى الطرفان أنَّ الديمقراطية التي تفتحت في تركيا أحزاباً وانتخابات ومناظرات وصحفاً وإعلاماً قد بدأناها- نحن السوريين- منذ خمسينيات القرن الماضي إذ كانت سوريا دولة رائدة في منطقة الشرق الأوسط كلها تعمل بثقة، وبهدي من الديمقراطية، على تنمية اقتصادها ومجتمعها ونظامها السياسي الديمقراطي الذي اتسع للأطياف السورية كلها تآلفاً وتوادّاً قبل أن يغزوها عسكر البعث بشعاراتهم وشعبويتهم، ليدوسوا بأحذيتهم الأحزاب والجمعيات والمنتديات والمسارح ودور السينما (كانت حلب وحدها في الخمسينيات تصدر 12 جريدة ومجلة، و22 داراً للسينما، وحلب آنذاك لا تزيد في سكانها عن ستمئة ألف نسمة، وكان في دمشق نحو 18 صحيفة ومجلة، ومن جهة أخرى فإن دمشق هي: “أول مدينة عربية افتتحت فيها بنوك وشركات وفنادق عالمية، وكذلك هي أول مدينة عربية سارت سيارة في شوارعها عام 1905، وأول مدينة عربية تأسس فيها برلمان، وافتتحت بها جامعة”). وما فعل العسكر ذاك إلا ليوصلوا سوريا إلى ما هي عليه اليوم من دمار بنيان، وتشتت شعب، وضياع هدف وهوية وصوت سوري أصيل واضح في معالمه.. صحيح أن التاريخ لا يعود إلى الخلف، ولن يأتي الحل من تقديس الماضي قريباً كان أم بعيداً.. لكنها الديمقراطية التي تفرض نفسها إذ ترعى حقوق الجميع، وتفسح في المجال للنمو والإبداع وتقطع الطريق على الاستئثار والاستبداد وفساد نظامه، وهذا ما كانت تشكو منه سوريا عبر خمسة عقود، وتبحث عن نقيضه.. وهو ما دعا النظام لشن حربه على الشعب منذ أن نادى بالحرية سبيلاً لخلاصه..! ومهما يكن من أمر، فإن صوت الشعب هو الأقوى والأبقى رغم إرادة هذه الدولة أو تلك من الدول المتنافسة على سوريا اليوم والساعية بجهد للإبقاء على النظام ضماناً لمصالحها..!

Social Links: